ولما ذكر ﷾ متاع المتوفى عنهن عقبه متاع المطلقات تأكيدًا للحكم بالتكرير وتعميمًا بعد تخصيص بعض أفراده فقال تعالى: ﴿وللمطلقات﴾ أي أيّ المدخول بهن بأي طلاق كان ﴿متاع﴾ أي من جهة الزوج يجبر ما حصل لها من الكسر ﴿بالمعروف﴾ أي من حالهما ﴿حقًا على المتقين *﴾ قال الحرالي:
[ ٣ / ٣٨٣ ]
حيث كان الذي قبل الدخول حقًا على المحسنين كان المحسن يمتع بأيسر وصلة في القول دون الإفضاء والمتقي يحق عليه الإمتاع بمقدار ما وقع له من حرمة الإفضاء ولما وقع بينهم من الإرهاق والضجر فيكون في المتعة إزالة لبعض ذلك وإبقاء بسلام أو مودة - انتهى. وفيه إشارة إلى أن الطلاق كالموت لانقطاع حبل الوصلة الذي هو كالحياة وأن المتاع كالإرث.
ولما بيّن ﷾ هذه الأحكام هذا البيان الشافي كان كأن سائلًا قال: هل يبين غيرها مثلها؟ فقال: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا البيان ﴿يبين الله﴾ أي الذي له الحكمة البالغة لأنه المحيط بكل شيء ﴿لكم آياته﴾ أي المرئية بما يفصل لكم في آياته المسموعة ﴿لعلكم تعقلون *﴾ أي لتكونوا على حال يرجى لكم معها
[ ٣ / ٣٨٤ ]
التفكر في الآيات المسموعات والآيات المرئيات كما يفعل العقلاء فيهديكم ذلك إلى سواء السبيل؛ وقد كرر مثل هذا القول كثيرًا وفصلت به الآيات تفصيلًا وكان لعمري يكفي الفطن السالم من مرض القلب وآفة الهوى إيراده مرة واحدة في الوثوق بمضمونه والركون إلى مدلوله، وإنما كرر تنبيهًا على بلاغة الآيات المختومة به وخروجها عن طوق البشر وقدرة المخلوق، وذلك أنهم كلما سمعوا شيئًا من ذلك وهم أهل السبق في البلاغة والظفر على جميع أرباب الفصاحة والبراعة فرأوه فائتًا لقواهم وبعيدًا من قدرهم خطر لهم السؤال عن مثل ذلك البيان ناسين لما تقدم من صادق الوعد وثابت القول بأن الكل على هذا المنوال البديع المثال البعيد المنال، لما اعتراهم من دهش العقول وانبهار الألباب والفهوم.
ولما انقضى ما لا بد منه مما سيق بعد الإعلام بفرض القتال المكروه للأنفس من تفصيل ما أحمل في ليل الصيام من المشارب والمناكح وما تبعها وكان الطلاق كما سلف كالموت وكانت المراجعة كالإحياء وختم ذلك بالصلاة حال الخوف الذي أغلب صورة
[ ٣ / ٣٨٥ ]
الجهاد ثم بتبيين الآيات أعم من أن تكون في الجهاد أو غيره عقب ذلك بقوله دليلًا على آية كتب القتال المحثوث فيها على الإقدام على المكاره لجهل المخلوق بالغايات: ﴿ألم تر﴾ وقال الحرالي: لما كان أمر الدين مقامًا بمعالمه الخمس التي إقامة ظاهرها تمام في الأمة وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات كان القليل من المواعظ والقصص في شأنه كافيًا، ولما كان حظيرة الدين
[ ٣ / ٣٨٦ ]
إنما هو الجهاد الذي فيه بذل الأنفس وإنفاق الأموال كثرت فيه مواعظ القرآن وترددت وعرض لهذه الأمة بإعلام بما يقع فيه فذكر ما وقع من الأقاصيص في الأمم السالفة وخصوصًا أهل الكتابين بني إسرائيل ومن لحق بهم من أبناء العيص فكانت وقائعهم مثلًا لوقائع هذه الأمة فلذلك أحيل النبي ﷺ على استنطاق أحوالهم بما يكشفه الله ﷾ له من أمرهم عيانًا وبما ينزله من خبرهم بيانًا وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله ﷾:
﴿سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة﴾ [البقرة: ٢١١] وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي ﷺ لعلو معناها فأشرف المعاني ما قيل فيه ﴿ألم تر﴾ إقبالًا على النبي ﷺ وعموم المعاني ما قيل فيه ﴿ألم تروا﴾ [لقمان: ٢٠] إقبالًا على الأمة ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد موهبة العقل لتترتب المكسبة من العلم على مقدار الموهبة من العقل فكان من القصص العلي العلم اللطيف الاعتبار ما تضمنته هذه الآيات من قوله: ﴿ألم تر﴾
[ ٣ / ٣٨٧ ]
ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم، قال ﵊: «إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون من عزمهم كما أظهر الله تعالى مزيتهم على من قبلهم بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم - انتهى.
