ولما كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣] ثم كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفًا مع أنها من دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش وذلك مؤيد لما فهمته في البأساء والضراء فإن استعماله في القرآن أكثر من المرتب فقال معلمًا لمن سأل: هل سأل المخاطبون بذلك عنهما؟ ﴿يسئلونك ماذا﴾ أي أيّ شيء
[ ٣ / ٢١٢ ]
﴿ينفقون﴾ من الأموال. وقال الحرالي: لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في الأزمان كان انتظام خطابه متراجعًا بين خطاب دين يتلقى عن الله وبين إقامة بحكم يكون العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره وبين إنفاق يكون فيه خليفة في أيصال فضله، لأن الشجاعة والجود - خلافة والجبن والبخل عزل عنها، فكان في طي ما تقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق، وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ينفق، لأن المنفق هو الفضل كله، قال ﷺ: «يا ابن آدم! إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك» ففي هذا السؤال ممن سأله له نوع تلدد من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في أمر البقرة من مرادة المسألة، لم يستأذن الصديق رضي الله تعالى عنه حين أتى بماله كله ولا استأذن عمر ﵁ حين أتى بشطر
[ ٣ / ٢١٣ ]
ماله ولا استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما عن شطر ماله وإحدى زوجتيه؛ فكان في هذا السؤال إظهار مثل الذين خلوا من قبلهم ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم: تنفقون الفضل، فكان يقع واجبًا ولكن الله لطف بالضعيف لضعفه وأثبت الإنفاق وأبهم قدره في نكس الإنفاق بأن يتصدق على الأجانب مع حاجة من الأقارب فقال تعالى خطابًا للنبي ﷺ وإعراضًا منه عن السائلين لما في السؤال من التبلد الإسرائيلي - انتهى. فقال: ﴿قل ما أنفقتم من خير﴾ أي من مال وعدل عن بيان المنفق ما هو إلى بيان المصرف لأنه أنفع على وجه عرف منه سؤالهم وهو كل مال عدّوه خيرًا فقال معبرًا بالماضي ليكون أشمل: ﴿ما أنفقتم من خير﴾ فعمم المنفق منه وهو كل ماله تعدونه خيرًا وخص المصرف مبينًا أهمه لأن النفقة
[ ٣ / ٢١٤ ]
لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها فقال: فللوالدين﴾ لأنهما أخرجاه إلى الوجود في عالم الأسباب ﴿والأقربين﴾ لما لهم من الحق المؤكد بأنهم كالجزء لما لهم من قرب القرابة ﴿واليتامى﴾ لتعرضهم للضياع لضعفهم.
وقال الحرالي: لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم الذي أوجب خلافة الغير عليهم - انتهى ﴿والمساكين﴾ لمشاركتهم الأيتام في الضعف وقدرتهم في الجملة على نوع كسب.
[ ٣ / ٢١٥ ]
قال الحرالي: وهم المتعرضون لغة والمستترون الذين لا يفطن لهم ولا يجدون ما يغنيهم شرعًا ولغة نبوية - انتهى. ﴿وابن السبيل﴾ لضعفه بالغربة والآية محكمة فحمل ما فيها على ما يعارض غيرها.
