فلما ثبتت خصوصيته ﷾ بصفة القدرة على الوجه
[ ٤ / ٣١٧ ]
الأعم ذكر بعض ما تحت ذلك مما لم يدخل شيء منه تحت قدرة غيره فقال: - وقال الحرالي: ولما كانت هذه الآية متضمنة تقلبات نفسانية في العالم القائم الآدمي اتصل بها ذكر تقلبات في العالم الدائر ليؤخذ لكل منها اعتبار من الآخر. ولما ظهر في هذه الآية افتراق النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال أبدى في الآية التالية توالج بعضها في بعض ليؤذن بولوج العز في الذل والذل في العز، والإيتاء في النزع والنزع في الإيتاء، وتوالج المفترقات والمتقابلات بعضها في بعض، ولما كانت هذه السورة متضمنة لبيان الإحكام والتشابه في منزل الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى في آياتها ما أحكم وبين في خلقه وأمره وما التبس وأولج في خلقه وأمره، فكان من محكم آية في الكائن القائم الآدمي ما تضمنه إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وكان من الاشتباه إيلاج العز في الذل وإيلاج الذل في العز، فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين في الكائن القائم الآدمي، وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل صرح به في آية الكون الدائر، فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما يعاين فيها من التوالج حيث ظهر ذلك فيها وخفي في توالج أحوال الكائن القائم، لأن الإحكام والاشتباه
[ ٤ / ٣١٨ ]
متراد بين الآيتين: آية الكائن القائم الآدمي وآية الكون الدائر العرشي، فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر فقال ﷾: ﴿تولج﴾ من الولوج، وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الداخل ﴿الَّيل في النهار﴾ فيه تفصيل من مضاء قدرته، فهو ﷾ يجعل كل واحد من المتقابلين بطانة للآخر والجًا فيه على وجه لا يصل إليه منال العقول لما في المعقول من افتراق المتقابلات، فكان في القدرة إيلاج المتقابلات بعضها في بعض وإيداع بعضها في بعض على وجه لا يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - انتهى. ﴿وتولج النهار في الَّيل﴾ أي تدخل كلًا منهما في الآخر بعد ظهوره حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى له أثر. قال الحرالي: ولما جعل المتعاقبين من الليل والنهار متوالجين جعل المتباطنين من الحي والميت مخرجين، فما ظهر فيه الموت بطنت فيه الحياة، وما ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت؛ انتهى. فقال ﷾: ﴿وتخرج الحي﴾ أي من النبات والحيوان ﴿من الميت﴾ منهما ﴿وتخرج
[ ٤ / ٣١٩ ]
الميت﴾ منهما ﴿من الحي﴾ منهما كذلك.
قال الحرالي: فهذه سنة الله وتعالى وحكمته في الكائن القائم وفي الكون الدائر، فأما في الكون الدائر فبإخراج حي الشجر والنجم من موات البذر والعجم، وبظهوره في العيان كان أحكم في البيان مما يقع في الكائن القائم، كذلك الكائن القائم يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل
﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعده وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ [التوبة: ١٤] ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم ﴿يا نوح إنه ليس من أهلك﴾ [هود: ٤٦] أظهر ﷾ بذلك وجوه الإحكام والاشتباه في آيتي خلقه ليكون ذلك آية على ما في أمره، وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه وقدرته على من شاء من عباده كما أظهر في ملائكته وأنيبائه، وكما خصص بما شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين: مثل آدم وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من التبس عليه أمر عيسى ﵊،
[ ٤ / ٣٢٠ ]
فهو تعالى أظهر من موات الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه، وأظهر في آدم ﵊ ما شاء من علمه حين علم آدم الأسماء كلها كذلك أظهر في عيسى ﵊ ما شاء من قدرته كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه، فملك من شاء ونزع الملك ممن شاء، وأعز من شاء وأذل من شاء، وأظهر بالنهار ما شاء وطمس بالليل ما شاء، وأولج المتقابلين بعضهما في بعض وأخرج المتباطنين بعضهما من بعض - انتهى.
