ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات الربانية وأخصها بها أظهر ﷾ الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي للمشاركة، وتارة
[ ٤ / ٥٣ ]
بإشهاد المستبعد في نفسه وغيره بفعل ربه، وتارة بإشهاد المسترشد في غيره بنفسه معبرًا في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله، فعبر في الكافر بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب ﷺ، وفي المتعجب بإسقاطها إسقاطًا لذلك البعد، وفي المسترشد المستطلع بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب من حال المحاجج التعجيب أيضًا من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية. ولما كان معنى ﴿ألم تر﴾ هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضي وغيره تختص مع كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها ﴿إلا﴾ قصدًا للايجاب كقوله سبحانه تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] وقوله ﷾ ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ [الأنبياء: ٣] كان كأنه قيل: هل رأيت الذي حاج إبراهيم ﴿أو﴾ هل رأيت ﴿كالذي﴾ ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار الأولين إنما هي مواعظ لنا: أقومك كهذا المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون: إن الإحياء ليس على حقيقته بالبعث بعد الموت،
[ ٤ / ٥٤ ]
أو هم كالذي ﴿مر﴾ قال الحرالي: من المرور وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه في سبيله ﴿على قرية﴾ وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس ﴿وهي خاوية﴾ أي متهدمة ساقطة جدرانها ﴿على عروشها﴾ أي سقوفها، أو خالية على بقاء سقوفها. قال الحرالي: من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حسًا أو معنىً، والعروش جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء على حالة عجالة يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد، فكان المشيد في الحقيقة عريشًا لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار - انتهى.
ولما كان كأنه قيل: ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه؟ قيل: ﴿قال أنى يحيي هذه﴾ أي القرية ﴿الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿بعد موتها﴾ أي بما صارت إليه من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة. قال الحرالي: وفي لفظة «أنى» لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى استبعاده الإحياء في الكيف والمكان والزمان، ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق النفس
[ ٤ / ٥٥ ]
من طلبها لمعرفة تكييف ما لا يصل إليه علمها - انتهى.
ولما كان هذا المستبعد قاصرًا عن رتبة الخليل ﵊ في التهيؤ للطمأنينة بل كان إيقانه على الكيفية متوقفًا في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة التي ضربت لبقائه ميتًا ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك والإيقان به قال: ﴿فأماته﴾ أي فتسبب عن ذلك أن أماته ﴿الله﴾ أي الذي لا كفوء له فمهما أراد كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به ﴿مائة﴾ ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون قد بلي فيها فتكون إعادته أمكن في القدرة على ما تستبعده العرب وأن ذلك الزمان كان حسنًا طيبًا لقبوله الإحياء والعمارة عبر عنه بما يدل على السعة فقال: ﴿عام﴾ حتى بلي حماره وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ما شأنه البقاء وإعادة ما فني.
قال الحرالي: وخص المائة لكمالها في العد المثلث من الآحاد والعشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ما زاد عليه تكرارًا يجزىء عنه الثلاث ﴿ثم بعثه﴾ في بيانه إشعار
[ ٤ / ٥٦ ]
بأن بدنه لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله ﷾ أعلم كما قال ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ [عبس: ٢٢]- انتهى.
ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهًا له ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق: ﴿قال﴾ أي له الله ﷾ أو من شاء ممن خطابه ناشىء عنه ﴿كم لبثت﴾ أي في رقدتك هذه ﴿قال﴾ لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه ﴿لبثت يومًا﴾ ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال: ﴿أو بعض يوم﴾ وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره ﴿قال﴾ أي الذي خاطبه مضربًا عن جوابه بيانًا لأنه غلط ظاهر ﴿بل لبثت مائة عام﴾ معبرًا عن الحول بلفظ يدور على معنى السعة والامتداد والطول ودله على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله: ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك﴾ أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فسادًا تين وعصير ﴿لم يتسنه﴾ من السنة أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها، ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك أمر جازم مقنع لا مرية فيه ولا تردد أصلًا ﴿وانظر إلى﴾ ﴿حمارك﴾ باليًا رميمًا، فجمع الله له سبحانه
[ ٤ / ٥٧ ]
وتعالى بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه.