ولما كانت مفارقة الأوطان مما لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم فقال: ﴿إلى الذين خرجوا﴾ أي ممن تقدمكم من الأمم ﴿من ديارهم﴾ التي ألفوها وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به على الموت ﴿وهم ألوف﴾ أي كثيرة جدًا تزيد على العشرة بما أفهمه جمع التكثير. قال الحرالي: فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد وإنما كان من جزع أنفس فأعلم سبحانه
[ ٣ / ٣٨٨ ]
وتعالى أن الحذر لا ينجي من القدر وإنما ينجى منه كما قال النبي ﷺ الدعاء «إن الدعاء ليلقي القدر فيعتلجان إلى يوم القيامة» انتهى. ﴿حذر الموت﴾ فرارًا من طاعون وقع في مدينتهم أو فرارًا من عدو دعاهم نبيهم إلى قتاله - على اختلاف الرواية - ظنًا منهم أن الفرار ينجيهم.
ودل ﷾ على أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي لم يمكنه التخلف عن الامتثال بقوله مسببًا عن خروجهم على هذا الوجه: ﴿فقال لهم الله﴾ أي الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب لأن له الكمال كله ﴿موتوا﴾ أي فماتوا أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر عنهم علمهم بالأمور وبصرهم إعلامًا بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه حذره مع ما جناه من إغضاب ربه ومن أقدم عليه لم يضره إقدامه مع ما فاز به من مرضاة مولاه.
قال الحرالي: في إشعاره
[ ٣ / ٣٨٩ ]
إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون بالقول حيث لم يقل: فأماتهم الله، فتكون إماتة حاقة لا مرجع منها، ففيه إبداء لمعنى تدريج ذات الموت في أسنان متراقية من حد ضعف الأعضاء والقوى بالكسل إلى حد السنة إلى حد النوم إلى حد الغشي إلى حد الصعق إلى حد هذه الإماتة بالقول إلى حد الإماتة الآتية على جملة الحياة التي لا ترجع إلا بعد البعث وكذلك الإماتة التي يكون عنها تبدد الجسم مع بقائه على صورة أشلائه أشد إتيانًا على الميت من التي لا تأتي على أعضائه «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين» فكما للحياة أسنان من حد ربو الأرض إلى حد حياة المؤمن إلى ما فوق ذلك من الحياة كذلك للموت أسنان بعدد أسنان الحياة مع كل سن حياة موت إلى أن ينتهي الأمر إلى الحي الذي لا يموت ﴿وإن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢]، فبذلك يعلم ذو الفهم أن
[ ٣ / ٣٩٠ ]
ذلك توطئة لقوله: ﴿ثم أحياهم﴾ وفي كلمة ﴿ثم﴾ إمهال إلى ما شاء الله - انتهى. وجعل ﷾ ذلك تقريرًا له ﷺ بالرؤية إما لأنه كشف له عنهم في الحالتين وإما تنبيهًا على أنه في القطع بإخبار الله تعالى له على حالة هي كالرؤية لغيره تدريبًا لأمته؛ ولعل في الآية حضًا على التفضل بالمراجعة من الطلاق كما تفضل الله على هؤلاء بالإحياء بعد أن أدبهم بالإماتة وختم ما قبلها بالإقامة في مقام الترجي للعقل فيه إشارة إلى أن الخارجين من ديارهم لهذا الغرض سفهاء فكأنه قيل: لتعقلوا فلا تكونوا كهؤلاء الذين ظنوا أن فرارهم ينجيهم من الله بل تكونون عالمين بأنكم أينما كنتم ففي قبضته وطوع
[ ٣ / ٣٩١ ]