ولما بدأ الآية ﷾ مما يقتضي الترغيب بما هو محط أحوال الأنفس من الملك وأنواع الخير ختمها بمثل ذلك مما لا يقوم الملك ولا يطيب العيش إلا به فقال: ﴿وترزق من تشاء﴾ قويًا كان أو ضعيفًا ﴿بغير حساب *﴾ أي تعطيه عطاء واسعًا جدًا متصلًا من غير تضييق ولا عسر، كما فعل بأول هذه الأمة على ما كانوا فيه من القلة والضعف حيث أباد بهم الأكاسرة والقياصرة وآتاهم كنوزهم وأخدمهم أبناءهم وأحلهم ديارهم. وقال الحرالي: ولما ذكر ﷾ هذا الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق أهل شرف الملك وأهل عزة الدين ختم الخطاب بأمر الرزق الذي هو
[ ٤ / ٣٢١ ]
تتمة الخلق، وفيه من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع ولما فيه من الوزن والإيتاء بقدر ختم بأعزيه وهو الإرزاق الذي لا يقع على وزن ولا يكون بحساب، وفيه إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم المحمدي للذين يؤتيهم الله ﷾ ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب، فكما ختم الملك لبني إسرائيل بملك سليمان ﵊ في قوله ﷾ ﴿هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب﴾ [ص: ٣٩] كذلك يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب حين تلقي الأرض بركاتها وتتطهر من فتنتها، فتقع المكنة في ختم اليوم المحمدي بالهداية والهدنة كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى.
ولما بان بهذه الآية أن لا شيء في يد غيره، واقتضى ذلك قصر الهمم عليه، وكان نصارى نجران إنما داموا على موالاة ملوك الروم لمحض الدنيا مع العلم ببطلان ما هم عليه حذر المؤمنين من مداناة مثل ذلك مع كونهم مؤمنين كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه مما قص في سورة الممتحنة إشارة إلى أنه لا تجتمع
[ ٤ / ٣٢٢ ]
موالاة المؤمنين وموالاة الكافرين في قلب إلا أوشكت إحداهما أن تغلب على الأخرى فتنزعها، فقال تعالى منبهًا على ذلك كله سائقًا مساق النتيجة لما قبله - وقال الحرالي: ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة وعمومها بالعز والملك وختم الرزق الذي لا حساب فيه كان من الحق أن تظهر على المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره، ولما قبض ما بأيدي الخلق إليه في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال، وأظهر إحاطة قدرته على كل شيء وإقامة امتحانه بما أولج وأخرج، وأنبأ عن إطلاق حد العد عن أرزاقه فسد على النفس الأبواب التي منها تتوهم الحاجة إلى الخلق؛ نهي المؤمنين الذين كانت لهم عادة بمباطنة بعض كفرة أهل الكتاب وغيرهم من المشركين ومن شمله وصف الكفر أن يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم والحديث معهم، لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء، والكافرون يتسمعون ويأخذون منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال تعالى
﴿هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ [آل عمران: ١١٩] فنهاهم الله سبحانه وتعالى عما غاب عنهم خبرته وطيته فقال تعالى:
[ ٤ / ٣٢٣ ]
﴿لا يتخذ المؤمنون﴾ أي الراسخون في الإيمان وعبر في أضدادهم بالوصف لئلا يتوهم ذلك في كل من تلبس بكفر في وقت ما فقال: ﴿الكافرين أولياء﴾ ونبه بقوله: ﴿من دون المؤمنين﴾ على أن ولاية أوليائه من ولايته، وأن المنهي عنه إنما هو الولاية التي قد توهن الركون إلى المؤمنين لأن في ذلك - كما قال الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد، والمؤمن أولى بالمؤمن كما قال ﵊: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» فأقواهم له ركن، وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي، فإذا والاه قوى به مما يباطنه ويصافيه، وإذا اتخذ الكافر وليًا من دون مؤمنه القوي ربما تداعى ضعفه في إيمانهم إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين، كما أنهم لما أصاخوا إليهم إصاخة أوقعوا بينهم سباب الجاهلية كما في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ [آل عمران: ١٠٠] وكما قال ﷾: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾ [آل عمران: ١٤٩]، ولم يمنع ﷾ من صلة أرحام من لهم من الكافرين، ولا من خلطتهم في أمر الدنيا فيما يجري مجرى المعاملة من البيع والشرى
[ ٤ / ٣٢٤ ]
والأخذ والعطاء وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل الدين، ولا يضرهم أن يباروا من لم يحاربهم من الكافرين - انتهى.