ولما خص من ذكر عمم وبشر بقوله: ﴿وما تفعلوا من خير﴾ أي مما يعد خيرًا من عين أو معنى من هذا أو غيره مع هؤلاء أو غيرهم ﴿فإن الله﴾ المحيط علمًا وقدرة بكل شيء. ولما كان على طريق الاستئناف في مقام الترغيب والترهيب لكونه وكل الأمر إلى المنفقين وكان سبحانه عظيم الرفق بهذه الأمة أكِد علمه بذلك فقدم بذلك فقدم الظرف إشارة إلى أن له غاية النظر إلى أعمالهم الحسنة فقال: ﴿به عليم *﴾ أي بالغ العلم
[ ٣ / ٢١٦ ]
وهو أولى من جازى على الخير. وقال الحرالي: ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في الإنفاق لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس فيكاد لا يسلم لها منه إلا ما لا تعلمه شمالها التي هي التفاتها وتباهيها ويختص بيمينها التي هي صدقها وإخلاصها - انتهى. ولما أخبروا بما سألوا عنه من إحدى الخصلتين المضمنتين لآية الزلزال كان ذلك موضع السؤال عن الأخرى فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله: ﴿كتب﴾ . وقال الحرالي: لما التف حكم الحج بالحرب تداخلت آيات اشتراكهما وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] انتظم به كتب القتال، والفرض من الشيء ما ينزل بمنزلة الجزء منه، والكتب ما خُرز بالشيء فصار كالوصلة فيه، كما جعل الصوم لأن في الصوم جهاد النفس كما أن في القتال جهاد العدو، فجرى ما شأنه
[ ٣ / ٢١٧ ]
المدافعة بمعنى الكتب وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض، وهما معنيان مقصودان في الكتاب والسنة تحق العناية بتفهمهما لينزل كل من القلب في محله ويختص النية في كل واحد على وجهه وقد كان من أول منزلة آي القتال ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج: ٣٩] فكان الأول إذنًا لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من نفسه من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم لربهم ورغبتهم إليه في الخلوة به والأنس بمناجاته فالذين كانت صلاتهم حبًا كان الخطاب لهم بالقتال إذنًا لتلفتهم إليه في بذل أنفسهم لله الذين كان ذلك حبًا لهم يطلبون الوفاء به حبًا للقاء ربهم بالموت كما أحبوا لقاء ربهم بالصلاة «حين عقلوا» وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه، فكان من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم، وطلب لقائه بالشهادة «في الحرب»، فلما اتسع أمر الدين ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة للقاء الله على البدار للجهاد نزل كتبه كما نزل فرض الصلاة
[ ٣ / ٢١٨ ]
استدراكًا فقال: ﴿كتب عليكم القتال﴾ أي أيتها الأمة! وكان في المعنى راجعًا لهذا الصنف الذين يسألون عن النفقة، وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها فكأنهم يتبلدون في الإنفاق تبلدًا إسرائيليًا ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل التيه منهم الذين قالوا:
﴿اذهب أنت وربك فقاتلا﴾ [المائدة: ٢٤] انتهى. ﴿وهو كره﴾ وهو ما يخالف غرض النفس وهواها، ولعله لكونه لما كان خيرًا عبر باللام في ﴿لكم﴾ وهذا باعتبار الأغلب وهو كما قال الحرالي عند المحبين للقاء الله من أحلى ما تناله أنفسهم حتى كان ينازع الرجل منهم في أن يقف فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه والشهادة، قال بعض التابعين: لقد أدركنا قومًا كان
[ ٣ / ٢١٩ ]
الموت لهم أشهى من الحياة عندكم اليوم وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم وعمروه من أخراهم فكانوا يحبون النقلة من الخراب إلى العمارة - انتهى.
ولما كان هذا مكروهًا لما فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من المشقة وعلى الروح من الخطر من حيث الطبع شهيًا لما فيه من الوعد بإحدى الحسنيين من حيث الشرع أشار إلى ذلك بجملة حالية فقال: ﴿وعسى أن﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة براءة من شرح معاني ﴿عسى﴾ ما يوضح أن المعنى: وحالكم جدير وخليق لتغطية علم العواقب عنكم بأن ﴿تكرهوا شيئًا﴾ أي كالغزو
[ ٣ / ٢٢٠ ]
فتعرضوا عنه لظنكم أنه شر لكم ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿خير لكم﴾ لما فيه من الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة فإنكم لا تعلمون والذي كلفكم ذلك عالم بكل شيء غير محتاج إلى شيء وما كلفكم ذلك إلا لنفعكم. قال الحرالي: فشهد - لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب الإيمان كما يشهدون عن الحس، كما قال ثعلبة: «كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون» ولم يبرم لهم الشهادة ولكن ناطها بكلمة ﴿عسى﴾ لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك، وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى.
ولما رغبهم ﷾ في الجهاد بما رجالهم فيه من الخير رهبهم من القعود عنه بما يخشى فيه من الشر. قال الحرالي: فأشعر أن المتقاعد له في تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة ليس أن لا ينال خير الجهاد فقط بل وينال شر التقاعد والتخلف - انتهى.