مشيئته وقدرته فيفيدكم ذلك الإقدام على ما كتب عليكم مما تكرهونه من القتال، أو يقال: ولما كان المتوفى قد يطلق زوجه في مرض موته فرارًا من إرثها وقد يخص بعض وارثيه مما يضار به غيره وقد يحتال على المطلقة ضرارًا بما يمنع حقها ختم آية الوفاة عن الأزواج والمطلقات بترجية العقل بمعنى أنكم إذا عقلتم لم تمنعوا أحدًا من فضل الله الذي آتاكم علمًا منكم بأنه تعالى قادر على أن يمنع المراد إعطاؤه ويمنح المراد منعه بأسباب يقيمها ودواعي يخلقها أو يشفي فاعل ذلك من مرضه ثم يسلبه فضله فيفقره بعد غناه ويضعفه بعد قواه، فإنه لا ينفع من قدره حذر، ولا يدفع مراده كيد ولا حيل وإن كثر العدد وجل المدد، ﴿ألم تر﴾ إلى أن قال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام ﴿لذو فضل﴾ ﴿على الناس﴾ أي عامة فليذكر كل واحد ما له عليه من الفضل،
[ ٣ / ٣٩٢ ]
وليرغبوا في العفو عمن يرون أن منعه عدل لأن ذلك أقرب إلى الشكر وأبعد عن الكفر، فطلاق الفار إخراج الزوجة عن دائرة عصمته حذرًا من إماتة ماله بأخذ ما يخصها منه وخروج الزوج عن دائرة النكاح حذرًا من موت مقيد بكونها في عصمته وخروج الألوف من دار الإقامة حذرًا من موت مطلق، ومن المناسبات البديعة أنه لما كانت حقيقة حال العرب أنهم انتقلوا بعد أبيهم إسماعيل ﵊ والتابعين له بإحسان من ضيق دار العلم والإيمان حذرًا من هلاك الأبدان بتكاليف الأديان إلى
[ ٣ / ٣٩٣ ]
قضاء الشهوات والعصيان فوقعوا في موت الجهل والكفران فلما نزل عليهم القرآن وكان أكثر هذه السورة في الرد على أهل الكتاب وكرر فيها هداية العرب من الكفر والجهل بكلمة الإطماع في غير موضع نحو
﴿ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾ [البقرة: ١٥٠] ﴿لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١] ﴿لعلهم يرشدون﴾ [البقرة: ١٨٦] ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾ [البقرة: ٢١٩، ٢٢٠] وغير ذلك إلى أن ختم هذه الآيات بترجي العقل وكان أهل الكتاب قد اشتد حسدهم لهم بجعل النبي الذي كانوا ينتظرونه منهم وكان الحاسد يتعلق في استبعاد الخير عن محسوده بأدنى شيء كانوا كأنهم قالوا: أيحيي هؤلاء العرب على كثرتهم وانتشارهم في أقطار هذه الجزيرة من موت الكفر والجهل بالإيمان والعلم بعد أن تمادت بهم فيهما الأزمان وتوالت عليهم الليالي والأيام حتى عتوا فيهما وعسوا ومردوا عليهما وقسوا؟ فأجيبوا بنعم وما استبعدتموه غير بعيد، فقالوا: فإن كان لله بهم عناية فلم تركهم يجهلون ويكفرون بعد ما شرع لهم أبوهم إسماعيل ﵊ دين أبيه إبراهيم ﵊؟ فأجيبوا بأنه فعل بهم ذلك لذنب استحقوه
[ ٣ / ٣٩٤ ]
لحكمة اقتضاها سابق علمه ثم ذكّرهم قدرته في مثل ذلك من العقوبة واللطف بما هم به عالمون فقال تعالى مخاطبًا لنبيه ﷺ والمراد هم - كما يقال: الكلام لك واسمعي يا جارة - ﴿ألم تر﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لكل فاهم أي تعلم بقلبك أيها السامع علمًا هو كالرؤية ببصرك لما تقدم من الأدلة التي هي أضوأ من الشمس على القدرة على البعث ويؤيد أنه لمح فيه الإبصار تعديته بإلى في قوله: ﴿إلى الذين خرجوا﴾ وقال: ﴿فقال لهم الله﴾ أي الذي له العظمة كلها عقوبة لهم بفرارهم من أمره ﴿موتوا ثم أحياهم﴾ بعد أن تطاول عليهم الأمد وتقادم بهم الزمن كما أفهمه العطف بحرف التراخي تفضلًا منه، فكما تفضل على أولئك بحياة أشباههم بعد عقوبتهم بالموت فهو يتفضل على هؤلاء بحياة أرواحهم من موت الكفر والجهل إظهارًا لشرف نبيهم ﷺ، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له العظمة كلها بما له من الجلال والعظمة والكمال ﴿لذو فضل﴾ أي عظيم ﴿على الناس﴾ أي
[ ٣ / ٣٩٥ ]
كافة مطيعهم وعاصيهم.