ولما كان التقدير: فمن تولاهم وكل إليهم وكان في عدادهم، لأنه ليس من الراسخين في صفة الإيمان عطف عليه ترهيبًا لمن قد تتقاصر همته فيرضى بمنزلة ما دون الرسوخ قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي هذا الأمر البعيد من أفعال ذوي الهمم الذي يكون به في عداد الأعداء بعد هذا البيان ومع رفع هذا الحجاب الذي كان مسدولًا على أكثر الخلق ﴿فليس من الله﴾ أي الذي بيده كل شيء فلا كفوء له ﴿في شيء﴾ قال الحرالي: ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله ﷾ من الذين إذا رؤوا ذكر الله - انتهى.
ولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد واللين نظر إلى أهل الضعف ﷾ فوسع لهم بقوله: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ أي إلا أن تخافوا منهم أمرًا خطرًا مجزومًا به، لا كما خافه نصارى نجران وتوهمه حاطب، فحينئذ يباح إظهار الموالاة
[ ٤ / ٣٢٥ ]
وإن كانت درجة من تصلب في مكاشرتهم وتعزز لمكابرتهم ومكاثرتهم، وإن قطع أعظم فإياكم أن تركنوا إليهم! فإن الله ﷾ يحذركم إقبالكم على عدوه، فإن ذلك موجب لإعراضه عنكم ﴿ويحذركم الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿نفسه﴾ فإنه عالم بما تفعلونه. وهو الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز وإعزازه الذليل، وهذا المحذر منه وهو نفسه ﷾ - كما قال الحرالي - مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم. وموجود النفس ما تنفس، وإن كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها، فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه وأسمائه أن تنفس على من يغنيه فلا يستغني، ويكفيه فلا يكتفي ويريه مصارف سد خلاته وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها، فهو ﷾ يعذب من تعرف له بنفسه فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر بها، بما أن كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب، فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فعرفه، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه فأنكره - انتهى.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
ولما كانت مصائب الدنيا قد تستهان قال ﷾ عاطفًا على نحو ما تقديره: فمن الله المبدأ: - وقال الحرالي: ولما كان الزائل أبدًا مؤذنًا بترك الاعتماد عليه أقام تعالى على المتمسك بما دونه حجة بزواله، فلا يستطيع الثبات عليه عند ما تناله الإزالة والإذهاب، ويصير الأمر كله لله، فأعلم أن المصير المطلق إلى الله ﷾، فنم تعرف إليه فعرفه نال أعظم النعيم، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى؛ فقال -: ﴿وإلى الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿المصير *﴾ أي وإن طال إملاؤه لمن أعرض عنه فيوشك أن ينتقم منه.
ولما كانت الموالاة بالباطن المنهي عنها مطلقًا ودائمًا قد تفعل ويدعى نفيها لخفائها أمره ﷺ بتحذيرهم من موالاة أعدائه على وجه النفاق أو غيره فقال: - وقال الحرالي: ولما كان حقيقة ما نهى عنه في الولاية والتقاة أمرًا باطنًا يترتب عليه فعل ظاهر فوقع التحذير فيه على الفعل كرر فيه التحذير على ما وراء الفعل مما في الصدور ونبه فيه على منال العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلًا ولا تترك النفس الغية صغوًا ونزوعًا إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقيًا من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم خفية، فإنه قد يترك الشيء فعلًا
[ ٤ / ٣٢٧ ]
ولا تترك النفس الغية صغوًا ونزوعًا إليه في أوقات، وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ترقيًا من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم كما تثنى الأمران في الظاهر والباطن، وكان في إجراء هذا الخطاب على لسان النبي ﷺ حجة عليهم بما أنه بشر مثلهم يلزمهم الاقتداء به فيما لم يبادروا إلى أخذه من الله في خطابه الذي عرض به نحوهم؛ انتهى. فقال تعالى -: ﴿قل إن تخفوا﴾ أي يا أيها المؤمنون ﴿ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله﴾ أي المحيط قدرة وعلمًا، ثم قال عاطفًا على جملة الشرط التي هي مقول القول إرادة التعميم: ﴿ويعلم ما﴾ أي جميع ما ﴿في السموات﴾ ولما كان الإنسان مطبوعًا على ظن أنه إذا أخفي شيئًا في نفسه لا يعلمه غيره أكد بإعادة الموصول فقال: ﴿وما﴾ أي وجميع ما ﴿في الأرض﴾ ظاهرًا كان أو باطنًا.
