ولما تقدم إليهم ﷾ في هذا وكانت ألسنتهم قد مرنت على الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك إلا برياضة كبيرة ومعالجة طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما أخطأت به ولم تتعمده قال في جواب من كأنه سأل عن ذلك: ﴿لا يؤاخذكم﴾ أي لا يعاقبكم، وحقيقته يعاملكم معاملة
[ ٣ / ٢٨٦ ]
من يناظر شخصًا في أن كلًاّ منهما يريد أخذ الآخر بذنب أسلفه إليه ﴿الله﴾ فكرر في الإطلاق والعفو الاسم الأعظم الذي ذكره في التقييد والمنع إيذانًا بأن عظمته لا تمنع من المغفرة ﴿باللغو﴾ وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي. ﴿في أيمانكم﴾ فإن ذلك لا يدل على الامتهان بل ربما دل على المحبة والتعظيم. ولما بين ما أطلقه بين ما منعه فقال: ﴿ولكن يؤاخذكم﴾ والعبارة صالحة للإثم والكفارة. ولما كان الحامل على اليمين في الأغلب المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب الرزق وعلى القصد والإصابة عبر به فقال: ﴿بما كسبت﴾ أي تعمدت ﴿قلوبكم﴾
[ ٣ / ٢٨٧ ]
فاجتمع فيه مع اللفظ النية. قال الحرالي: فيكون ذلك عزمًا باطنًا وقولًا ظاهرًا فيؤاخذ باجتماعهما، ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو، وذلك هو الذي حفظ حرمة الحلف بالله، وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - انتهى. ولم يبين هنا الكفارة صريحًا إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا أتقى من أن يمنعوا من شيء فيقارفوه، وأشار إليها في الإيلاء كما يأتي.
ولما كان ذكر المؤاخذة قطعًا لقلوب الخائفين سكنها بقوله مظهرًا موضع الإضمار إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه: ﴿والله﴾ أي مع ما له من العظمة ﴿غفور﴾ أي ستور لذنوب عباده إذا تابوا. ولما كان السياق للمؤاخذة التي هي معالجة كل من المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء لذلك فقال ﴿حليم *﴾
[ ٣ / ٢٨٨ ]
لا يعاجلهم بالأخذ، والحلم احتمال الأعلى للأذى من الأدنى، وهو أيضًا رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم - قاله الحرالي. ولما كان الإيلاء حلفًا مقيدًا وبين حكم مطلق اليمين قبله لتقدم المطلق على المقيد بانفكاكه عنه بينه دليلًا على حلمه حيث لم يؤاخذهم به فقد كانوا يضارون به النساء في الجاهلية بأن يحلفوا على عدم الوطء أبدًا فتكون المرأة لا أيمًا ولا ذات بعل وجعل لهم فيه مرجعًا يرجعون إليه فقال في جواب من كأنه سأل عنه لما أشعر به ما تقدم: ﴿للذين يؤلون﴾ أي يحلفون حلفًا مبتدئًا ﴿من نسائهم﴾ في صلب النكاح أو علقة الرجعة بما أفادته الإضافة بأن لا يجامعوهن أبدًا أو فوق
[ ٣ / ٢٨٩ ]
أربعة أشهر فالتعدية بمن تدل على أخذ في البعد عنهن.
قال الحرالي: والإيلاء تأكيد الحلف وتشديده سواء كانوا أحرارًا أو عبيدًا أو بعضًا وبعضًا في حال الرضى أو الغضب محبوبًا كان أو لا لأن المضارة حاصلة بيمينه ﴿تربص﴾ أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو مقلوب لفظه - انتهى. ﴿أربعة أشهر﴾ ينتظر فيها رجوعهم إليهن حلمًا من الله ﷾ حيث لم يجعل الأمر بتاحين الحلف بفراق أو وفاق. قال الحرالي: ولما كان لتخلص المرأة من الزوج
[ ٣ / ٢٩٠ ]
أجل عدة كان أجلها مع أمد هذا التربص كأنه - والله ﷾ أعلم - هو القدر الذي تصبر المرأة عن زوجها، يذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل النساء عن قدر ما تصبر المرأة عن الزوج، فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر، فجعل ذلك أمد البعوث فكان التربص والعدة قدر ما تصبره المرأة عن زوجها، وقطع ﷾ بذلك ضرار الجاهلية في الإيلاء إلى غير حد - انتهى وفيه تصرف.