قال الحرالي: بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية ثم ينجيهم منها إلى أحوال منجية بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت آخرتهم كما هلكت دنياهم ولكن الله ﷾ أحياهم لتجدد فضله عليهم - انتهى. كما تفضل عليكم يا بني إسرائيل بأن أحياكم من موت العبودية وذلك الذل بعد أن كان ألزمكموه بذنوبكم دهورًا طويلة وكما تفضل عليكم أيها العرب بقص مثل هذه الأخبار عليكم لتعتبروا ﴿ولكن أكثر الناس﴾ كرر الإظهار ولم يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن المراد بالناس الأول أهل زمان ما فيخص الثاني أكثرهم ﴿لا يشكرون *﴾ وذلك تعريض ببني إسرائيل في أنهم لم يشكروه ﷾ في الوفاء بمعاهدته لهم في اتباع هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي هذا الأسلوب بعد هذه المناسبات إثبات لقدرته ﷾ على الإعادة وجرّ لمنكر ذلك إلى الحق من حيث
[ ٣ / ٣٩٦ ]
لا يشعر. قال الحرالي: والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر الخلق بما هو باطن فمن حيث إن الأمر كله لله قسرًا فالشكر أن يبدو الخلق كله بالله شكرًا، لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تأكله سمنًا وصلاحًا، فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور. فلما أودعه ﷾ في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان من لم يبد ذلك على ظاهر خلقه كفورًا، ومن بدا ما استسر فيه من ذلك شكورًا، وليس من وصف الناس ذلك لترددهم بين أن يكون البادي عليهم عندهم تارة من الله ﷾ وتارة من أنفسهم وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على حد كفر أو هوى أو بدعة أو خطيئة وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم، ففي اعتبار هذه الآية تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا الموت. قال بعض التابعين رضي الله تعالى عنهم: لقد رأينا أقوامًا يعنون من أصحاب رسول الله ﷺ الموت إلى أحدهم أشهى من الحياة عندكم اليوم؛ وإنما ذلك لما تحققوا من موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى عمارة آخرتهم - انتهى. وما أحسن
[ ٣ / ٣٩٧ ]
الرجوع إلى قصص الأقدمين والالتفات إلى قوله: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] على هذا الوجه وهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم؛ قال أهل التفسير: إن إحياءهم كان على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام؛ وقال البغوي: إنه ثالث خلفائهم، والذي رأيته في سفر الأنبياء المبعوثين منهم بعد موسى ﵊ لتجديد أمر التوراة وإقامة ما درس من أحكامها وهم ستة عشر نبيًا أولهم يوشع بن نون وآخرهم دانيال على جميعهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام أن حزقيل خامس عشرهم ﵊.
قال في الإصحاح الحادي والعشرين من نبوته: وكانت
[ ٣ / ٣٩٨ ]
على يد الرب وأخرجني روح الرب إلى صحراء مملوءة عظام موتى وأمرني أجوز عليها وأدور حولها، فرأيتها كثيرة في الصحراء يابسة وقال لي: يا ابن الإنسان! هل تعيش هذه العظام؟ فقلت: أنت تعلم يا رب الأرباب! قال لي: تنبأ على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام البالية! اسمعوا كلام الله أن هكذا يقول رب الأرباب لهذه العظام: إني أرد فيكم الروح فتحيون وتعلمون أني أنا الرب، آتي بالعصب والجلد واللحم أنبته، وأرد فيكم الأرواح فتحيون، فلما تنبأت بهذا صار صوت عظيم وزلزلة، واقتربت العظام كل عظم إلى مفصله، ورأيت قد صعد عليها العصب ونبت اللحم ورد عليها الجلد من فوق ذلك ولم يكن فيهم روح، وقال الرب: يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل، تنبأ أيها الإنسان وقل للروح: هكذا يقول رب الأرباب: تعالوا أيها الأرواح، وأنفخ في هؤلاء القتلى فيعيشوا، فتنبأت كالذي أمرني الرب، فدخلت فيهم الروح
[ ٣ / ٣٩٩ ]
وعاشوا وقاموا على أرجلهم جيش عظيم جدًا، وقال لي الرب: يا ابن الإنسان! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل، فمن أجل هذا تنبأ وقل: هكذا يقول رب الأرباب: هو ذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وتعلمون أني أنا الرب أنفخ فيكم روحي فتعيشون وأترككم تعملون؛ قد قلت هذا وأنا أفعله - انتهى. ولما بيّن ﷾ أن الموت لا يصون منه فرار أمر بالجهاد الذي هو المقصود الأعظم بهذه السياقات ولفت القول إلى من يحتاج إلى الأمر به وصدره بالواو فأفهم العطف على غير معطوف عليه مذكور أن التقدير: فلا تفروا من أسباب الموت بل اثبتوا في مواطن البأساء ﴿وقاتلوا﴾ وعبر بفي الظرفية إشارة إلى وجوب كونهم
[ ٣ / ٤٠٠ ]
في القتال وإن اشتدت الأحوال مظروفين للدين مراعين له لا بخرجون عنه بوجه ما فيصدقون في الإقدام على من لج في الكفران ويسارعون إلى الإحجام عمن بدا منه الإذعان ونحو ذلك من مراعاة شرائع الإيمان، وعبر بالسبيل إشارة إلى يسر الدين ووضوحه فلا عذر في الخروج عن شيء منه بحال فقال: ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي لا كفوء له كما كتبه عليكم وإن كنتم تكرهون القتال.