ولما كان ذو العلم لا يكمل إلا بالقدرة، وكان يلزم من تمام العلم شمول القدرة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى برهانه في سورة طه - كان التقدير: فالله بكل شيء عليم، فعطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي بما له
[ ٤ / ٣٢٨ ]
من صفات الكمال ﴿على كل شيء قدير *﴾ ومن نمط ذلك قوله ﷾: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ [آل عمران: ٥] مع ذكر التصوير كيف يشاء والختم بوصفي العزة والحكمة، وقد دل ﷾ بالتفرد بصفتي العلم والقدرة على التفرد بالألوهية.
ولما تم الوصف بالعلم والقدرة بعد التحذير من سطواته ذكر يوم المصير المحذر منه، المحصى فيه كل كبير وصغير، المعامل فيه كل عامل بما يليق به، الذي يتم فيه انكشاف الأوصاف لكل ذكي وغبي فقال تعالى: ﴿يوم﴾ وهو معمول لعامل من معنى «يحذر» ﴿تجد كل نفس﴾ والذي يرشد إلى تعيين تقدير هذا العامل - إذا جعل العامل مقدرًا - قوله ﷾ ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨] سابقًا لها ولا حقًا، ويجوز أن يكون بدلًا من يوم في قوله
﴿ليوم لا ريب فيه﴾ [آل عمران: ٩] وتكون فتحته للبناء لإضافته إلى الجملة - والله ﷾ أعلم، والمراد بالنفس - والله ﷾ أعلم - المكلفة ﴿ما عملت من خير محضرًا﴾ أي لا نقص فيه ولا زيادة، بأمر القاهر القادر على كل شيء ﴿وما عملت من سوء﴾ حاضرًا ملازمًا، فما عملت من خير
[ ٤ / ٣٢٩ ]
تود أنها لا تفارقه ولا ينقص منه شيء [وما عملت من سوء ﴿تود﴾ أي تحب حبًا شديدًا ﴿ولو أن بينها وبينه﴾ أي ذلك العمل السوء ﴿أمدًا﴾ أي زمانًا. قال الحرالي: وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري، فهو مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه ﴿بعيدًا﴾ من البعد، وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى. فالآية من الاحتباك: ذكر إحضار الخير دلالة على حضور السوء، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير.
ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال: فاتقوه فإن الله يحذركموه ﴿ويحذركم الله﴾ أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها ﴿نفسه﴾ فالله ﷾ منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد، قال الحرالي: أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة، بل الذي ينبغي أن يبرىء العبد من نفسه تبرئته من أن يكون له إرادة، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ظاهره وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى.
ولما كان تكرير التحذير قد ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف،
[ ٤ / ٣٣٠ ]
فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين، فهو من رأفته بالمحذرين فقال بانيًا على ما تقديره: ويعدكم الله ﷾ فضله ويبشركم به لرأفته بكم: ﴿والله﴾ أي والحال أن الذي له وحده الجلال والإكرام ﴿رؤوف بالعباد *﴾ قال الحرالي: فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائيًا، والتحذير السابق انتهائيًا، فكان هذا رأفة سابقة، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيرًا لاحقًا متصلًا بالمصير إلى الله، وهذا الخاتم مبتدأً بالرأفة من الله.
والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة، والذي يفصح عن المعنى - والله ﷾ أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، فنم تحقق أن الأمر لله ﷾ وجد رفقه وفضله ورحمته عليه لما برىء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه، فأحبه لذلك، قيل لأعرابي: إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله؟ فقال: أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحّده وبما وجده
[ ٤ / ٣٣١ ]
في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى.
وقد علم أن الآية من الاحتباك: التحذير أولًا دال على الوعد بالخير ثانيًا، والرأفة ثانيًا دالة على الانتقام أولًا - والله ﷾ الموفق.