ولما كان حالهم بعد ذلك مرددًا بين تعالى قسميه فقال مفصلًا له ﴿فإن فاؤوا﴾ أي رجعوا في الأشهر، وأعقبها عن المفاصلة إلى المواصلة، من الفيء وهو الرجوع إلى ما كان منه الانبعاث ﴿فإن الله﴾ يغفر لهم ما قارفوه في ذلك من إثم ويرحمهم بإنجاح مقاصدهم لأنه ﴿غفور رحيم *﴾ له هاتان الصفتان ينظر بهما إلى من
[ ٣ / ٢٩١ ]
يستحقهما فيغفر ما في ذلك من جناية منهما أو من أحدهما إن شاء ويعامل بعد ذلك بالإكرام. قال الحرالي: وفي مورد هذا الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر معنى إجراء أمور النكاح على سترة وإعراض عن حكم الحكام من حيث جعل التربص له والفيء منه، فكأن الحكم من الحاكم إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام الأزواج التي يجب أن تجري بين الزوجين من وراء ستر كما هو سر النكاح الذي هو سبب جمعهما ليكون حكم السر سرًا وحكم الجهر جهرًا - انتهى.
ولما كان الحال في مدة الإيلاء شبيهًا بحال الطلاق وليس به قال مبينًا أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة الأشهر بل إما أن يفيء أو يطلق فإن أبى طلق عليه الحاكم: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ فأوقع عليه العزم من غير حرف جر بمعنى أنهم تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا الطلاق عزيمة واقعًا من غير مجمجة ولا ستر،
[ ٣ / ٢٩٢ ]
والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل، والطلاق هو في المعنى بمنزلة إطلاق الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه - قاله الحرالي.
ولما كان المطلق ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق رهبه بقوله: ﴿فإن الله﴾ أي الملك الذي له الجلال والإكرام ﴿سميع﴾ أي لعبارتهم عنه. قال الحرالي: في إشارته إعلام بأن الطلاق لا بد له من ظاهر لفظ يقع مسموعًا - انتهى.
﴿عليم﴾ أي به وبنيتهم فيه. قال الحرالي: وفيه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر، ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال كما أن
[ ٣ / ٢٩٣ ]
العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء، فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه - انتهى. وبقي من أحكام الإيلاء قسم ثالث ترك التصريح به إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا في غاية النزاهة عنه وهو الإصرار على الإضرار، وأشار بصفتي المغفرة والرحمة لفاعل ضده إلى أن مرتكبه يعامل بضدهما مما حكمه معروف في الفقه والله الموفق.
ولما ختم آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال: - وقال الحرالي: لما ذكر تربص الزوج - ﷾ في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص المرأة في أمر العدة التي هي أمانتها؛ انتهى - فقال: ﴿والمطلقات﴾ أي المدخول بهن بما أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن غير الحوامل لأن عدتهن بالولادة وغير ذوات الأشهر لصغر
[ ٣ / ٢٩٤ ]
أو كبر. ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة سبق بعد تأكيده ببنائه على المبتدأ في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وانقضى إيماء إلى المسارعة إلى امتثاله فقيل: ﴿يتربصن﴾ أي ينتظرن اعتدادًا.
ولما كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال وكان التربص عامًا في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين وتعريض بكلام مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبرًا لها بالنفس هزًا إلى الاحتياط في كمال التربص والاستحياء مما يوهم الاستعجال فقال: ﴿بأنفسهن﴾ فلا يطمعنها في مواصلة رجل قبل انقضاء العدة.