ولما أمرهم بعد ما حذرهم رغبهم ورهبهم بقوله: ﴿واعلموا﴾ منبهًا لهم لأن يلقوا أسماعهم ويحضروا أفهامهم لما يلقى عليهم ﴿أن الله﴾ أي الذي له القدرة الكاملة والعلم المحيط ﴿سميع﴾ لما تقولون إذا أمرتم بما يكره من القتال ﴿عليم *﴾ بما تضمرون من الإعراض عنه والإقبال فهو يجازيكم على الخير قولًا وعملًا ونية، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفًا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وعلى السيئة بمثلها إن شاء
﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾ [الكهف: ٤٩] .
[ ٣ / ٤٠١ ]
ولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة أوثق دعائم الجهاد وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث عليها على وجه أبلغ تشويقًا مما مضى فقال على هيئه الممتحن للصادق ممن أمره وحذره وأنذره: ﴿من ذا الذي﴾ منكم يا من كتب عليهم القتال والخروج عن الأنفس والأموال ﴿يقرض الله﴾ الذي تفرد بالعظمة، وهو من الإقراض أي إيقاع القرض ولذا قال: ﴿قرضًا﴾ وشبه ﷾ العمل به لما يرجى عليه من الثواب فهو كالقرض الذي هو بذل المال للرجوع بمثله، وعبر به لدلالته على المحبة لأنه لا يقرضك إلا محب، ولأن أجره أكثر من أجر
[ ٣ / ٤٠٢ ]
الصدقة ﴿حسنًا﴾ أي جامعًا لطيب النفس وإخلاص النية وزكاء المال. وقال الحرالي: القرض الجزّ من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعًا مضاعفة، والقرض بين الناس قرضًا بقرض مثلًا بمثل فمن ازداد فقد أربى ومن زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى، فالقرض مساواة والربا ازدياد، ووصف ﷾ القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة بذلة على وجه الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - انتهى.
ولما كانت الأنفس مجبولة على الشحّ بما لديها إلا لفائدة رغبها بقوله مسببًا عن ذلك: ﴿فيضاعفه﴾ قال الحرالي: من المضاعفة مفاعلة من الضعف - بالكسر - وهي ثني الشيء بمثله مرة أو مرات، وأزال عنه ريب الاحتمال بقوله: ﴿له﴾ أي في الدنيا والآخرة.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
قال الحرالي: هذه المضاعفة أول إنبائها أن الزائد ضعف ليس كسرًا من واحد المقرض ليخرج ذلك عن معنى وفاء القضاء فإن المقترض تارة يوفي على الواحد كسرًا من وزنه، «كان رسول الله ﷺ لا يقترض قرضًا إلا وفى عليه زيادة، وقال: خير الناس أحسنهم قضاء» فأنبأ تعالى أن اقتراضه ليس بهذه المثابة بل بما هو فوق ذلك لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله إلى ما يقال فيه الكثرة؛ وفي قوله: ﴿أضعافًا﴾ ما يفيد أن الحسنة بعشر، وفي قوله: ﴿كثيرة﴾ ما يفيد البلاغ إلى فوق العشر وإلى المائة كأنه المفسر في قوله بعد هذا ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٦١]، فأوصل تخصيص هذه الكثرة إلى المئين ثم فتح باب التضعيف إلى ما لا يناله علم العالمين في قوله:
﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١]- انتهى.
ولما رغب ﷾ في إقراضه أتبعه جملة حالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال: ﴿والله﴾ أي المحيط علمًا وقدرة
[ ٣ / ٤٠٤ ]
﴿يقبض﴾ أي له هذه الصفة وهي إيقاع القبض والإقتار بمن يشاء وإن جلت أمواله. قال الحرالي: والقبض إكمال الأخذ، أصله القبض باليد كله، والقبض - بالمهملة - أخذ بأطراف الأصابع وهو جمع عن بسط فلذلك قوبل به ﴿ويبصط﴾ أي لمن يشاء وإن ضاقت حاله، والبسط توسعة المجتمع إلى حد غاية ﴿وإليه ترجعون *﴾ حسًا بالبعث ومعنى في جميع أموركم، فهو يجازيكم في الدارين على حسب ما يعلم من نياتكم.
