﴿فإن طلقها﴾ أي الثالثة التي تقدم التخيير فيها بلفظ التسريح فكأنه قال: فإن اختار الطلاق البات بعد المرتين إما في العدة من الطلاق الرجعي أو بعد الرجعة بعوض أو غيره ولا فرق في جعلها ثالثة بين أن تكون بعد تزوج المرأة بزوج آخر أو لا. قال الحرالي: فردد معنى التسريح الذي بينه في
[ ٣ / ٣١٣ ]
موضعه بلفظ الطلاق لما هيأها بوجه إلى المعاد، وذلك فيما يقال من خصوص هذه الأمة وإن حكم الكتاب الأول أن المطلقة ثلاثًا لا تعود أبدًا فلهذا العود بعد زوج صار السراح طلاقًا - انتهى. ﴿فلا تحل له﴾ ولما كان إسقاط الحرف والظرف يوهم أن الحرمة تختص بما استغرق زمن البعد فيفهم أن نكاحه لها في بعض ذلك الزمن يحل قال: ﴿من بعد﴾ أي في زمن ولو قل من أزمان ما بعد استيفاء الدور الذي هو الثلاث بما أفاده إثبات الجار، وتمتد الحرمة ﴿حتى﴾ أي إلى أن ﴿تنكح﴾ أي تجامع بذوق العسيلة التي صرح بها النبي ﷺ، قال الفارسي: إذا قال العرب: نكح فلان فلانة، أرادوا عقد عليها؛ وإذا قالوا:
[ ٣ / ٣١٤ ]
نكح امرأته أو زوجته، أرادوا جامعها؛ وقال الإمام: إن هذا الذي قاله أبو علي جار على قوانين الأصول وإنه لا يصح إرادة غيره ودل على ذلك بقياس رتبة، فالآية دالة على أنه لا يكتفى في التحليل بدون الجماع كما بينته السنة وإلا كانت السنة ناسخة، لأن غاية الحرمة في الآية العقد وفي الخبر الوطء وخبر الواحد لا ينسخ القرآن، وأشار بقوله: ﴿زوجًا﴾ إلى أن شرط هذا الجماع أن يكون حلالًا في عقد صحيح ﴿غيره﴾ أي المطلق، وفي جعل هذا غاية للحل زجر لمن له غرض ما في امرأته عن طلاقها ثلاثًا لأن كل ذي مروة يكره أن يفترش امرأته آخر ومجرد العقد لا يفيد هذه الحكمة وذلك بعد أن أثبت له ﷾ من كمال رأفته بعباده الرجعة في الطلاق الرجعي مرتين
[ ٣ / ٣١٥ ]
لأن الإنسان في حال الوصال لا يدري ما يكون حاله بعده ولا تفيده الأولى كمال التجربة فقد يحصل له نوع شك بعدها وفي الثانية يضعف ذلك جدًا ويقرب الحال من التحقق فلا يحمل على الفراق بعدها إلا قلة التأمل ومحض الخرق بالعجلة المنهي عنها ﴿فإن طلقها﴾ أي الثاني وتعبيره بإن التي للشك للتنبيه على أنه متى شرط الطلاق على المحلل بطل العقد بخروجه عن دائرة الحدود المذكورة. لأن النكاح كما قال الحرالي عقد حرمة مؤبدة لا حد متعة مؤقتة فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى أمد محللًا في السنة وعند الأئمة لما يفرق بين النكاح والمتعة من التأبيد والتحديد - انتهى.
﴿فلا جناح عليهما﴾ أي على المرأة ومطلقها الأول ﴿أن يتراجعا﴾ بعقد جديد بعد عدة طلاق الثاني المعلومة مما تقدم من قوله: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ وهذه مطلقة إلى ما كانا فيه من النكاح ﴿إن ظنا﴾ أي وقع في ظن كل منهما ﴿أن يقيما حدود الله﴾ أي الذي له الكمال كله التي
[ ٣ / ٣١٦ ]
حدها لهما في العشرة. قال الحرالي: لما جعل الطلاق سراحًا جعل تجديد النكاح مراجعة كل ذلك إيذانًا بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - انتهى.