[ ٣ / ٢٢١ ]
فقال تعالى: ﴿وعسى أن تحبوا شيئًا﴾ أي كالقعود فتقبلوا عليه لظنكم أنه خير لكم ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿شر لكم﴾ لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وليس أحد منكم إلا قد جرب مثل ذلك مرارًا في أمور دنياه، فإذا صح ذلك في فرد صار كل شيء كذلك في إمكان خيريته وشريته فوجب ترك الهوى والرجوع إلى العالم المنزه عن الغرض ولذلك قال عاطفًا على ما تقديره: فالله قد حجب عنكم سر التقدير ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يعلم﴾ أي له علم كل شيء وقد أخبركم في صدر هذا الأمر أنه رؤوف بالعباد فهو لا يأمركم إلا بخير.
وقال الحرالي: شهادة بحق العلم يرجع إليها عند الأغبياء في تنزل الخطاب - انتهى.
والآية من الاحتباك ذكر الخير أولًا دال على حذفه ثانيًا وذكر الشر ثانيًا دال على حذفه مثله أولًا.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
ولما أثبت ﷾ شأنه العلم لنفسه نفاه عنهم فقال: ﴿وأنتم لا تعلمون *] أي ليس لكم من أنفسكم علم وإنما عرض لكم ذلك من قبل ما علمكم فثقوا به وبادروا إلى كل ما يأمركم به وإن شق. وقال الحرالي: فنفى العلم عنهم لكلمة «لا» أي التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قال من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون أي الراسخون فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم - انتهى. حتى أن علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب، «حتى شاورهم النبي ﷺ في التوجه إلى غزوة بدر» فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤]
[ ٣ / ٢٢٣ ]
ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه؛ فقال له رسول الله ﷺ خيرًا ودعا له، ثم قال رسول الله ﷺ: «أشيروا عليّ أيها الناس! فقال سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله تعالى عنه: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك! ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا! إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى» .
ولما أخبرهم ﷾ بإيجاب القتال عليهم مرسلًا في جميع الأوقات وكان قد أمرهم فيما مضى بقتلهم حيث تقفوهم ثم قيد عليهم في القتال في المسجد الحرام كان بحيث يسأل هنا: هل
[ ٣ / ٢٢٤ ]
الأمر في الحرم والحرام كما مضى أم لا؟ وكان المشركون قد نسبوهم في سرية عبد الله بن جحش التي قتلوا فيها من المشركين عمرو بن الحضرمي إلى التعدي بالقتال في الشهر الحرام واشتد تعييرهم لهم به فكان موضع السؤال: هل سألوا عما عيرهم به الكفار من ذلك؟ فقال مخبرًا عن سؤالهم مبنيًا لحالهم: ﴿يسئلونك﴾ أي أهل الإسلام لا سيما أهل سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم ﴿عن
[ ٣ / ٢٢٥ ]
الشهر الحرام﴾ فلم يعين الشهر وهو رجب ليكون أعم، وسميت الحرم لتعظيم حرمتها حتى حرموا القتال فيها، فأبهم المراد من السؤال ليكون للنفس إليه التفات ثم بينه ببدل الاشتمال في قوله: ﴿قتال فيه﴾ ثم أمر بالجواب في قوله: ﴿قل قتال فيه﴾ أيّ قتال كان فالمسوغ العموم.
ولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا لمستحق القتل وكان في الواقع القتال عدوانًا فيه أكبر منه في غيره قال: ﴿كبير﴾ أي في الجملة.
ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في تسهيل سبيل الله فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم يشكل أن ما بعده كلام مبتدأ هو للكفار وهو قوله: ﴿وصد﴾ أيّ صد كان ﴿عن سبيل الله﴾ الملك الذي له الأمر كله أي الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى رضوانه، أو البيت الحرام فإن النبي ﷺ سمى الحج سبيل الله. قال الحرالي: والصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره، والسبيل طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك
[ ٣ / ٢٢٦ ]
منهجه ﴿وكفر به﴾ أيّ كفر كان، أي بالدين، أو بذلك الصد أي بسببه فإنه كفر إلى كفرهم، وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه دلالة بينة لمن أمعن النظر وهو أكبر أي من القتال في الشهر الحرام، والتقييد فيما يأتي بقوله: ﴿عند الله﴾ يدل على ما فهمته من أن المراد بقوله: ﴿كبير﴾ في زعمهم وفي الجملة لا أنه من الكبائر.