ولما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتمنون في مكة المشرفة الإذن في مقارعة الكفار ليردوهم عما هم عليه من الأذى والغي والعمى عجب من حال بني إسرائيل حيث سألوا الأمر بالقتال ثم لم ينصفوا إذ أمروا تحذيرًا من مثل حالهم، وتصويرًا لعجيب قدرته على نقض العزائم وتقليب القلوب، وإعلامًا بعظيم مقادير الأنبياء وتمكنهم في المعارف الإلهية، ودليلًا على ختام الآية التي قبلها فقال مقبلًا على أعلى الخلق إشارة إلى أن للنفوس من دقائق الوساوس ما لا يفهمه
[ ٣ / ٤٠٥ ]
إلا البصراء: ﴿ألم تر﴾ قال الحرالي: أراه في الأولى حال أهل الحذر من الموت بما في الأنفس من الهلع الذي حذرت منه هذه الأمة ثم أراه في هذه مقابل ذلك من الترامي إلى طلب الحرب وهما طرفا انحراف في الأنفس، قال ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ففيه إشعار لهذه الأمة بأن لا تطلب الحرب ابتداء وإنما تدافع عن منعها من إقامة دينها كما قال ﷾: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ [الحج: ٣٩] وقال ﵊:
«والمشركون قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا»
فحق المؤمن أن يأبى الحرب ولا يطلبه فإنه إن طلبه فأوتيه عجز كما عجز هؤلاء حين تولوا إلا قليلًا فهذه الأقاصيص ليس المراد منها حديثًا عن الماضين وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون، إياك
[ ٣ / ٤٠٦ ]
أعني واسمعي يا جارة! فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذه بجملته خطابًا لهذه الأمة بكل ما قص له من أقاصيص الأولين - انتهى. ويجوز أن يكون الخطاب لكل من ألقى السمع وهو شهيد.
ولما كان الإخلال من الشريف أقبح قال ﴿إلى الملإ﴾ أي الأشراف، قال الحرالي: الذين يملؤون العيون بهجة والقلوب هيبة - انتهى. ولما كان ذلك من أولاد الصلحاء أشنع قال: ﴿من بني إسراءيل﴾ ولما كان ممن تقرر له الدين واتضحت له المعجزات واشتهرت عنده الأمور الإلهيات أفحش قال ﴿من بعد موسى﴾ أي الذي أتاهم من الآيات بما طبق الأرض كثرة وملأ الصدور عظمة وأبقى فيهم كتابًا عجبًا ما بعد القرآن من الكتب السماوية مثله.
قال الحرالي: وفيه إيذان بأن الأمة تختل بعد نبيها بما يصحبها من نوره زمن وجوده
[ ٣ / ٤٠٧ ]
معهم، قالوا: ما نفضنا أيدينا من تراب رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا - انتهى. ﴿إذ قالوا﴾ ولما كان الإخلاف مع الأكابر لا سيما مع الأنبياء أفظع قال: ﴿لنبي لهم﴾ ونكره لعدم مقتض لتعريفه. قال الحرالي: لأن نبيهم المعهود الآمر لهم إنما هو موسى ﵊، ومن بعده إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام إنما هم أنبياء بمنزلة الساسة والقادة لهم كالعلماء في هذه الأمة منفذون وعالمون بما أنزل على موسى ﵊ كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل فكما قص في صدر السورة حالهم مع موسى ﵊ قص في خواتيمها حالهم من بعد موسى لتعتبر هذه الأمة من ذلك حالها مع نبيها ﷺ وبعده انتهى.