ولما كان الدين مع سهولته ويسره شديدًا لن يشاده أحد إلا غلبه وكانت الأحكام مع وضوحها قد تخفى لما في تنزيل الكليات على الجزئيات من الدقة لأن الجزئي الواحد قد يتجاذبه كليان فأكثر فلا تجردها من مواقع الشبه إلا من نور الله بصيرته عطف على تلك الماضية تعظيمًا للحدود قوله: ﴿وتلك﴾ أي الأحكام المتناهية في مدارج العظم ومراتب الحكم ﴿حدود الله﴾ أي العظيمة بإضافتها إليه ﷾ وبتعليقها بالاسم الأعظم ﴿يبينها﴾ أي يكشف اللبس عنها بتنوير القلب ﴿لقوم﴾ فيهم نهضة وجد في الاجتهاد وقيام وكفاية ﴿يعلمون *﴾ أي يجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم ﴿أن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
ولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف الرجعة من الحل والحرمة وبيان وقتها وتحديده والإشارة إلى تصوير بعض
[ ٣ / ٣١٧ ]
صور المضارة ترهيبًا منها فليست الآية مكررة فقال: ﴿وإذا طلقتم النساء﴾ أي طلاقًا رجعيًا والمراد من يملك نكاحها من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ولم يقل: نساءكم، لئلا تفهم الإضافة أن لطلاقهم غير نسائهم حكمًا مغائرًا لهذا في بلوغ الأجل مثلًا ونحوه.
ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة دالة على إباحتها فيما قبل ذلك بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلًا أن لما بعد الأجل حكمًا غير الحكم الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ملبسًا وكان التعبير به مفيدًا أقصى ما يمكن به المضارة فقال: ﴿فبلغن أجلهن﴾ أي شارفن انقضاء العدة، بدليل الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد
[ ٣ / ٣١٨ ]
الأجل. وقال الحرالي: ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر ﷾ البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل، والأجل مشارفة انقضاء أمد الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه مشارفة فراغ المدة - انتهى ﴿فأمسكوهن﴾ أي بالمراجعة إن أردتم ولو في أخر لحظة من العدة ﴿بمعروف﴾ أي بحال حسنة تحمد عاقبتها، ونكره إشعارًا بأنه لا يشترط فيه رضى المرأة ﴿أو سرحوهن بمعروف﴾ بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن من غير تلبيس بدعوى ولا تضييق في شيء من الأشياء.
[ ٣ / ٣١٩ ]
وقال الحرالي: هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك، ولذلك فرقه الخطاب ولم يكن: فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى.
ولما كان المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر اهتمامًا به معبرًا بما يتناول جميع الأوقات فقال: ﴿ولا تمسكوهن﴾ أي بالمراجعة في آخر العدة ﴿ضرارًا﴾ كما كان في الجاهلية ﴿لتعتدوا﴾ أي قاصدين بذلك التوصل إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت لكم مثل أن يريد تطويل العدة عليها فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر.
ولما كان التقدير: فمن يفعل ذلك فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير عنه قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي الفعل البعيد عن الخير، وفي التعبير بالمضارع إشعار بأن في الأمة من يتمادى على فعله ﴿فقد ظلم نفسه﴾ أي بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه.
ولما كان قد لا يقصد شيئًا من انتهاك الحرمات ولا من المصالح فكان مقدمًا على ما لا يعلم أو يظن له عاقبة حميدة تهاونًا بالنظر وكان فاعل ذلك شبيهًا بالهازىء كما يقال لمن لا يجد فى أمر: هو لاعب، قال: ﴿ولا تتخذوا آيات الله﴾ أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة
[ ٣ / ٣٢٠ ]
ناصبها ﴿هزوًا﴾ بإهمالها عن قصد المصالح الذي هو زوجها.
ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في جميع أفعاله قال: ﴿واذكروا نعمة الله﴾ أي الذي له الكمال كله ثم عبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى عموم النعم وغلبتها فقال: ﴿عليكم﴾ هل ترون فيها شيئًا من وادي العبث بخلوه عن حكمة ظاهرة ﴿وما﴾ أي وخصوا بالذكر الذي ﴿أنزل عليكم من الكتاب﴾ الذي فاق جميع الكتب وعلا عن المعارضة فغلب جميع الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء ﴿والحكمة﴾ التي بثها فيه وفي سنة نبيه ﷺ حال كونه ﴿يعظكم﴾ أي يذكر بما يرقق قلوبكم ﴿به﴾ أي بذلك كله ﴿واتقوا الله﴾ أي بالغوا في الخوف ممن له الإحاطة بجميع صفات الكمال باستحضار
[ ٣ / ٣٢١ ]
ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه على عظيم أمره بقوله: ﴿واعلموا﴾ وبتكرير الاسم الأعظم في قوله: ﴿أن الله﴾ فلم يبق وراء ذلك مرمى ﴿بكل شيء﴾ أي من أمور النكاح وغيرها ﴿عليم *﴾ أي بالغ العلم فاحذروه حذر من يعلم أنه بحضرته وكل ما يعمله من سر وعلن فبعينه. قال الحرالي: والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى.
ولما نهى عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه النهي عما كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من يتصور منه عضل لكن لما كان نهي الأولياء إذا كانوا أزواجًا نهيًا لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى الأزواج وهم في غمارهم فقال: ﴿وإذا طلقتم﴾ أي أيها الأزواج، وأظهر ولم يضمر لأن المذكور هنا أعم من الأول فقال: ﴿النساء﴾ أيّ طلاق كان ﴿فبلغن أجلهن﴾ أي
[ ٣ / ٣٢٢ ]
انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين - نقله الأصبهاني عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا على الحقيقة للنهي عن العضل ﴿فلا تعضلوهن﴾ أي تمنعوهن أيها الأولياء أزواجًا كنتم أو غير أزواج، والعضل قال الحرالي هو أسوأ المنع، من عضلت الدجاجة إذا نشبت بيضتها فيها حتى تهلك - انتهى.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
﴿أن ينكحن أزواجهن﴾ أي الذين طلقوهن وغيرهم، وسموا أزواجًا لمآل أمرهم إلى ذلك كما أن المطلقين سموا أزواجًا بما كان؛ واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه ورحمه بها على أنه لا نكاح إلا بولي، لأن التعبير بالعضل دال على المنع الشديد المعبر من الداء العضال، وإن عضل من غير كفوء جاز ولم تزوج منه ولو كانت المرأة تزوج نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله الممنوع ليحصل عزله إلا إذا منع عند الحاكم وقد بينت ذلك السنة. وهذه الآية من عجائب أمر الاحتباك ﴿طلقتم﴾ يفهم الأزواج من ﴿تعضلوهن﴾
[ ٣ / ٣٢٤ ]
و﴿تعضلوهن﴾ يفهم الأولياء من ﴿طلقتم﴾ وقد بينت ذلك في كتابي الإدراك ﴿إذا تراضوا﴾ أي النساء والأزواج الأكفاء بما أفهمته الإضافة دون أن يقال: أزواجًا لهن مثلًا. ولما كان الرضى ينبغي أن يكون على العدل أشار إليه بقوله: ﴿بينهم﴾ ولما كانا قد يتراضيان على ما لا ينبغي قيده بقوله: ﴿بالمعروف﴾ فإن تراضوا على غيره كما لو كان الزوج غير كفوء فاعضلوهن، وعرفه كما قال الحرالي لاجتماع معروفين منهما فكان مجموعهما المعروف التام وأما المنكر فوصف أحدهما - انتهى.