ولما كان القرء مشتركًا بين الطهر والحيض وكان الأقراء مشتركًا بين جمع كل منهما وكان الطهر مختصًا عند جمع من أهل اللغة بأن يجمع على قروء كان مذكرًا يؤنث عدده وكانت الحيضة مؤنثة يذكر
[ ٣ / ٢٩٥ ]
عددها دل على أن المراد الإظهار بما يخصه من الجمع وبتأنيث عدده فقال ذاكرًا ظرف التربص: ﴿ثلاثة قروء﴾ أي جموع من الدم وسيأتي في أول سورة الحجر أن هذه المادة بأي ترتيب كان تدور على الجمع وأن المراد بالقروء الأطهار لأنها زمن جمع الدم حقيقة، وأما زمن الحيض فإنما يسمى بذلك لأنه سبب تحقق الجمع، والمشهور من كلام أهل اللغة أن جمع القرء بمعنى الطهر أقراء وقروء، وأن جمعه إذا أطلق على الحيض أقراء فقط؛ وذلك لأن المادة لما كانت للجمع كانت أيام الطهر هي المتحققة بذلك وكان جمع الكثرة أعرف
[ ٣ / ٢٩٦ ]
في الجمع كان بالطهر أولى.
وقال الحرالي: قروء جمع قرء وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض الذي يقبل الإضافة إلى كل واحد منهما، ولذلك ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير اللغويين واختلف في معناه أقوال العلماء لخفاء معناه بما هو حد بين الحالين كالحد الفاصل بين الظل والشمس فالقروء الحدود، وذلك حين تطلق المرأة لقبل عدتها في طهر لم تمس فيه ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما لئلا يطلق ما لم تنطلق عنه، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما قرءًا لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن فما لم ينته إلى الخروج لم يتم قرءًا، فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين، فإذا طهرت الطهر الثالث وانتهى إلى الحيض شاهد كمال القرء كان ثلاثة أقراء، فلذلك يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام عدة الأقراء الثلاثة، فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر ويكون أقرب من تفسيره بالحيض فأمد الطهر ظاهرًا هو أمد الاستقراء للدم باطنًا فيبعد تفسيره بالحيض عما هو تحقيقه من معنى الحد بعدًا ما - انتهى.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
ولما كان النكاح أشهى ما إلى الحيوان وكان حبك للشيء يعمي ويصم وكان النساء أرغب في ذلك مع ما بهن من النقص في العقل والدين فكان ذلك ربما حملهن على كتم ولد لإرادة زوج آخر تقصيرًا للعدة وإلحاقًا للولد به، أو حيض لرغبة في رجعة المطلق قال ﷾: ﴿ولا يحل لهن﴾ أي المطلقات ﴿أن يكتمن ما خلق الله﴾ أي الذي له الأمر كله من ولد أو دم ﴿في أرحامهن﴾ جمع رحم. قال الحرالي: وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل يكون فيه تخلقه من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى. وليس فيه دليل على أن الحمل يعلم، إنما تعلم أماراته.
ولما كان معنى هذا الإخبار النهي ليكون نافيًا للحل بلفظه مثبتًا للحرمة بمعناه تأكيدًا له فكان التقدير: ولا يكتمن، قال مرغبًا
[ ٣ / ٢٩٨ ]
في الامتثال مرهبًا من ضده: ﴿إن كنّ يؤمن بالله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿واليوم الآخر﴾ الذي تظهر فيه عظمته أتم ظهور ويدين فيه العباد بما فعلوا، أي فإن كتمن شيئًا من ذلك دل على عدم الإيمان. وقال الحرالي: ففي إشعاره إثبات نوع نفاق على الكاتمة ما في رحمها؛ انتهى - وفيه تصرف.
ولما كان الرجعي أخف الطلاق بين الرجعة تنبيهًا على أنه إن كان ولا بد من الطلاق فليكن رجعيًا فقال تعالى: ﴿وبعولتهن﴾ أي أزواجهن، جمع بعل. قال الحرالي: وهو الرجل المتهيىء لنكاح الأنثى المتأتي له ذلك، يقال على الزوج والسيد - انتهى. ولما كان
[ ٣ / ٢٩٩ ]
للمطلقة حق في نفسها قال: ﴿أحق بردهن﴾ أي إلى ما كان لهم عليهن من العصمة لإبطال التربص فله حرمة الاستمتاع من المطلقات بإرادة السراح ﴿في ذلك﴾ أي في أيام الأقراء فإذا انقضت صارت أحق بنفسها منه بها لانقضاء حقه والكلام في الرجعية بدليل الآية التي بعدها.