ولما كان عندهم من الغلظة ما لا ينقادون به إلا لإنالة الملك وكان القتال لا يقوم إلا برأس جامع تكون الكلمة به واحدة قالوا: ﴿ابعث لنا﴾ أي خاصة ﴿ملكًا﴾ أي يقيم لنا أمر الحرب ﴿نقاتل﴾ أي عن أمره ﴿في سبيل الله﴾ أي الملك الأعلى.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
قال الحرالي في إعلامه أخذهم الأمر بمنة الأنفس حيث لم يظهر في قولهم إسناد إلى الله ﷾ الذي لا تصح الأعمال إلا بإسنادها
[ ٣ / ٤٠٩ ]
إليه فما كان بناء على تقوى تم، وما كان على دعوى نفس انهدّ ﴿قال﴾ أي ذلك النبي ﴿هل﴾ كلمة تنبىء عن تحقيق الاستفهام اكتفي بمعناها عن الهمزة - انتهى. ﴿عسيتم﴾ أي قاربتم ولما كانت العناية بتأديب السائلين في هذا المهم أكثر قدم قوله: ﴿إن كتب﴾ أي فرض - كذا قالوا، والأحسن عندي كما يأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في سورة براءة أن يكون المعنى: هل تخافون من أنفسكم، ولما كان القصد التنبيه على سؤال العافية والبعد عن التعرض للبلاء لخطر المقام بأن الأمر إذا وجب لم تبق فيه رخصة فمن قصر فيه هلك وسط بين عسى وصلتها قوله: ﴿عليكم القتال﴾ فرضًا لازمًا، وبناه للمفعول صيانة لاسم الفاعل عن مخالفة يتوقع تقصيرهم بها ﴿ألا تقاتلوا﴾ فيوقعكم ذلك في العصيان، قال الحرالي: بكسر سين عسى وفتحها لغتان، عادة النحاة أن لا يلتمسوا اختلاف المعاني من أوساط الصيغ وأوائلها، وفي فهم اللغة وتحقيقها إعراب في الأوساط والأوائل كما اشتهر إعراب الأواخر عند عامة النحاة، فالكسر حيث
[ ٣ / ٤١٠ ]
كان مبنى عن باد عن ضعف وانكسار، والفتح معرب عن باد عن قوة واستواء - انتهى. فكأنه ﷺ فهم أن بعضهم يترك القتال عن ضعف عنه وبعضهم يتركه عن قوة ولذلك نفى الفعل ولم يقل: أن تعجزوا.
قال الحرالي: فأنبأهم بما آل إليه أمرهم فلم يلتفوا عنه وحاجوه وردوا عليه بمثل سابقة قولهم، ففي إشعاره إنباء بما كانوا عليه من غلظ الطباع وعدم سرعة التنبه - انتهى.
ولما كان مضمون هذا الاستفهام: إني أخشى عليكم القعود عن القتال أعلمنا الله عن جوابهم بقوله: ﴿قالوا﴾ أي لموسى في المخالفة ولما أرشد العطف على غير مذكور أن التقدير: ما يوجب لنا القعود وإنا لا نخاف ذلك على أنفسنا بل نحن جازمون بأنا نقاتل أشد القتال! عطف عليهم قولهم: ﴿وما﴾ أي وأي شيء ﴿لنا﴾ في ﴿ألا نقاتل﴾ ولما كانت النفس فيما لله أجد وإليه أنهض قالوا:
[ ٣ / ٤١١ ]
﴿في سبيل الله﴾ أي الذي لا كفوء له إلهابًا وتهييجًا ﴿وقد﴾ أي والحال أنا قد ﴿أخرجنا﴾ أعم من أن يكون مع لإخراج إبعاد أو لا، وبناه للمجهول لأن موجب الإحفاظ والإخراج نفس الإخراج لا نسبة إلى حد بعينه ﴿من ديارنا﴾ التي هي لأبداننا كأبداننا لأرواحنا. ولما كان في ﴿أخرجنا﴾ معنى أبعدنا عطف عليه ﴿وأبنائنا﴾ فخلطوا بذلك ما لله بما لغيره وهو أغنى الشركاء لا يقبل إلا خالصًا. قال الحرالي: فأنبأ ﷾ أنهم أسندوا ذلك إلى غضب الأنفس على الإخراج وإنما يقاتل في سبيل الله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا - انتهى. ولما كان إخلاف الوعد مع قرب العهد أشنع قال: ﴿فلما﴾ بالفاء المؤذنة بالتعقيب ﴿كتب عليهم﴾ أي خاصة ﴿القتال﴾ أي الذي سألوه كما كتب عليكم بعد أن كنتم تمنونه إذ كنتم بمكة كما سيبين إن شاء الله تعالى في النساء عند قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين
[ ٣ / ٤١٢ ]
قيل لهم كفوا أيديكم﴾ [النساء: ٧٧]، ﴿تولوا﴾ فبادروا الإدبار بعد شدة ذلك الإقبال ﴿إلا قليلًا منهم﴾ أي فقاتلوا والله عليم بهم ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل كمال ﴿عليم﴾ بالمتولين، هكذا كان الأصل ولكنه قال: ﴿بالظالمين *﴾ معلمًا بأنهم سألوا البلاء وكان من حقهم سؤال العافية، ثم لما أجيبوا إلى ما سألوا أعرضوا عنه فكفوا حيث ينبغي المضاء ومضوا حيث كان ينبغي الكف فعصوا الله الذي أوجبه عليهم، فجمعوا بين عار الإخلاف وفضيحة العصيان وخزي النكوص عن الأقران وقباحة الخذلان للإخوان.