ولما ذكر الأحكام مبينًا لحكمها فكان ﴿ذلك﴾ وعظًا وكان أكثر الناس يظن أن الوعظ مغائر للأحكام أقبل على المختار للكمال فقال: ذلك الأمر العظيم يا أيها الرسول ﴿يوعظ﴾ أي يرقق ﴿به﴾ قلوب ﴿من كان﴾ والوعظ قال الحرالي إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى. فهو تهديد لمن تشق عليه الأحكام وهم الأكثر.
ولما كان من أتباعه ﷺ من جاهد نفسه حتى صار أهلًا لفهم الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع
[ ٣ / ٣٢٥ ]
لحظه بقوله: ﴿منكم﴾ معلمًا أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم، وإنما قيد بهم لأنهم المنتفعون به الفاهمون له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان لأن الخطاب وإن كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب كما يتضمن الترغيب ولما كان من الحكمة أن من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك بقوله: ﴿يؤمن بالله﴾ أي لما له من العظمة ﴿واليوم الآخر﴾ خوفًا من الفضيحة فيه، وفي تسميته وعظًا إفهام بأن من تجاوز حدًا في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه حدًا.
قال الحرالي: لأن من فعل شيئًا فعل به نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي آخر عنه حين يكون هو زوجًا، ومن زنى زنى به ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ [الأنعام: ١٣٩] .
فلما وقع ما هيجوا إليه من كمال الإصغاء قال مقبلًا عليهم: ﴿ذلكم﴾ أي الأمر العظيم الشأن ﴿أزكى لكم﴾ أي أشد تنمية
[ ٣ / ٣٢٦ ]
وتكثيرًا وتنقية وتطهيرًا بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله ﷾ ﴿وأطهر﴾ للقلوب. ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى لقبول من دونه منه قال مظهرًا ومعيدًا للاسم الأعظم تعظيمًا للأمر: ﴿والله﴾ أي أشير إليكم بهذا والحال أن الملك الأعظم ﴿يعلم﴾ أي له هذا الوصف ﴿وأنتم لا تعلمون*﴾ أي ليس لكم هذا الوصف بالذات لا في الحال ولا في الاستقبال لما أفهمه النفي بكلمة لا وصيغة الدوام.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
ولما كان النكاح قد يكون عنه ولادة فيكون عنها رضاع وقد تكون المرضعة زوجة وقد تكون أجنبية والزوجة قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة وكان الفراق بالطلاق أكثر منه بالموت وسّطه بين عدتي الطلاق والوفاة لإدلائه إلى كل بسبب واهتمامًا بشأنه وحثًا على الشفقة على الصغير وشدة العناية بأمره لأن الأم ربما كانت مطلقة فاستهانت بالولد إيذاء للزوج إن كان الطلاق عن شقاق أو رغبة في زوج آخر، وكذا الأب فقال تعالى عاطفًا على ما تقديره مثلًا: فالنساء لهن أحكام كثيرة وقد علمتم منها هنا أصولًا تفهم من بصره الله كثيرًا من الفروع، والمطلقات إن لم يكن بينكم وبينهن علقة بولادة أو نحوها فلا سبيل لكم عليهن. وقال الحرالي: لما ذكر ﷾ أحكام الاشتجار بين الأزواج التي عظم متنزل الكتاب لأجلها وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع الولد وأحكام الرضاع
[ ٣ / ٣٢٨ ]
نظم به عطفًا أيضًا على معاني ما يتجاوزه الإفصاح ويتضمنه الإفهام لما قد علم من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه بما لا يكاد ينتهي عده فلذلك يكثر فيه الخطاب عطفًا أي على غير مذكور ليكون الإفصاح أبدًا مشعرًا بإفهام يناله من وهب روح العقل من الفهم كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل الذي هو العلم؛ انتهى - فقال تعالى: ﴿والوالدات﴾ أي من المطلقات وغيرهن، وأمرهن بالإرضاع في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد فعل وتم تنبيهًا على تأكيده وإن كان الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن هنا وفي سورة الطلاق وما يأتي من الاسترضاع فقال: ﴿يرضعن أولادهن﴾ قال الحرالي: جعل تعالى
[ ٣ / ٣٢٩ ]
الأم أرض النسل الذي يغتذي من غذائها في البطن دمًا كما يغتذي أعضاؤها من دمها فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه وليدًا من مغذاه جنينًا فكان الأحق أن يرضعن أولادهن، وذكره بالأولاد ليعم الذكور والإناث؛ وقال: الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة وهو الضعف والنحول بالرزق الجامع الذي هو طعام وشراب وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع من ذات الظلف - انتهى.