ولما أثبت الحق لهم وكان منهم من يقصد الضرر قيده بقوله: ﴿إن أرادوا﴾ أي بالرجعة ﴿إصلاحًا﴾ وهذا تنبيه على أنه إن لم يرد الإصلاح وأرادت هي السراح كان في باطن الأمر زانيًا. قال الحرالي: الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في علم الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر، مما حذر النبي ﷺ نكاح اللفوت وهي التي لها ولد من زوج سابق، فلذلك كان الأحق إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان - انتهى.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
ولما اخرج أمر الرجعة عنهن جبرهن بقوله: ﴿ولهن﴾ أي من الحقوق ﴿مثل الذي عليهن﴾ أي في كونه حسنة في نفسه على ما يليق بملك منهما لا في النوع، فكما للرجال الرجعة قهرًا فلهن العشرة بالجميل، وكما لهم حبسهن فلهن ما يزيل الوحشة بمن يؤنس ونحو ذلك. ولما كان كل منهما قد يجور على صاحبه قال: ﴿بالمعروف﴾ أي من حال كل منهما. قال الحرالي: والمعروف ما أقره الشرع وقبله العقل ووافقه كرم الطبع - انتهى.
ولما ذكر الرجعة له بصيغة الأحق وبين الحق من الجانبين بين فضل الرجال بقوله: ﴿وللرجال﴾ أعم من أن يكونوا بعولة
[ ٣ / ٣٠١ ]
﴿عليهن﴾ أي أزواجهم ﴿درجة﴾ أي فضل من جهات لا يخفى كالإنفاق والمهر لأن الدرجة المرقى إلى العلو. وقال الحرالي: لما أوثروا به من رصانة العقل وتمام الدين - انتهى. فالرجل يزيد على المرأة بدرجة من ثلاث لأن كل امرأتين بمنزلة رجل.
ولما أعز ﷾ الرجل وصف نفسه بالعزة مبتدئًا بالاسم الأعظم الدال على كل كمال فقال عطفًا على ما تقديره: لأن الله أعزهم عليهن بحكمته: ﴿والله﴾ أي الذي له كمال العظمة ﴿عزيز﴾ إشارة إلى أنه أعز بل لا عزيز إلا هو ليخشى كل من أعاره ثوب عزة سطوته؛ وقال: ﴿حكيم﴾ تنبيهًا على أنه ما فعل ذلك إلا لحكمة
[ ٣ / ٣٠٢ ]
بالغة تسلية للنساء وإن ما أوجده بعزته وأتقنه بحكمته لا يمكن نقضه. ولما ذكر الرجعة ولم يبين لها غاية تنتهي بها فكانت الآية كالمجمل عرض سؤال: هل هي ممتدة كما كانوا يفعلون في الجاهلية متى راجعها في العدة له أن يطلقها ما دام يفعل ذلك ولو ألف مرة أو منقطعة؟ فقال: ﴿الطلاق﴾ أي المحدث عنه وهو الذي تملك فيه الرجعة. قال الحرالي: لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق تعالى على المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى. وقال تعالى: ﴿مرتان﴾ دون طلقتان تنبيهًا - على أنه ينبغي أن تكون مرة بعد مرة كل طلقة في مرة لا أن يجمعهما في مرة.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
ولما كان له بعد الثانية في العدة حالان إعمال وإهمال وكان الإعمال إما بالرجعة وإما بالطلاق بدأ بالإعمال لأنه الأولى بالبيان لأنه أقرب إلى أن يؤذي به وأخر الإهمال إلى أن تنقضي العدة لأنه مع فهمه من آية الأقراء سيصرح به في قوله في الآية الآتية ﴿أو سرحوهن بمعروف﴾ [البقرة: ٢٣١] فقال معقبًا بالفاء ﴿فإمساك﴾ أي إن راجعها في عدة الثانية. قال الحرالي: هو من المسك وهو إحاطة تحبس الشيء، ومنه المسك - بالفتح - للجلد ﴿بمعروف﴾ قال الحرالي فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية الذي كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى غير حد فجعل له حدًا يقطع قصد الضرار - انتهى ﴿أو تسريح﴾ أي إن طلقها الثالثة، ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة لما كان عليه حال أهل الجاهلية. قال الحرالي: سمى الثالثة تسريحًا لأنه إرسال لغير معنى الأخذ كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه. وقال أيضًا: هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود، فمن أرسل البازي
[ ٣ / ٣٠٤ ]
مثلًا ليسترده فهو مطلق، ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح انتهى. ويجوز أن يراد بالتسريح عدم المراجعة من الثانية لا أنه طلقة ثالثة، ولما كان مقصود النكاح حسن الصحبة وكانت من الرجل الإمتاع بالنفس والمال وكان الطلاق منعًا للإمتاع بالنفس قال: ﴿بإحسان﴾ تعريضًا بالجبر بالملل لئلا يجتمع منعان: منع النفس
[ ٣ / ٣٠٥ ]
وذات اليد - أفاده الحرالي وقال: ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت به آية المتعة الآتية - انتهى. ومن ذلك بذل الصداق كاملًا وأن لا يشاححها في شيء لها فيه حق مع طيب المقال وكرم الفعال.