ولما أرشد العطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فقال لهم
[ ٣ / ٤١٣ ]
نبيّهم: ألم أقل لكم: لا تسألوا البلاء ولا تدانوا أمر القضاء فإن أكثر قول النفس كذب وجل أمانيها زور وأما أمر الله فمتى برز يجب، عطف عليه قوله: ﴿وقال لهم﴾ أي خاصة لم يكن معهم أحد غيرهم يحال عليهم جوابهم الذي لا يليق وصرح بالمقصود لئلا يظن أن القائل الله وأنهم واجهوه بالاعتراض فقال: ﴿نبيهم﴾ أي الذي تقدم أنهم سألوه ذلك مؤكدًا معظمًا محققًا بأداة التوقع لأن سؤالهم على لسان نبي يقتضي توقع الإجابة ﴿إن الله﴾ أي بجلاله وعزّ كماله ﴿قد﴾ ولما كان إلباس الشخص عزّ الملك مثل إعزاز الجماد بنفخ الروح كان التعبير عن ذلك بالبعث أليق فقال: ﴿بعث لكم﴾ أي خاصة
[ ٣ / ٤١٤ ]
لأجل سؤالكم ﴿طالوت﴾ اسم ملك من بني إسرائيل من سبط لم يكن الملك فيهم ﴿ملكًا﴾ تنتهون في تدبير الحرب إلى أمره.
قال الحرالي: فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم من لم يكن من أهل
[ ٣ / ٤١٥ ]
بيت الملك عندهم فكان أول فتنتهم بما طلبوا ملكًا فأجيبوا فلم يرضوا بما بعث لهم - انتهى. ولما أجابهم إلى ما سألوا كان من أول جلافتهم اعتراضهم على أمر الملك الديان الذي أورده لهم باسمه الأعظم الدال على جميع الكمال من الجلال والجمال ليكون أجدر لهم بقبول أمره والوقوف عند زجره وأورد اعتراضهم في جواب من كأنه قال: ما فعلوا إذ أجابهم إلى ما سألوا؟ فقال: ﴿قالوآ﴾ أي هم لا غيرهم ﴿أنى﴾ أي من أين وكيف ﴿يكون له﴾ أي خاصة ﴿الملك علينا ونحن﴾ أي والحال أنا نحن ﴿أحق بالملك منه﴾ لأن فينا من هو من سبط الملوك دونه. قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم بما هو أشد
[ ٣ / ٤١٦ ]
وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم: ﴿أنا خير منه﴾ [ص: ٧٦] انتهى. ﴿ولم﴾ أي والحال أنه لم ﴿يؤت سعة من المال﴾ أي فصار له مانعان: أحدهما أنه ليس من بيت المملكة، والثاني أنه مملق والملك لا بد له من مال يعتضد به. قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ملك وإنما الملك بايتاء الله فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - انتهى.
ولما كان الخلق كلهم متساوين في أصل الجسمية وإنما جاء تفضيل بعضهم على بعض من الله فكان هو المدار علق الأمر به في قوله: ﴿قال﴾ أي النبي لا غيره مؤكدًا لأجل إنكارهم معظمًا عليهم الحق
[ ٣ / ٤١٧ ]
بإعادة الاسم الأعظم ﴿إن الله﴾ أي الذي له جميع الأمر فلا اعتراض عليه وهو أعلم بالمصالح ﴿اصطفاه﴾ قال الحرالي: والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى. ولما كان ذلك مضمنًا معنى ملكه قال في تعديته ﴿عليكم﴾ ثم أتبع ذلك ما أودعه سبحانه مما اقتضى ذلك فقال: ﴿وزاده﴾ أي عليكم ﴿بسطة في العلم﴾ الذي به تحصل المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر، وهو يدل على اشتراط العلم في الملك، وفي تقديمه أن الفضائل النفسانية أشرف من الجسمانية وغيرها، وأن الملك ليس بالإرث ﴿والجسم﴾ الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران.
ولما كان من إليه شيء كان له الخيار في إسناده إلى غيره قال: والله﴾ أي اصطفاه والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره ﴿يؤتي ملكه﴾ أي الذي هو له وليس لغيره فيه شيء ﴿من يشاء﴾
[ ٣ / ٤١٨ ]
كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون ﴿والله﴾ الذي له الإحاطة الكاملة فلا يجوز الاعتراض عليه ﴿واسع﴾ أي في إحاطة قدرته وشمول عظمته وكثرة جنوده ورزقه ﴿عليم *﴾ أي بالغ العلم، فما اختاره فهو المختار وليس لأحد معه خيرة فهو يفعل بما له من السعة في القدرة والعلم ما قد لا تدركه العقول ولا تحتمل وصفه الألباب والفهوم ويؤتي من ليس له مال من خزائن رزقه ما يشاء.
[ ٣ / ٤١٩ ]