ولما انقضى الكلام في الإنفاق والمال المنفق على هذا الأسلوب الحكيم تصريحًا وتلويحًا وختم ذلك بهاتين الصفتين وتضمن ذلك مع التصريح بأنه عليم أنه حكيم أتبع ذلك الوصف بأن من سعته وعلمه وحكمته أنه يهب من صفاته ما يشاء لمن يشاء بأن يؤتيه الحكمة فيوقفه على علم ما خفي من هذه الأمثال المتقنة والأقوال الحسنة تصريحًا وتلويحًا ويوفقه للعمل بذلك إنشاء وتصحيحًا فقال تعالى منبهًا على ترجيح العمل بأمر الرحمن وقبول وعده بأنه على مقتضى العقل والحكمة وأن أمر الشيطان ووعده على وفق الهوى والشهوة: - وقال الحرالي: ولما أبدى ﷾ أمر الآخرة وأظهر ما فيها وبين أمر الدنيا من الترتيب والتسبيب ورجع بعضها على بعض عودًا على بدء أنبأ تعالى أن ذلك من حكمته وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين فليس الحكيم من علم أمر الدنيا بل من علم
[ ٤ / ٩٣ ]
أمر ما بين الدنيا والآخرة فداوى أدواء الدنيا بدواء الآخرة وداوى النفس بدواء الدارين وضم جوامعها في تيسير الكلم كما ضمّها لمن اصطفاه ﴿ذلك مما أوحى إليك ربّك من الحكمة﴾ [النحل: ٣٩] فقال ﷾: ﴿يؤتي الحكمة﴾ انتهى. وفي ترتيبها على واسع عليم بعد غني حميد بعد عزيز حكيم التحذير من التعريض لإنفاق ما يرده لعزته وغناه وسعته ويذم عليه لعلمه لرداءته أو فساد في نيته وإن خفي فإن ذلك خارج عن منهاج الحكمة منا ومقتضى الحكمة منه ﷾ كما وقع لقابيل إذ قرب رديئًا كما هو مشهور في قصته، ولعله لوح إليه بالتذكر في ختام هذه الآية ثم بقوله: ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ فصار كأنه قال ﷾: واعلم أن الله عزيز حكيم يؤتي الحكمة وهي العلم بالأشياء على ما هي عليه المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم ﴿من يشاء﴾ من عباده، ثم مدح من حلاه بها فقال مشيرًا ببناء الفعل للمفعول إلى أنها مقصودة في نفسها: ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ أي التي هي صفة من صفاته، وأشار بالتعريف إلى كمالها
[ ٤ / ٩٤ ]
بحسب ما تحتمله قوى العبيد، والحكمة قوة تجمع أمرين: العلم المطابق وفعل العدل وهو العمل على وفق العلم. قال الأصبهاني: والقرآن مملوء من الآيات الدالة على أن كمال الإنسان ليس إلا هاتين القوتين ﴿فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾ قال الحرالي ما معناه: إنه نكرة لما في الحكمة من التسبب الذي فيه كلفة ولو يسرت فكان الخير الكثير المعرف في الكلمة لما فيها من اليسر والحياطة والإنالة الذي لا ينال منه منال بسبب وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء فيصير ﷾ سمعه وبصره - إلى آخره.
ولما كان التقدير: فإن ذلك الذي أوتي الحكمة يصير ذا لبّ فيتأهل لأن يتذكر بما يلقيه الله ﷾ من كلمته ما بثّ في الأنفس والآفاق من حكمته وصل به قوله: ﴿وما يذكر﴾ أي بكلام الله ﷾ حكمه ﴿إلا أولوا الألباب *﴾
[ ٤ / ٩٥ ]
أي أصحاب العقول الصافية عن دواعي الهوى المنبعثة من التوهمات الحاصلة عن الوسوسة فهم يترقون بالتذكر بأنهم لا حول لهم عن المسببات إلى أسبابها إلى أن يصلوا إلى مسببها فيعرفوه حق معرفته.