ولما كان في تقدم الإذن بالقتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام بشرط كما مضى كان مما يوجب السؤال عن القتال فيه في الجملة بدون ذلك الشرط أو بغيره توقعًا للإطلاق لا سيما والسرية التي كانت سببًا لنزول هذه الآية وهي سرية عبد الله بن جحش كان الكلام فيها كما رواه ابن إسحاق عن الأمرين كليهما فإنه قال: إنهم لقوا الكفار الذين قتلوا منهم وأسروا وأخذوا عيرهم في آخر يوم من رجب فهابوهم فلطفوا لهم حتى سكنوا فتشاوروا في أمرهم وقالوا: لئن تركتموهم
[ ٣ / ٢٢٧ ]
هذه الليلة ليدخلن الحرم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فترددوا ثم شجعوا أنفسهم ففعلوا ما فعلوا فعيرهم المشركون بذلك فاشتد تعييرهم لهم واشتد قلق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لا سيما أهل السرية من ذلك ولا شك أنهم أخبروا النبي ﷺ بكل ذلك فإخبارهم له على هذه الصورة كاف في عدة سؤالاتهم فضلًا عن دلالة ما مضى على التشوف إلى السؤال عنه لما كان ذلك قال تعالى: ﴿والمسجد﴾ أي ويسألونك عن المسجد ﴿الحرام﴾ أي الحرم الذي هو للصلاة والعبادة بالخضوع لا لغير ذلك «قتال فيه قل قتال فيه كبير» عندكم على نحو ما مضى ثم ابتدأ قائلًا: ﴿وإخراج﴾ كما ابتدأ قوله: ﴿وصد عن سبيل الله﴾ وقال: ﴿أهله﴾ أي المسجد الذي كتبه الله لهم في القدم وهم أولى الناس به ﴿منه أكبر﴾ أي من القتال في الشهر الحرام خطأ وبناء على الظن والقتل فيه ﴿عند الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا
[ ٣ / ٢٢٨ ]
فقد حذف من كل جملة ما دل عليه ما ثبت في الأخرى فهو من وادي الاحتباك، وسر ما صنع في هذا الموضع من الاحتباك أنه لما كان القتال في الشهر الحرام قد وقع من المسلمين حين هذا السؤال في سرية عبد الله بن جحش أبرز السؤال عنه والجواب، ولما كان القتال في المسجد الحرام لم يقع بعد وسيقع من المسلمين أيضًا عام الفتح طواه وأضمره، ولما كان الصد عن سبيل الله الذي هو البيت والكفر الواقع بسببه لم يقع وسيقع من الكفار عام الحديبية أخفى خبره وقدّره، ولما كان الإخراج قد وقع منهم ذكر خبره وأظهره؛ فأظهر ﷾ ما أبرزه على يد الحدثان، وأضمر ما أضمره في صدر الزمان، وصرح بما صرح به لسان الواقع، ولوح إلى ما لوح إليه صارم الفتح القاطع - والله الهادي.
والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله، قال الماوردي من أصحابنا: كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٩] فإن المراد به الكعبة - نقله عن ابن الملقن. وقال غيره: إنه يطلق أيضًا على نفس مكة مثل ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا
[ ٣ / ٢٢٩ ]
من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: ١] فإن في بعض طرق البخاري: «فُرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست - إلى أن قال: ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء» ويطلق أيضًا على نفس المسجد نحو قوله تعالى: ﴿ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد﴾
[الحج: ٢٥] .
ولما كان كل ما تقدم من أمر الكفار فتنة كان كأنه قيل: أكبر، لأن ذلك فتنة ﴿والفتنة﴾ أي بالكفر والتكفير بالصد والإخراج وسائر أنواع الأذى التي ترتكبونها بأهل الله في الحرم والأشهر الحرم ﴿أكبر من القتل﴾ ولو كان في الشهر الحرام لأن همه يزول وغمها يطول.
ولما كان التقدير: وقد فتنوكم وقاتلوكم وكان الله ﷾ عالمًا بأنهم إن تراخوا في قتالهم ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم
[ ٣ / ٢٣٠ ]
ليتركوا الإسلام وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى عاطفًا على ما قدرته: ﴿ولا يزالون﴾ أي الكفار ﴿يقاتلونكم﴾ أي يجددون قتالكم كلما لاحت لهم فرصة.