ولما كان التقدير: فعلنا ذلك لنجعله آية لك على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا، عطف عليه قوله: ﴿ولنجعلك﴾ أي في مجموع خبرك ﴿آية للناس﴾ أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتًا آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ساعة وبعثًا ونشورًا - قاله الحرالي.
ولما أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال: ﴿وانظر إلى العظام﴾ أي من حمارك وهي جمع عظم وهو عماد البدن الذي عليه مقوم صورته ﴿كيف ننشزها﴾ قال الحرالي: بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه، وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه، من نشز الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى.
وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله ﴿ثم نكسوها لحمًا﴾ قال الحرالي: جعل حياته بعثًا وحياة حماره نشورًا وأراه النشر، واللحم الذي لحم بين العظام حتى
[ ٤ / ٥٨ ]
صارت صورة واحدة ليتبين أمر الساعة عيانًا فيكون حجة على الكافر والمستبعد ﴿فلما تبين له﴾ أي هذا الأمر الخارق الباهر الدال على ما وصف ﷾ به نفسه المقدسة في آية الكرسي. قال الحرالي: وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره ﴿قال أعلم﴾ بصيغة الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم والتعليم - انتهى. ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم يزل متصفًا بهذا العلم من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذارًا عن تعبيره في التعجيب بما دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله استبعادًا لتعليق القدرة بذلك لا للقدرة عليه ﴿أن الله﴾ أي لما أعلم من عظمته ﴿على كل شيء﴾ أي من هذا وغيره ﴿قدير *﴾ قال الحرالي: في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة الله ﷾ في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقًا لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك هو مصرفك، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك
[ ٤ / ٥٩ ]
بقدرته فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء الحفظ بالله والعظمة لله، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله ﷾ بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى. وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل.
ولما كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين المناهج واختلاف الطرق فبين أولًا بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة الخليل صلوات الله وسلامه عليه إلى ما يثبت الطمأنينة، وقد قرر ﷾ أمر البعث في هذه السورة بعد ما أشارت إليه الفاتحة بيوم الدين أحسن تقرير، فبث نجومه فيها خلال سماوات آياتها وفرق رسومه في أرجائها بين دلائلها وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقي ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصر، فكرر
[ ٤ / ٦٠ ]
﷾ ذكره بالآخرة تارة والإحياء أخرى تارة في الدنيا وتارة في الآخرة في مثل قوله
﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ [البقرة: ٤] ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ [البقرة: ٥٦] ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣] وما كان من أمثاله ونظائره وأشكاله في تلك الأساليب المرادة غالبًا بالذات لغيره فاستأنست أنفس المنكرين له به، فصار لها استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله ﵊ والتحية والإكرام، فكان كأنه قيل: يا منكري البعث ومظهري العجب منه ومقلدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذب! اسمعوا قصة أبيكم إبراهيم ﷺ التي لقاكم بها الاستدلال على البعث وجمع المتفرق وإعادة الروح باخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيء منه فشهادته شهادة الله لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين فقال تعالى: ﴿وإذ﴾ عطفًا على نحو اذكروا ما تلي عليكم من أمر البعث واذكروا قصة أبيكم إبراهيم فيما يدل عليه إذ. وقال الحرالي: ولما
[ ٤ / ٦١ ]