وقال الحرالي: الذين لهم لب العقل الذي ينال لب الحس كأن الدنيا قشر تنال بظاهر العقل، والآخرة لب تنال بلب العقل ظاهرًا لظاهر وباطنًا لباطن، من تذكر ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه فضل الله منه، من رجع من حسه إلى نفسه تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية وترقى عما في محسوسه من المهاوي الشهوانية، ومن تخلص من نفسه إلى روحه تحسس بالوصلة الرحمانية والمحبة الربانية، كذلك من ترقى من روحه إلى أمره تحقق بالإحاطة الوحدانية، ومن استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية الفردانية؛ فهذا الترتيب من كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في هذا الكتاب الجامع لنبأ ما سبق وخبر ما لحق وباطن ما ظهر أنهى تعالى إلى ذكرها أعمال
[ ٤ / ٩٦ ]
الخلق وخصوصًا في الجود بالموجود كما أنهى إقامة مبنى الدين بظهور وجوده، فأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده وأنهى استخلاف عباده بالانتهاء إلى مدد جوده، فكان أعلى الحكمة الجود بالموجود فبذلك - والله ﷾ أعلم - اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظمًا وبآية الكرسي مناظرة - انتهى.
ولما كان السياق سابقًا ولاحقًا للإنفاق علم أن التقدير: فما جمعتم من شيء فإن الله مطالبكم في وضعه وجمعه بوجه الحكمة ومحاسبكم على ذلك، فعطف عليه حثًّا على الإسرار بالنفقة في الخير والوفاء بالنذر وتحذيرًا من الإنفاق في المعصية ولو على أدق الوجوه بأنه يعلم ذلك كله ويجازي عليه قوله: ﴿وما أنفقتم من نفقة﴾ أي في وجه من الوجوه، فدخل فيه جميع التوسعات المشروعات عند النكاح والختان والولادة واتخاذ المسكن وفي الدعوات للإخوان وغير ذلك.
ولما كان الإنسان كثيرًا ما يخشى فوات أمر فينذر إن حصل بنفقة في وجه خير ونحو ذلك ولكن ربما ظن أن الترغيب في الإنفاق خاص بما ندب الله إليه ابتداء لا بما ألزمه الإنسان نفسه
[ ٤ / ٩٧ ]
قال ﴿أو نذرتم من نذر﴾ وإدخال من لتأكيد الاستغراق. قال الحرالي: والنذر إبرام العدة بخير يستقبل فعله أو يرتقب له ما يلتزم به وهو أدنى الإنفاق لا سيما إذا كان على وجه الاشتراط، قال ﷺ: «إنما يستخرج به من البخيل» انتهى. ﴿فإن الله﴾ عظم الأمر بهذا الاسم الأعظم ﴿يعلمه﴾ ذكر الضمير لأنه مع وضوح عوده إلى المتقدم أشد تعظيمًا للنذر لما قد يتوهم فيه من النقص عن مندوب الشرع فتحروا في طيب ذلك والوفاء به وجميع ما يدخل فيه من الأوامر والنواهي تحري من يطلب إرضاء ملك عظيم بما يهدي إليه ويعرضه عليه، فما تصرفتم فيه بالحكمة من إنفاق أو غيره فالله ﷾ يجازيكم عليه على حسب ما ذكر لكم من التضعيف، ومن فعل منكم شيئًا منه على غير وجه الحكمة فهو ظالم واضع للشيء في غير موضعه فهو مردود عليه ومعاقب به وما له من ناصر، هكذا كان الأصل ولكنه ﷾ عم وعلق الحكم بالوصف فقال: ﴿وما للظالمين﴾ أي الواضعين للشيء في
[ ٤ / ٩٨ ]
غير موضعه ﴿من أنصار *﴾ قال الحرالي: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيرًا ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ناصرًا، وفيه استغراق نفي بما تعرب عنه كلمة من - انتهى.