ولما كان قتالهم إنما هو لتبديل الدين الحق بالباطل علله تعالى بقوله: ﴿حتى﴾ ولكنهم لما كانوا يقدرون أنه هيّن عليهم لقلة المسلمين وضعفهم تصوروه غاية لا بد من انتهائهم إليها، فدل على ذلك بالتعبير بأداة الغاية، ﴿يردوكم﴾ أي كافة ما بقي منكم واحد ﴿عن دينكم﴾ الحق، ونبه على أن «حتى» تعليلية بقوله مخوفًا من التواني عنهم فيستحكم كيدهم ملهبًا للأخذ في الجد في حربهم وإن كان يشعر بأنهم لا يستطيعون: ﴿إن استطاعوا﴾ أي إلى ذلك سبيلًا،
[ ٣ / ٢٣١ ]
فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك، لأنكم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون؛ ولا بد وإن طال المدى لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم، ومن وكل إلى نفسه ضاع؛ فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام فينبغي الاستعداد له بعدته والتأهب له بأهبته فضلًا عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعنًا في الدين وصدًا عن السبيل وشبههم التي أضَلوا عليهم دينهم ولا أصل لها، وفي الآية إشارة إلى ما وقع من الردة بعد موت النبي ﷺ فإن القتال على الدين لم ينقض إلا بعد الفروغ من أمرهم. قال الحرالي: الاستطاعة مطاوعة النفس في العمل وإعطاؤها الانقياد فيه، ثم قال: فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها وطائفة تثبت، لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما ويوضحه تصريح الخطاب في قوله: ﴿ومن يرتدد﴾ إلى آخره؛ وهو من الردة ومنه الردة وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق - انتهى. وكان صيغة الافتعال المؤذنة بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس لما في مفارقة الإلف من الألم؛ وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أن الحبوط
[ ٣ / ٢٣٢ ]
مشروط بالكفر ظاهرًا باللسان وباطنًا بالقلب فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان مع طمأنينة القلب، وأشارت قراءة الإدغام في المائدة إلى أن الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئنًا.
ولما حماهم ﷾ بإضافة الدين إليهم بأنهم يريدون سلبهم ما اختاروه لأنفسهم لحقيته وردهم قهرًا إلى ما رغبوا عنه لبطلانه خوفهم من التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال: ﴿ومن يرتدد منكم﴾ أي يفعل ما يقصدونه من الردة ﴿عن دينه﴾ وعطف على الشرط قوله: ﴿فيمت﴾ أي فيتعقب ردته أنه يموت ﴿وهو﴾ أي
[ ٣ / ٢٣٣ ]
والحال أنه ﴿كافر﴾ .
ولما أفرد الضمير على اللفظ نصًا على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع إخزاء لكل فرد منهم ولا عكس، وقرنه بفاء السبب إعلامًا بأن سوء أعمالهم هو السبب في وبالهم فقال: ﴿فأولئك﴾ البعداء البغضاء ﴿حبطت أعمالهم﴾ أي بطلت معانيها وبقيت صورها؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي أثره. وقال الحرالي: من الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي يقعده عن قيامه كذلك الحبط في الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه ﴿في الدنيا﴾ بزوال ما فيها من روح الأنس بالله ﷾ ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها إليهم إلا مقرونة ببيان حبوطها فقط بطل ما كان لها من الإقبال من الحق
[ ٣ / ٢٣٤ ]
والتعظيم من الخلق ﴿والآخرة﴾ بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد. ولما كانت الردة أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على أهلها فقال: ﴿وأولئك أصحاب النار﴾ فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها فهم غير منفكين منها.
ولما كانوا كذلك كانوا كأنهم المختصون بها دون غيرهم لبلوغ ما لهم فيها من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ لهم بالأيام من غيرهم فقال تقريرًا للجملة التي قبلها: ﴿هم فيها خالدون *﴾ أي مقيمون إقامة لا آخر لها، وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي ﷺ من الردة لأن الله ﷾ إذا ساق شيئًا مساق الشرط اقتضى أنه سيقع شيء منه فيكون المعنى: ومن يرتد فيتب عن ردته يتب الله عليه كما وقع لأكثرهم، وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم
[ ٣ / ٢٣٥ ]
عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر.
[ ٣ / ٢٣٦ ]