ولما كان ﷾ قد خيره بين شيئين: الرجعة والتسريح الموصوفين وكانت الرجعة أقرب إلى الخير بدأ بها ولكنها لما كانت قد تكون لأجل الافتداء بما أعطيته المرأة وكان أخذه أو شيئًا منه مشاركًا للسراح في أنه يقطع عليه ما كان له من ملك الرجعة ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة كما كان عليه حال أهل الجاهلية وكان الافتداء قد يكون في الأولى لم يفرعها بالقابل قال مشيرًا إلى أن من إحسان التسريح سماح الزوج بما أعطاها عاطفًا على ما تقديره: فلا يحل لكم مضارتهن: ﴿ولا يحل لكم﴾ أي أيها المطلقون أو المتوسطون
[ ٣ / ٣٠٦ ]
من الحكام وغيرهم لأنهم لما كانوا آمرين عدوا آخذين ﴿أن تأخذوا﴾ إحسانًا في السراح ﴿مما آتيتموهن﴾ من صداق وغيره ﴿شيئًا﴾ أي بدون مخالفة. قال الحرالي: لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة لإظهار مزية الدرجة لا في مقابلة الانتفاع فلذلك أمضاه ولم يرجع منه شيئًا ولذلك لزم في النكاح الصداق لتظهر مزية الرجل بذات اليد كما ظهرت في ذات النفس - انتهى.
ولما كان إسناد الخوف إلى ضمير الجمع ربما ألبس قال: ﴿إلا
[ ٣ / ٣٠٧ ]
أن يخافا﴾ نصًا على المراد بالإسناد إلى الزوجين، وعبر عن الظن بالخوف تحذيرًا من عذاب الله، وعبر في هذا الاستثناء إن قلنا إنه منقطع بأداة المتصل تنفيرًا من الأخذ ومعنى البناء للمفعول في قراءة حمزة وأبي جعفر ويعقوب إلا أن يحصل لهما أمر من حظ أو شهوة يضطرهما إلى الخوف من التقصير في الحدود، ولا مفهوم للتقييد بالخوف لأنه لا يتصور من عاقل أن يفتدي بمال من غير أمر محوج ومتى حصل المحوج كان الخوف ومتى خاف أحدهما خافا لأنه متى خالفه الآخر حصل التشاجر المثير للحظوظ المقتضية للإقدام على ما لا يسوغ والله ﷾ أعلم ﴿ألا يقيما﴾ أي في الاجتماع ﴿حدود الله﴾ العظيم فيفعل كل منهما ما وجب عليه من الحق.