ولما كان حال الإنفاق المحثوث عليه يختلف بالسر والجهر فكان مما يسأل عنه قال ﷾ حاثًا على الصدقة في كلتا الحالتين مع ترجيح الإسرار لما فيه من البعد عن الرياء: ﴿إن تبدوا الصدقات﴾ أي المتطوع بها، قال الحرالي: وهي من أدنى النفقة ولذلك لا تحل لمحمد ولا لآل محمد لأنها طهرة وغسول يعافها أهل الرتبة العلية والاصطفاء، وقال: والهدية أجل حق المال لأنها لمن فوق رتبة المهدي والهبة لأنها للمثل ﴿فنعمًا هي﴾ فجمع لها الأمداح المبهمة لأن نعم كلمة مبالغة تجمع المدح كله وما كلمة مبهمة تجمع الممدوح فتطابقتا في الإبهام؛ وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح: إن نِعْم،، وبِئْس للمبالغة فالمراد بهما التناهي في المدح والذم ولاختصاصهما بهذا المعنى منعتا التصرف، واقتصر بهما على المعنى لأن المدح والذم إنما يكونان متعلقين بما ثبت واستقر، لا يمدح الإنسان بما لم يقع منه -
[ ٤ / ٩٩ ]
انتهى. ﴿وإن تخفوها﴾ حتى لا يعلم بها إلا من فعلتموها له. ولما كان المقصود بها سد الخلة قال: ﴿وتؤتوها الفقراء فهو﴾ أي فذلك الإخفاء والقصد للمحتاج ﴿خير لكم﴾ لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات، وفي تعريفها وجمعها ما ربما أشعر بعموم الفرض والنفل لما في إظهار المال الخفي من التعرض للظلم والحسد وفي إفهام السياق أن الصدقة تجوز على الغني. ولما كان التقدير: فإنا نرفع بها درجاتكم، عطف عليه قوله: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ أي التي بيننا وبينكم.
ولما كان التقدير: فلا تخافوا من إخفائها أن يضيع عليكم شيء منها فإن الله بكل ما فعلتموه منها عليم، عطف عليه تعميمًا وترغيبًا وترهيبًا: ﴿والله﴾ أي الذي له كل كمال ﴿بما تعملون﴾ أي من ذلك وغيره ﴿خبير *﴾ فلم يدع حاجة أصلًا إلى الإعلان فعليكم بالإخفاء فإنه أقرب إلى صلاح الدين والدنيا فأخلصوا فيه وقروا عينًا بالجزاء عليه.
ولما حث ﷾ على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان أكثرهم معرضين، لأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه
[ ٤ / ١٠٠ ]
من الحب لتوفير المال والحفيظة على النفس، وكان ﷺ شديد الأسف عليهم دائم القلق من أجلهم لعظيم رحمته لهم وشفقته عليهم، فكان يجد من تقاعدهم عما يدعوهم إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي رأسها الإيمان بالله واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجدًا شديدًا، خفض ﷾ عليه الأمر وخفف عليه الحال فقال: ﴿ليس عليك﴾ أي عندك ﴿هداهم﴾ حتى تكون قادرًا عليه، فما عليك إلا البلاغ، وأما خلق الهداية لهم فليس عليك ولا تقدر عليه ﴿ولكن الله﴾ الذي لا كفوء له هو القادر على ذلك وحده فهو ﴿يهدي من يشاء﴾ فظهر من هذا أنه يتعين أن يكون عليك بمعنى عندك ومعك ونحو ذلك، لأن لكن للاستدراك وهو أن يكون حكم ما بعدها مخالفًا لما قبلها وكلام أهل اللغة يساعد على ذلك، قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما: كنت أضحي بالجذع وعلينا ألف شاة، معناه: وعندنا ألف شاة، تقول العرب: علينا كذا وكذا، أي مننا - فسره قاسم؛ انتهى. وهو يرجع إلى القدرة كما تقول: عليّ رضى فلان، أي أنا مطيق لذلك قادر على حمله، فالمعنى:
[ ٤ / ١٠١ ]
لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم أصلًا وإنما ذلك إلى الله ﷾ فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره سبحانه له من وجوه الهدى من نفقة وغيرها. قال الحرالي ما معناه: إن الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أول مراد بهذه الجملة لأنه ﷾ جعل فيهم نصرة دينه.
ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدى إنما هو الهدى للتوسل إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عمومًا القريب والبعيد والمؤمن والكافر بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل حتى كان هذا الخطاب صارفًا لقوم تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار وصلة قراباتهم منهم فحملوا على عموم الإنفاق - انتهى. فقال ﷾: ﴿وما تنفقوا من خير﴾ أي مال ومعروف على مؤمن أو كافر يحل فعل ذلك معه ولو قل «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» ﴿فلأنفسكم﴾ كما قيل له ﷺ عن شاة ذبحت: ذهبت أي بالهدية والصدقة إلا رقبتها! فقال: بقيت إلا رقبتها! فهو يفهم أنكم إن بخلتم أو مننتم فإنما تفعلون
[ ٤ / ١٠٢ ]
ذلك بأنفسكم.
ولما كان الكلام في النفقة مع المؤمنين المنفقين وفي سبيل الله وعبر عنها بالخير وكل ذلك إشارة إلى الإخلاص الحري بحال المؤمن فقال: ﴿وما﴾ أي والحال أنكم ما ﴿تنفقون إلا ابتغاء﴾ أي إرادة.
ولما كان تذكر الوجه لما له من الشرف أدعى إلى الاجتهاد في تشريف العمل بإحسانه وإخلاصه قال: ﴿وجه الله﴾ أي الملك الأعظم من سد خلة فقير أو صلة رحم مسلم أو كافر تجوز الصدقة عليه لا لأنفسكم ولا غيرها بل تخلصًا من إمساك المال بأداء الأمانة فيه إلى عباد الله لأنهم عباده، هذا هو الذي يدعو إليه الإيمان فلا يظن لمؤمن أن يفعل غيره وذلك يقتضي البعد جدًا عن الأذى والرياء وكل نقيصة والملابسة لكل ما يوجب القبول من الكمال الحسي والمعنوي.
ولما كان الإيقان بالوفا مرغبًا في الإحسان ومبعدًا من الإساءة والامتنان خوفًا من جزاء الملك الديان قال ﴿وما تنفقوا من خير﴾ أي على أي وجه كان وبأي وصف كان التصدق
[ ٤ / ١٠٣ ]
والمتصدق عليه ﴿يوف﴾ أي يبالغ في وفائه بالتضعيف واصلًا ﴿إليكم وأنتم لا تظلمون *﴾ أي لا يقع عليكم ظلم في ترك شيء مما أنفقتموه ولا في نقص مما وعدتموه من التضعيف إن أحسنتم والمماثلة إن أسأتم.
ولما كان غالب هذه الأحكام التي ذكرت في الإنفاق من أجل المحاويج وكان ما مضى شاملًا للمؤمن وغيره بيّن أن محط القصد في الحثّ عليها المؤمن قال ﷾: ﴿للفقراء﴾ أي هذه الأحكام لهم ﴿الذين أحصروا﴾ أي منعوا عن التكسب، وأشار بقوله: ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام إلى أن المقعد لهم عن ذلك الاشتغال بإقامة الدين بالجهاد وغيره ﴿لا يستطيعون ضربًا في الأرض﴾ بالتجارة لأجل ذلك وأشار إلى شدة رضاهم عن الله ﷾ بعدم شكايتهم فقال: ﴿يحسبهم الجاهل﴾ أي الذي ليس عنده فطنة الخلص ﴿أغنياء من﴾ أجل ﴿التعفف﴾ عن المسألة والتلويح بها قناعة بما أعطاهم الله ﷾ مولاهم ورضي عنه
[ ٤ / ١٠٤ ]
وشرف نفس، والتعفف تكلف العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه - قاله الحرالي.
ولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال: ﴿تعرفهم﴾ أي يا أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك ﴿بسيماهم﴾ قال الحرالي: وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي تتراءى للمستبصر - انتهى. وتلك العلامة والله ﷾ أعلم هي السكينة والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من الشماخة والكبر والبطر والخيلاء ونحو ذلك ﴿لا يسئلون﴾ لطموح أبصار بصائرهم عن الخلق إلى الخالق ﴿الناس﴾ من ملك ولا غيره ﴿إلحافًا﴾ سؤال إلزام، أخذًا من اللحاف الذي يتغطى به للزومه لما يغطيه، ومنه لاحفه أي لازمه. وقال الحرالي: هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى. وإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض
[ ٤ / ١٠٥ ]
والتلويح الخفي، كما كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يستقرىء غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا يفهم مراده إلا النبي ﷺ؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها، والتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال قليلًا جدًا أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما.
ولما ذكر ﷾ أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ذلك الموضع فقال: ﴿وما تنفقوا من خير﴾ أي في أي وقت أنفقتموه ﴿فإن الله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال ﴿به عليم *﴾ وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك، وذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك.
ولما حض على النفقة فأكثر وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين لها وقتًا كان كأن سائلًا قال: في أي وقت تفعل؟ فبين في آية جامعة لأصناف الأموال والأزمان والأحوال أنها حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال: ﴿الذين ينفقون أموالهم﴾
[ ٤ / ١٠٦ ]
أي في الوجوه الصالحة التي تقدم التنبيه عليها وقدم من المتقابلين ما كان أقرب إلى الإخلاص اهتمامًا به دلالة على فضله فقال: ﴿بالليل﴾ إن اقتضى ذلك الحال ﴿والنهار﴾ إن دعتهم إلى ذلك خطة رشد ﴿سرًا وعلانية﴾ كذلك.
ولما كان الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس لما يرى من المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد.
ابتدأ الجزاء في آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس منه تنزيلًا له منزلة العدم، وإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من الملك، ترغيبًا في الكف عنه، لأنه منظور إليه في الجملة، وربط الجزاء في هذه إعلامًا بأنه مسبب عن هذه الأحوال، لأن الأفعال أيسر من التروك فحصوله متوقف على حصولها، حثًا على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك، لأن من سمح بالإنفاق لله ﷾ استوت عنده فيه الأوقات فقال: ﴿فلهم أجرهم﴾ وسببيته
[ ٤ / ١٠٧ ]
كونه علامة لحصول الأجر، لا أنه سبب حقيقي، إنما السبب الحقيقي رحمة الله بالتوفيق للعمل والاعتداد به، وأعلم بأنه محفوظ مضاعف مربي لا يضيع أصلًا بقوله: ﴿عند ربهم﴾ أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما رباهم، ثم ختم آي النفقات بما بدأها به من الأمن والسرور فقال: ﴿ولا خوف عليهم﴾ كما فرحوا بها عن غيرهم ﴿ولا هم يحزنون *﴾ لأنه لا ثواب أعظم من ذلك، إذ لا عيشة لحزين ولا خائف؛ ولشدة مشاق الإنفاق على الأنفس لا سيما في أول الإسلام لما كانوا فيه من الضيق أكد تعالى فيه هذا التأكيد بجملته وبينه هذا البيان الواضح حتى لم يبق فيه خفية وجه إلا أظهرها وحذر منها وقررها - أشار إلى ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي فقال: فأفضلهم المنفق ليلًا سرًا. وأنزلهم المنفق نهارًا علانية؛ فهم بذلك أربعة أصناف - انتهى.
[ ٤ / ١٠٨ ]