كان أمر منزل القرآن إقامة الدين بمكتوبه وحدوده فأنهاه تعالى منتهى منه ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي ورتب على ذلك دين الإسلام الذي هو إلقاء كإلقاء اليد عند الموت انتظم به أمر المعاد الذي لا مدخل للعباد في أمره فرتب ﷾ ذكر المعاد في ثلاثة أحوال: حال الجاحد الذي انتهت غايته إلى بهت، ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى علم وإيمان، وأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين وطمأنينة ورؤية ملكوت في ملكوت الأرض - انتهى، فقال ﷾: واذ ﴿قال إبراهيم﴾ ولقد استولى الترتيب والتعبير في هذه الآيات الثلاث على الأمد الأقصى من الحسن، فإنها بدئت بمن أراد أن يخفي ما أوضحته البراهين من أمر الإله في الإحياء بأن ادعى لنفسه المشاركة بإحياء مجازي تلبيسًا بلفظ إلى الدال على بعده ولعنه وطرده، ثم بمن استبعد إحياء القرية فأراه الله ﷾ كيفية الإحياء الحقيقي آية له وتتميمًا للرد على ذلك مع الإقبال عليه بالمخاطبة ولذة الملاطفة ثم بمن سأل إكرام الله تعالى له بأن يريه كيف يحيي فيثبت ثم أثبتت ثم أكدت، ومناسبة الثلاث بكونها في إحياء الأشباح بالأرواح
[ ٤ / ٦٢ ]
لما قبلها وهو في إحياء الأرواح بأسرار الصلاح أجل مناسبة، فالمراد التحذير عن حال الأول والندب إلى الارتقاء عن درجة الثاني إلى مقام الثالث الذي حقيقته الصدق في الإيمان لرجاء الحيازة مما أكرم به، ولذلك عبر في قصته بقوله واذ ولم يسقها مساق التعجيب كالأول ﴿رب﴾ أي أيها المحسن إليّ ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾ قال الحرالي: طلب ما هو أهله بما قال تعالى
﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] فمن ملكوت الأرض الإحياء، فقرره ﷾ على تحقيق ابتداء حاله من تقرر الإيمان فقال مستأنفًا: ﴿قال﴾ ولما كان التقدير: ألم تعلم أني قادر على الإحياء لأني قادر على كل شيء عطف عليه قوله: ﴿أو لم تؤمن﴾ فإن الإيمان يجمع ذلك كله ﴿قال بلى﴾ فتحقق أن طلبه كيفية الإحياء ليس عن بقية تثبت في الإيمان، فكان في إشعاره أن أكثر طالبي الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم، ومن طلب لتثبت الإيمان مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته لم ينتفع بالآية في إيمانه، لأن كفايتها فيما دونه ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده، فإذا تم الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في
[ ٤ / ٦٣ ]
الدنيا بيناته ترتب عليه برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين، كما وجد تجربته أهل الكشف من الصادقين في أمر الله حيث أورث لهم اليقين، ومتى شاركهم في أمر من رؤية الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلًا، وربما كان عليه فتنة تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا أن يستنقذه الله، فلذلك أبدى تعالى خطاب تقريره لخليله ﷺ على تحقيق الإيمان ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان، وهو مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله ﷾ ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] وذكر عن الخليل ﵊ أنه نظر إلى بدن دابة توزعها دواب البحر ودواب البر وطير الهواء، فتعجب منها وقال: يا رب! قد علمت لتجمعنها فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك، فإنما ينبني يقين العيان على تحقيق الإيمان ﴿ولكن﴾ أريد المعاينة ﴿ليطمئن﴾ من الطمأنينة وهي الهدو والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق ﴿قلبي﴾ من فطر على نيل شيء جبل على الشوق له، فلما كان إبراهيم ﵊ متهيئًا
[ ٤ / ٦٤ ]
لقبول الطمأنينة قذف في قلبه طلبها، فأجابه الله بما قد هيأه له، فضرب ﷾ له مثلًا أراه إياه، جعله جري العيان جلي الإيقان، وذلك أن الله تعالى سبحانه هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد وكان من تنزل تجليه لعباده أنه الإله الواحد، والواحد بريء من العد، فكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور العد، فأول العد الاثنان ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ [الذاريات: ٤٩] فالاثنان عد هو خلق كل واحد منهما واحد، فجعل تعالى اثنين كل واحد منهما اثنان لتكون الاثنينية فيه كلًاّ وجزءًا فيكون زوجًا من زوج، فكان ذلك العد هو الأربع، فجعله الله ﷾ أصلًا لمخلوقاته فكانت جملتها وتره، فجعل الأقوات من أربع
﴿وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام﴾ [فصلت: ١٠] وجعل الأركان التي خلق منها صور المخلوقات أربعًا، وجعل الأقطار أربعًا، وجعل الأعمار أربعًا، وقال ﵊: «خير الرفقاء أربعة، وخير البعوث أربعون، وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف» والمربعات في أصول الخلق كثيرة تتبعها العلماء واطلع عليها الحكماء ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا﴾ [الجمعة: ٢]
[ ٤ / ٦٥ ]
ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي هي الماء والتراب والهواء والنار فأظهر منها الصور ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ [غافر: ٦٤] ثم أظهر ﷾ قهره بإماتته وإفناء صوره، «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذَّنَبِ، منه خلق وفيه يركب» فكان بددها في أربعة أقطار شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، أرى خليله ﵊ كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد بددها واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها، يقال إن عليًا رضي الله تعالى عنه ضرب بيده على قدح من فخار فقال: كم فيه من خد أسيل وعين كحيل! ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ [ق: ٤] فأرى تعالى خليله ﵊ مثلًا من جملة ذلك ﴿قال فخذ﴾ بالفاء تحقيقًا لمقاله وتصديقًا فيما تحقق من إيمانه وإبداء لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمانه ﴿أربعة من الطير﴾ هو اسم جمع من معنى ما منه الطيران وهو الخفة من ثقل ما ليس من شأنه أن يعلو في الهواء، جعل تعالى المثل من الطير لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله تعالى لها جعلًا
[ ٤ / ٦٦ ]
فيها لا طبعًا واجبًا منها، فإن الله ﷿ هو الحكيم الذي جعل الحكمة، فمن أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها، ومن أشهده الحكمة الدنياوية ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها، فالحكمة شهود الحكمة مجعولة من الله كل ماهية ممهاة، وكل معنوية ممعناة، وكل حقيقة محققة، فالطبع وما فيه جعل من الله، من جهله ألحد ومن تحققه وحد. كذلك المعقول وما فيه إقباس من الله وإراءة من أمر الله، من تقيد به واعتقده لا ينفك نسبة الحد في الطبع واحتاج إلى ملجأ فتن التأويل في غيب الشرع، وكل ما سوى الحق موضوع معطي حظًا وحدًا ينال ما أعطى ويعجز عما فوقه، للعقول حد تقف عنده لا تتعداه، فلذلك جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية، ويظهر تماسكها نفخ الروح انتهى. وقوله ﷾، ﴿فصرهن﴾ أي اضممهن ﴿إليك﴾ أي لتعرف أشكالها فيكون ذلك أثبت في أمرها. قال الحرالي: من الصور وهو استمالة القلوب بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها، وإشعاره ينبىء والله ﷾ أعلم أن إبراهيم ﵊ رباهن وغذاهن حتى عرفنه ليكون ذلك مثلًا لما لله
[ ٤ / ٦٧ ]
﷾ في خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم حتى عرفوه بما احتاجوا إليه، فوجدوه معرفة عجز عنه لا معرفة نيل له، فمتى دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة هذه الطوائر لخليله بحظ يسير من تربيته لهن، وإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل ﵇ بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم! قال تعالى: ﴿ثم اجعل﴾ عطفًا بكلمة المهلة تجاوزًا بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة، كما تصير المواليد ترابًا عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من مجاوزة عبرة وروية ﴿على كل جبل﴾ من الجبال القريبة إليك ﴿منهن جزءًا﴾ والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه، فجعل الجبال مثل الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه
﴿إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٥٣] ﴿فإنما هي زجرة واحدة
[ ٤ / ٦٨ ]
فإذا هم بالساهرة﴾ [النازعات: ١٣] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في المثل، كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل وجعله جزءًا حيث كان يشبه بعضه بعضًا ﴿ثم ادعهن يأتينك سعيًا﴾ والسعي هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس، والمعنى في إتيان الطائر طائرًا حظ من مُنَّته وفي إتيانه سعيًا حظ من ذلته، فلذلك جلبهن عليه سعيًا بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها الأمن فبدأ المثل مطابقًا للمثول وغايته مرأى عين، فصار موقنًا مطمئنًا وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده المصطفى ﷺ، «وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت وجاء يحملها كما ذكر في السير في غزوة بدر، فصارت مثل أختها» في أشياء من أمثال ذلك، على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران، وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عددًا كثيرًا، وإنما لم يكثر ذلك على يده ﷺ لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث، ومحط الإيمان التصديق بالغيب، فلو كثر وقوع ذلك له ﷺ
[ ٤ / ٦٩ ]
لكشف الغطاء، وإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب وهو نبي الرحمة ﷺ، وأما عيسى ﵊ فكان في قوم يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه بالطب، على أنه لا فرق في إظهار الخارق بين واحد وأكثر - والله ﷾ الموفق.