ولما فطمهم ﷾ عن موالاة الكفار ظاهرًا وباطنًا بما اقتضى القصر على موالاة أهل الله لنفيه من تولي الكفر عن أن يكون في شيء من الله، وكان الإنسان ربما وإلى الكافر وهو يدعي محبة الله ﷾، وختم برأفته ﷾ بعباده، وكانت الرأفة قد تكون عن المحبة الموجبة للقرب، فكان الإخبار بها ربما دعا إلى الاتكال، ووقع لأجله الاشتباه في الحزبين، جعل لذلك ﷾ علامه فقال: - وقال الحرالي: لما كان أعظم ما يترامى إليه مقامات السالكين إلى الله ﷾ القاصدين إليه من مبدإ حال الذكر الذي هو منتهى المقامات العشر المترتبة في قوله ﷾ ﴿إن المسلمين﴾ محبة الله ﷾ بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها كنهها، أقام ﷾ الحجة على المترامين لدعوى القرب من الله والادعاء في أصل ما يصل إليه القول من محبته بما
[ ٤ / ٣٣٢ ]
أنبأنهم أن من انتهى إلى أن يحب الله ﷾ فليتبع هذا النبي الذي أحبه الله ﷾ فمن اتبعه أحبه الله، فقامت بذلك الحجة على كل قاصد وسالك ومتقرب، فإن نهاية الخلق أن يحبوا الله، وعناية الحق أن يحب العبد، فرد ﷾ جميع من أحاط به الاصطفاء والاجتباء والاختصاص، ووجههم إلى وجهة الاتباع لحبيبه الذي أحبه، كما قال ﷺ «لو أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي» وإذا كان ذلك في موسى ﵊ كان في المنتحلين لملته ألزم بما هم متبعون لمتبعه عندهم، وأصل ذلك أنه ﷺ لما كان في في الأبد وجب أن يكون النهاية في المعاد، فألزم الله ﷾ على الخليقة ممن أحب الله ﷾ أن يتبعوه، وأجرى ذلك على لسان إشعارًا بما فيه من الخير والوصول إلى الله ﷾ من حيث إنه نبي البشرى، وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - انتهى، فقال ﷾ -: ﴿قل إن كنتم تحبون الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال مخلصين في حبه لاعتقاد أنه على غاية الكمال، فإن الكمال محبوب لذاته
[ ٤ / ٣٣٣ ]
﴿فاتبعوني﴾ قال الحرالي: قد فسر ﷺ ظاهر اتباعه فقال «في البر» وأصل حقيقته الإيمان بالله والإيثار لعباده، والتقوى وهي ملاك الأمر وأصل الخير، وهي إطراح استغناء العبد بشيء من شأنه، لا من مِلك ولا من مُلك ولا من فعل ولا من وصف ولا من ذات حتى يكون عنده كما هو عند ربه في أزله قبل أن يكون موجودًا لنفسه ليكون أمره كله بربه في وجوده كما كان أمره بربه قبل وجوده لنفسه، وقد فسر حق التقاة التي هي غاية التقوى بأن يكون العبد يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطيع فلا يعصى - انتهى.
قال الإمام: المحبة توجب اإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض عن غيره - انتهى. فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول الله ﷺ فهو كذاب، وكتاب الله ﷾ يكذبه ﴿يحببكم الله﴾ أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى حبًا ظهرت أماراته بما أعلم به الفك، فإن الأمر المنجي غاية النجاة إنما هو محبة الله ﷾ للعبد، لا محبة العبد لله، فإنه ربما كانت له حالة
[ ٤ / ٣٣٤ ]
يظن بها أنه يحب الله والواقع أنه ليس كما ظن لكونه يعمل بما يسخطه ﷾، والأمارة الصحيحة لذلك رد الأمر كله إلى الله، وحينئذ يفعل الله مع العبد فعل المحب من حسن الثناء والإكرام بالثواب. قال الحرالي: فإن من رد الأمانة إلى الله ﷾ أحبه الله فكان سمعه وبصره ويده ورجله، وإذا أحب الله عبدًا أراحه وأنقذه من مناله في أن يكون هو يحب الله، فمن أحب الله وله، ومن أحبه الله سكن ي ابتداء عنايته وثبته الله ﷾ - انتهى. فقد أشار ﷾ إلى أن الدلالة الناشئة عن الرافة من الإكرام بالنعم من الهداية بالبيان والإبلاغ في الإحسان عامة للمحبوب وغيره، وأن الدليل على المحبة الإلهية هو الاتباع الداعي «اعملوا فكل ميسر لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة» «ما تقرب المتقربون إليّ بمثل أداء ما افترضته عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه» .