قال الحرالي: وفي إشعاره أن الفداء في حكم الكتاب مما أخذت الزوجة من زوجها لا من غير ذلك من مالها، والحدود جمع حد وهو النهاية في المتصرف المانع من الزيادة عليه - انتهى. ثم زاد الأمر بيانًا لأنه في مقام
[ ٣ / ٣٠٨ ]
التحديد فقال مسندًا إلى ضمير الجمع حثًا على التحقق ليحل الفداء حلًا نافيًا لجميع الحرج: ﴿فإن خفتم﴾ أي أيها المتوسطون بينهما من الحكام وغيرهم من الأئمة بما ترون منهما وما يخبرانكم به عن أنفسهما ﴿ألا يقيما حدود الله﴾ وتكرير الاسم الأعظم يدل على رفعة زائدة لهذا المقام، وتعظيم كبير لهذه لأحكام، وحث عظيم على التقيد في هذه الرسوم بالمراعاة والالتزام، وذلك لأن كل إنسان مجبول على تقديم نفسه على غيره، والشرع كله مبني على العدل الذي هو الإنصاف ومحبة المرء لغيره ما يحب لنفسه ﴿فلا جناح﴾ أي ميل بإثم ﴿عليهما﴾ وسوغ ذلك أن الظن شبهة فإنك لا تخاف ما لا تظنه
[ ٣ / ٣٠٩ ]
﴿فيما افتدت به﴾ أي لا على الزوج بالأخذ ولا عليها بالإعطاء سواء كان ذلك مما آتاها أو من غيره أكثر منه أو لا لأن الخلع عقد معاوضة فكما جاز لها أن تمتنع من أول العقد حتى ترضى ولو بأكثر من مهر المثل فكذا في الخلع يجوز له أن لا يرضى إلا بما في نفسه كائنًا ما كان ويكون ذلك عما كان يملكه عليها من الرجعة، فإذا أخذه بانت المرأة فصارت أحق بنفسها فلا سبيل عليها إلا بإذنها.
ولما كانت أحكام النساء تارة بالمرافقة وتارة بالمفارقة وكانت مبنية على الشهوات تارة على البهيمية وتارة على السبعية وكان ﷾ قد حد فيها حدودًا تكون بها المصالح وتزول المفاسد منع ﷾ من تعدى تلك الحدود أي الأحكام التي بينها في ذلك ولم يذكر قربانها كما مضى في آية الصوم فقال: ﴿تلك﴾ أي الأحكام
[ ٣ / ٣١٠ ]
العظيمة التي تولى الله بيانها من أحكام الطلاق والرجعة والخلع وغيرها ﴿حدود الله﴾ أي شرائع الملك الأعظم الذي له جميع العزة من الأوامر والنواهي التي بينها فصارت كالحدود المعروفة في الأراضي.
ولما كانت شرائع الله ملائمة للفطرة الأولى السليمة عن نوازع النقائص وجواذب الرذائل أشار إلى ذلك سبحانه بصيغة الافتعال في قوله: ﴿فلا تعتدوها﴾ أي لا تتكلفوا مجاوزتها، وفيه أيضًا إشارة إلى العفو عن المجاوزة من غير تعمد.
ولما أكد الأمر تارة بالبيان وتارة بالنهي زاد في التأكيد بالتهديد فقال عاطفًا على ما تقديره: فمن تعدى شيئًا منها فقد ظلم: ﴿ومن يتعد﴾ أي يتجاوز ﴿حدود الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال التي بينها
[ ٣ / ٣١١ ]
وأكد أمرها وزاد تعظيمها بتكرير اسمه الأعظم. قال الحرالي: ففيه ترجية فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل العلم ووجوه السنن وفي إعلامه إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود القرآن التي لا مندوحة لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها ولذلك تتحقق التقوى والولاية مع الأخذ بمختلفات السنن ومختلفات أقوال العلماء - انتهى. وإليه يرشد الحصر في قوله: ﴿فأولئك﴾ أي المستحقون للابعاد ﴿هم الظالمون *﴾ أي العريقون في الظلم بوضع الأشياء في غير مواضعها فكأنهم يمشون في الظلام. قال الحرالي: وفي إشعاره تصنيف الحدود ثلاثة أصناف: حد الله ﷾، وحد النبي ﷺ، وحد العالم؛ قال ﷺ: «ما جاء من الله فهو الحق، وما جاء مني فهو السنة، وما جاء من أصحابي فهو السعة» فأبرأ العباد من الظلم من حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء ليكون أبعد أن يخرج من حدود السنة ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب، فالظالم المنتهي ظلمه الخارج عن الحدود الثلاثة: حد العالم، وحد السنة، وحد الله - انتهى. ولما بين قسمي الطلاق البائن - وكان نظر الطلاق إلى العدد أشد
[ ٣ / ٣١٢ ]
من نظره إلى العوض قدم قسمه في قوله ﴿أو تسريح بإحسان﴾ ثم فرع عليه فقال موحدًا لئلا يفهم الحكم على الجمع أن الجمع قيد في الحكم وأفهم التكرير للجمع شدة الذم لما كانوا يفعلون في الجاهلية من غير هذه الأحكام:
[ ٣ / ٣١٣ ]