ولما أراه ﷾ ملكوت الأرض صارت تلك الرؤية علمًا على عزة الله من وراء الملكوت في محل الجبروت فقال: ﴿واعلم أن الله﴾ أي المحيط علمًا وقدرة ﴿عزيز﴾ ولما كان للعزة صولة لا تقوى لها فطر المخترعين نزل تعالى الخطاب إلى محل حكمته فقال: ﴿حكيم *﴾ فكان فيه إشعار بأنه ﷾ جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة وبعضها إلى بعض عامدة وبعضها من ذلك البعض معادة ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه: ٥٥] وهذه الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية جامعة لوصلة ما بين حكمة الدنيا وحكمة الآخرة، لأن الحكيم بالحقيقة ليس من علمه الله
[ ٤ / ٧٠ ]
حكمة الدنيا وألبس عليه جعله لها بل ذلك جاهلها كما تقدم، إنما الحكيم الذي أشهده الله حكمة الدنيا أرضًا وأفلاكًا ونجومًا وآفاقًا وموالد وتوالدًا، وأشهده أنه حكيمها، ومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم حكمة موجود الآخرة، وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها إلى بعض حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا إلى مشهود حكمة الدنيا ثم إلى مشهود حكمة الآخرة كذلك عودًا على بدء وبدءًا على عود في ظهور غيب الإبداء إلى مشهوده وفي عود مشهوده إلى غيبه ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [غافر: ١١] كذلك إلى المعاد الأعظم الإنساني ﴿يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن﴾ [التغابن: ٩] فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة، ثم وراء ذلك أمر آخر من على أمر الله في متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف يتعالى ويتعاظم للمؤمنين ويتبارك ويستعلن للموقنين الموحدين، فله ﷾ العزّة في خلقه وأمره وله الحكمة في خلقه وأمره ومن ورائها كلمته التي لا ينفد تفصيل حكمها ﴿قل لو كان البحر مدادًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وكلماته لا تحد ولا تعد
[ ٤ / ٧١ ]
﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ [لقمان: ٢٧]، فهو العزيز الحكيم العلي العظيم - انتهى. وهو أعلى من الجوهر الثمين وقد لاح بهذا أن قصد الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين بل إلى حق اليقين، وكأنه عد المرتبة الدنيا من الطمأنينة بالنسبة إلى العليا عدمًا، وقيل: بل كان قصده بالسؤال رؤية المحيي ولكنه طلبها تلويحًا فأجيب بالمنع منها بوصف العزة تلويحًا، وموسى ﵊ لما سأل تصريحًا أجيب تصريحًا، وسؤال الخليل ﵊ ليس على وجه الشك، وقول النبي ﷺ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» يرشد إلى ذلك، لأنه ﷺ لم يشك، وإذا انتفى الشك عن الأحق انتفى الشك عن غيره من باب الأولى، ولئن سلمنا فالمراد أنه فعل مثل ما يفعل الشاك إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم في الجملة، وأما نفس الشك فقد نفاه القرآن عنه ﷺ تصريحًا بقوله «بلى» وتلويحًا بكون هذه الآية عقب آية محاجته لذلك الذي بهت، نقل
[ ٤ / ٧٢ ]
أن الشيخ أحمد أخا حجة الإسلام الغزالي سئل أيما أعلى المقام الإبراهيمي في سؤال الطمأنينة أو المقام العلوي القائل: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا؟ فقال: الإبراهيمي لقوله تعالى ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤] .
[ ٤ / ٧٣ ]