ولما ذكر الرضاع ذكر مدته ولما كان المقصود مجرد تحول الزمان بفصوله الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع البروج الاثني عشر إلى البرج الذي كانت فيه عند الولادة وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ولا ذمه ولا وصفه بضيق ولا سعة عبر بما يدل على مطلق التحول فقال: ﴿حولين﴾ والحول تمام القوة في الشيء الذي ينتهي لدورة
[ ٣ / ٣٣٠ ]
الشمس وهو العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم فيه قواه - قاله الحرالي. وكأنه مأخوذ مما له قوة التحويل. ولما كان الشيء قد يطلق على معظمه مجازًا فيصح أن يراد حول وبعض الثاني بين أن المراد الحقيقة قطعًا لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلامًا بالوقت المقيد للتحريم كما قال ﷺ «إنما الرضاعة من المجاعة» بقوله: ﴿كاملين﴾ ولما كان ذلك ربما أفهم وجوب الكمال نفاه بقوله: ﴿لمن﴾ أي هذا الحكم لمن ﴿أراد أن يتم
[ ٣ / ٣٣١ ]
الرضاعة﴾ فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد التمام. وقال الحرالي: وهو أي الذي يكتفى به دون التمام هو ما جمعه قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فإذا كان الحمل تسعًا كان الرضاع أحدًا وعشرين شهرًا، وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثًا وثلاثين شهرًا فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع ليجتمع في الثلاثين تمام الرضاع وكفاية الحمل - انتهى.
ولما أوهم أن ذلك يكون مجانًا نفاه بقوله: ﴿وعلى﴾ ولما كانت الوالدية لا تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه بالفراش وكان للرجل دون المرأة فقال: ﴿المولود له﴾ أي على فراشه ﴿رزقهن﴾ أي المرضعات لأجل الرضاع سواء كن
[ ٣ / ٣٣٢ ]
متصلات أو منفصلات فلو نشزت المتصلة لم يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية. فلما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده الزوج من الاستمتاع ربما أوهم سقوط الكسوة ذكرها فقال: ﴿وكسوتهن﴾ أجرة لهن. قال الحرالي: الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر والأنثى وقال: فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى.
ولما كان الحال مختلفًا في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء قال: ﴿بالمعروف﴾ أي - من حال كل منهما. قال الحرالي: فأكد ما أفهمته الإضافة وصرح الخطاب بإجماله - انتهى. ثم علله أو فسره بالحنيفية التي منَّ علينا ﷾ بها فقال: ﴿لا تكلف﴾ قال الحرالي: من التكليف وهو أن يحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفة بالأشياء التي يدعوه إليها طبعه ﴿نفس﴾ أي لا يقع تكليفها وإن كان له ﷾ أن يفعل ما يشاء ﴿إلا وسعها﴾ أي ما تسعه وتطيقه لا كما فعل سبحانه بمن قبل،
[ ٣ / ٣٣٣ ]
كان أحدهم يقرض ما أصاب البول من جلده بالمقراض والوسع قال الحرالي ما يتأتى بمنة وكمال قوة.