ولما كان الدين شديدًا لن يشاده أحد إلا غلبه، لما عليه العبد من العجز والمعبود من عظيم الأمر أتبع ذلك الإعلام بأنه مع
[ ٤ / ٣٣٥ ]
إيصال الثواب يرفع العقاب فقال - وقال الحرالي: ولما كان من آية حب الله له ﷺ ما أنزل عليه من قوله: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ١ ٢] أجرى لمن أحبه الله باتباعه حظ منه في قوله -: ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ أي مطلقًا، وذنب كل عبد بحسبه، لأن أصل معنى الذنب أدنى مقام العبد، فكل ذي مقام أعلاه حسنته وأدناه ذنبه، ولذلك في كل مقام توبة، حتى تقع التوبة من التوبة فيكمل الوجود والشهود.
ولما كان هذا الأمر من أخص ما يقع، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق فيما بين إسلامهم إلى محبتهم لله ﷾ ختم تعالى بما يفهم أحوال ما يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿غفور رحيم *﴾ أي لمن لم ينته لرتبة حب الله له بما يقع في أثناء أحواله من موجب المغفرة واستدعاء الرحمة حيث لم يصل إلى المحبة، فمرحوم بعد مغفرة وهو القاصد، ومغفور بعد محبة وهو الواصل - انتهى.
ولما كان الاتباع قد يكون عن غلبة لا عن طاعة بين أنه لا ينفع إلا مع الإذعان فقال - أو يقال: لما كان ﷺ في غاية
[ ٤ / ٣٣٦ ]
الرأفة بالعبادة وكان يعلم أن آحاد الأمة لا يقدرون على كمال اتباعه لما له مع العصمة من الطبع على خصال الكمال كان كأنه قال له ﷾: فإن لم يقدروا على كمال اتباعي؟ فقال: ﴿قل﴾ وقال الحرالي: ولما ذكر تعالى ما تقدم من التحذيرين، في رتبتين أولاهما في الذكر بحاتين من موجب التحذيرين، فكان الاتباع موجب النجاة من التحذير الثاني الباطن الذي مبدؤه الرأفة، وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير الأول السابق، فمن أطاع الله روسوله فيما نهى عنه من اتخاذ ولاية الكافرين من دون ولاية المؤمنين سلم من التحذيرالظاهر، ومن اتبع الرسول فأحبه الله سلم من التحذير الباطن، فختم الخطاب بما به بدأ، أو لما كانت رتبة الاتباع عليا وليتها رتبة الائتمار، فهو إما متبع على حب وإما مؤتمر على طاعة، فمن لم يكن من أهل الاتباع فليكن من أهل الطاعة، فكأن الخطاب يفهم: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ [آل عمران: ٣١]، فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني فأطيعوني، انتهى فقال ﷾: ﴿قل أطيعوا الله﴾ أي لما له من صفات
[ ٤ / ٣٣٧ ]
الكمال. ولما قدم أن رضاه في اتباعه ﷺ فدل على أن الطاعتين واحدة قال موحدًا للعامل: ﴿والرسول﴾ أي الكامل في الرسلية لما له به ﷾ من مزايا الاتصال، وهو وإن كان اسمًا كليًا لكنه كان حين إنزال هذا الخطاب مختصًا بأكمل الخلق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المرسل إلى الخلق كافة على أن طاعته طاعة لجميع الرسل الذين بينوا للناس أمره ﷺ وعليهم أجمعين وسلم. قال الحرالي: فكان إشارة ذلك إلى ما نهوا عنه من التولي إلى ما ينتظم في معنى ذلك، وفيه إشعار بأن الأمر يكون فيه محوطًا بالرحمة من حيث ذكر الرسول فيه بما هو رحمة للعالمين ﴿فإن تولوا﴾ أي عن طاعة خطاب الله والرسول المحفوف باللطف من الله ﷾ والرحمة من رسول الله - انتهى. و﴿تولوا﴾ يحتمل المضارع والمضي، فكان الأصل في الكلام: ﴿فإن الله﴾ الذي له الغنى المطلق لا يحبكم، أو: لا يحبهم، ولكنه أظهر الوصف المعلم بأن التولي كفر فقال: ﴿لا يحب
[ ٤ / ٣٣٨ ]
الكافرين *﴾ قال الحرالي: أفرد لله لما كان وعيدًا، إبقاء لرسوله ﷺ في حيز الرحمة.