ولما كانت نتيجة ذلك حصول النفع ودفع الضر قال: ﴿لا تضآر والدة بولدها﴾ أي لا تضر المنفق به ولا يضرها، وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الخير وهو آكد، وفتح الباقون على النهي، ويحتمل فيها البناء للفاعل والمفعول ﴿ولا مولود له
[ ٣ / ٣٣٤ ]
بولده﴾ أي المولود على فراشه ليس له أن يضر الوالدة به وليس لها أن تضره به ولا أن تضر الولد بتفريط ونحوه حملًا للمفاعلة على الفعل المجرد، وكل من أسند ﷾ المضارة إليه أضاف إليه الولد استعطافًا له عليه وتحريكًا لطبعه إلى مزيد نفعه. قال الحرالي: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها في فقدها له ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها، فكما لم يصلح أن يمسكها زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف ولا يتم المعروف إلا بالبراءة من المضارة. وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى.
ولما تم الأمر بالمعروف وما تبعه من تفسيره وكان ذلك على تقدير وجود الوالد إذ ذاك بين الحال بعده فقال: ﴿وعلى الوارث﴾ أي
[ ٣ / ٣٣٥ ]
وارث الوالد وهو الرضيع ﴿مثل ذلك﴾ أي المأمور به من المعروف على ما فسره به في ماله إن مات والده والوارث. قال الحرالي: المتلقى من الأحياء عن الموتى ما كان لهم من حق أو مال - انتهى. وقيل في الوارث غير ذلك لأنه تقدم ذكر الوالدات والولد والمولود له فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم.
ولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام قبل التمام فقال مسببًا عما أفهمته العبارة: ﴿فإن أرادا﴾ أي الوالدان ﴿فصالًا﴾ أي فطامًا قبل تمام الحولين للصغير عن الرضاع. قال الحرالي: وهو من الفصل وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - انتهى. وهو أعم من الفطم فلذا عبر به. ولما بين ذلك نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة فقال: ﴿عن تراض منهما﴾
[ ٣ / ٣٣٦ ]
ثم بين أن الأمر خطر يحتاج إلى تمام النظر بقوله: ﴿وتشاور﴾ أي إدارة للكلام في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به. قال الحرالي: فأفصح بإشعار ما في قوله: ﴿أن يتم﴾ وأن الكفاية قد تقع بدون الحولين فجعل ذلك لا يكون بريًا من المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما وتشاورهما لمن له تبصرة لئلا تجتمعا على نقص الرأي، قال ﵊
«ما خاب من استخار ولا ندم من استشار» والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور كما يشور العسل جانيه - انتهى. ﴿فلا جناح عليهما﴾ فيما نقصاه عن
[ ٣ / ٣٣٧ ]
الحولين لأنهما غير متهمين في أمره واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه قلّ ما يخطىء. قال الحرالي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ورتبة كفاية فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. وقد أفهم تمام هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له أكثر وعنايته به أشد.
ولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلًا على أولويته أتبعه ما يدل على جواز غيره فقال: ﴿وإن أردتم﴾ أي أيّها الرجال ﴿أن تسترضعوا﴾ أي أن تطلبوا من يرضع ﴿أولادكم﴾ من غير الأمهات ﴿فلا جناح﴾ أي ميل بإثم ﴿عليكم إذا سلمتم﴾ أي إلى المراضع ﴿ما آتيتم﴾ أي ما جعلتم لهن من العطاء ﴿بالمعروف﴾ موفرًا طيبة به أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر لأن ذلك أقطع لمعاذير لمراضع
[ ٣ / ٣٣٨ ]
فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة وعدم التفريط في حق الصغير.
ولما كان التقدير: فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم عنه فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين، عطف عليه قوله: ﴿واتقوا الله﴾ أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ثم خوفهم سطواته بقوله منبهًا على عظم هذه الأحكام ﴿واعلموا﴾ وعلق الأمر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى فقال: ﴿أن الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال تعظيمًا للمقام ولذلك أكد علمه ﷾ هنا على نحو ما مضى في ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ [البقرة: ٢١٥] بتقديم قوله للإعلام بمزيد الاهتمام ﴿بما تعملون﴾ أي من سر وعلن.
ولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية التي بعدها وكثير
[ ٣ / ٣٣٩ ]
منها منوط بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم فقال: ﴿بصير *﴾ أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك.
[ ٣ / ٣٤٠ ]