ولما نفى عمن تولى أن يحبه كان في إشعارة أن هذا الكفر عموم كفر يداخل رتبًا من الإيمان من حيث نفي عنه الحب فنفي منه ما يناله العفو أو المغفرة والرحمة ونحو ذلك بحسب رتب تناقص الكفر، لأنه كفر دون كفر، ومن فيه كفر فهو غير مستوفي اتباع الرسول بما أنه الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وإنما يحب الله من اتبع رسوله، فعاد الختم في الخطاب إلى إشعار من معنى أوله وفي إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده، فكلما كان أكمل توحيدًا كان أحب، وما سقط عن رتبة أدنى التوحيد الذي هو محل الأمر بطاعة الله ﷾ ورسوله ﷺ كان كفرًا بحسب ما يغطى على تلك الرتبة من التوحيد، لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية توحيدية، فخطابها مخصوص بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم والمتشابه وكشف غطاء الأعين ورفع حجب القلوب - انتهى.
وقد وضح أن الآية من الاحتباك - فأصل نظمها: فإن تولوا
[ ٤ / ٣٣٩ ]
فإن الله لا يحبهم لكفرانهم، وإن أقبلوا فإن الله يحبهم لإيمانهم، فإن الله لا يحب الكافرين والله يحب المؤمنين - إثبات التولية في الأول يدل على حذف الإقبال من الثاني، إثبات الكراهة في الثاني يدل على حذف مثلها في الأول.
ولما كان الأصفياء أخص من مطلق الأحباب بين بعض الأصفياء وما أكرمهم به تصديقًا لقوله ﷾ في الحديث القدسي الشريف «فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» تنبيهًا لوفد نصارى نجران وغيرهم على أنه مثل ما اصطفى لنفسه دينًا اصطفى للتخلق به ناسًا يحبونه ويطيعونه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه، وليسوا من صفات الكافرين في شيء فقال - أو يقال: إنه ﷾ لما شبه أفعاله في التشابه وغيره بأقواله وعرف أن الطريق الأقوم رد المتشابه منها إلى الواضح المحكم والالتجاء في كشف المشكل إليه مع الاعتقاد الجازم المستقيم، وبين أن الموقف عن هذا الطريق الأقوم الوقوف مع العرض الدنيوي مع الرئاسة وغيرها وألف الدين مع التعلل فيه
[ ٤ / ٣٤٠ ]
بالتمني الفارغ، وأنهى ذلك وتوابعه إلى أن ختم بتهديد من تولى عن الحق أخذ في تصوير تصويره في الأرحام كيف شاء بما شوهد من ذلك ولم يشك فيه من أحوال أناس هم من خلص عباده المقبلين على ما يرضيه فقال: أو يقال ولعله أحسن: ولما أخبر ﷾ أن أهل الكتاب ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم فكفروا بذلك، وألحق به ما تبعه إلى أن ختم بالأمر باتباع الرسول وبأنه لا يحب الكافرين بالتولي عن رسله اشتد تشوف النفس إلى معرفة الرسل الآتين بالعلم الذين توجب مخالفتهم الكفر فبينهم بقوله: وقال الحرالي: لما كان منزل هذه السورة لإظهار المحكم والمتشابه في الخلق والأمر قدم ﷾ بين يدي إبانة متشابه خلق عيسى ﵊ وجه الاصطفاء المتقدم للآدمية ومن منها من الذرية لتظهر معادلة خلق عيسى ﵊ آخرًا لمتقدم خلق آدم ﵊ أولًا، حتى يكونا مثلين محيطين بطرفي الكون في علو ورحه ودنو أديم تربته وأنه ﷾ نزل
[ ٤ / ٣٤١ ]
الروح إلى الخلق الآدمي كما قال
﴿ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ [الأنعام: ٩] وظهر أثر ذلك اللبس بما وقع لأهل الزيغ في عيسى كما أنه رقى الخلق الطيني رتبة رتبة إلى كمال التسوية إلى أن نفخ فيه من روحه، فكان ترقي الآدمي إلى النفخة لتنزل الروح إلى الطينة الإنسانية التي تم بها وجود عيسى ﵊ كما كمل وجود آدم ﵊ بالنفخة.
[ ٤ / ٣٤٢ ]