ولما بين تعالى ما سلبه عن الكافرين من محبته أتبعه ما أثبته للمؤمنين المصدقين من رحمة الملوح إليهم فيما قبل بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر كما تقدم آنفًا على وجه لم يخله من ذكر النفقة فقال تعالى مشيرًا إلى قسيم ﴿ومن عاد﴾ ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي صدقوا بجميع ما أتتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم عن الله ﷾ ﴿وعملوا﴾ تصديقًا لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ ائتمارًا
[ ٤ / ١٣٦ ]
وانتهاء لا سيما ترك الربا.
ولما كانت الصلاة زبدة الدين فيما بين الحق والخلق خصها بالذكر فقال: ﴿وأقاموا الصلاة﴾ بجميع حدودها ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] . ولما كان الإيثار أجل ما بين الحق والخلق وزبدته إخراج الواجب من المال عن طيب نفس قال: ﴿وآتوا الزكاة﴾ فضلًا عن أن يبخلوا فضلًا عن أن يربوا ودل على أن جزاءهم بحسب النيات لثباتهم في فتنة الردة بقوله: ﴿لهم أجرهم﴾ وأعلم بحفظه وتنميمته بقوله: ﴿عند ربهم﴾ وآذن بتمام الانتفاع بقوله: ﴿ولا خوف عليهم﴾ أي من طارق يطرقهم بغير ما يلائمهم لأنهم في كنف العزيز العليم ﴿ولا هم يحزنون﴾ على شيء فاتهم فهم في غاية الرضى بما هم فيه، ولعظيم الجدوى في ذلك كرره في هذه الآيات غير مرة ونوه به كرة في أثر كرة.
ولما كانت نتيجة الآية الماضية في الاعتماد على ما عند الله ﷾ من الأجر وعدم الحزن على ما فات من ربا وغيره والخوف
[ ٤ / ١٣٧ ]
من شيء آت من فقر أو غيره ترك كل شيء ينسب إلى الربا وكان بين أهل الإسلام وأهل الجاهلية وبين بعضهم وبعض معاملات في الجاهلية ربوية لم تتم بعد بين أمرها نفيًا لما قد يتوهم من قوله سابقًا ﴿فله ما سلف﴾ من تحليل بقايا الربا وأن النهي خاص بما تجدد منه فقال مخاطبًا لأقرب من ذكره ممن تلبس بالإيمان ولم يلتفت إلى غيرهم تشريفًا لهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالتصديق بألسنتهم. ولما كان الربا قد يكون مؤجلًا فيكون صاحبه قد مضت عليه مدد وهو موطن نفسه على أخذه فيصير الكف عنه يعدل الموت عنده أبلغ ﷾ في التشديد في هذه المواعظ فقال: ﴿اتقوا الله﴾ أي الذي له جميع العظمة تصديقا لإقراركم ﴿وذروا﴾ أي اتركوا أي ترك كان ﴿ما بقي من الربا﴾ أي الذي كنتم تتعاملون به فلا تستحلوه ولا تأكلوه.
ولما لوح في أول الآية إلى أن من أصر فهو غير صادق
[ ٤ / ١٣٨ ]
في دعوى الإيمان صرح بذلك في آخرها فقال: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي متصفين بما ذكرتموه بألسنتكم. قال الحرالي: فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان وأكثر بلايا هذه الأمة حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس الشنيع والانتقام بالسنين إنما هو من عمل من عمل بالربا، وهذه الآية أصل عظيم في أحكام الكفار إذا أسلموا فما مضى منها لم ينقص وما لم يمض لم يفعل - نبه عليه الأصبهاني.
ولما كان من حق من عاند السيد الأخذ سبب عن ذلك قوله: ﴿فإن لم تفعلوا﴾ أي ترك الربا. قال الحرالي: في إشعاره أن طائقة منهم لا يذرونه بعد تحريمه بما أنهم ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - انتهى. ﴿فأذنوا بحرب﴾ أي عظيمة. قال الحرالي: والحرب مدافعة بشدة عن اتساع، المدافع بما يطلب منه الخروج عنه فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع؛ ثم عظم أمرها بإيراد الاسم الأعظم فقال: ﴿من الله﴾ العظيم الجليل ﴿ورسوله﴾ ﷺ الذي هو أعظم الخلائق بتشريفه بالإضافة إليه. وقال
[ ٤ / ١٣٩ ]
الحرالي: الذي هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محاربًا له، فانقطعت وصلته من الرحيم والشفيع - انتهى. ﴿وإن تبتم﴾ أي فعلتم بعد الإذن بالقتال أو قبله ما أمركم الله به من ترك ما بقي منه ﴿فلكم رؤوس أموالكم﴾ أي كما هو حال البيع. ولما كان ذلك هو العدل لأنه الحق قال: ﴿لا تظلمون﴾ أي بأخذ شيء مما بقي من الربا ﴿ولا تظلمون﴾ بنقص من رأس المال أو دفع بمطال لأنه الحق. ولما كان الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل: هذا حكم الموسر ﴿وإن كان﴾ أي وجد من المدينين ﴿ذو عسرة﴾ لا يقدر على الأداء في هذا الوقت ﴿فنظرة﴾ أي فعليكم نظرة له. قال الحرالي: وهو التأخير المرتقب نجازه ﴿إلى ميسرة﴾ إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم؛ وقرأ نافع وحمزة بضم السين؛ قال الحرالي: إنباء عن استيلاء اليسر وهي أوسع النظرتين، والباقون بالفتح إنباء عن توسطها ليكون اليسر
[ ٤ / ١٤٠ ]
في مرتبتين، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة - انتهى. ﴿وأن تصدقوا﴾ أي وصدقتكم على المعسر بتركه له، ذلكم ﴿خير﴾ في الدنيا بما يبارك الله ﷾ ﴿لكم﴾ ويعوضكم وفي الآخرة بما يجزل لكم من الأجر.
ولما كان كل أحد يدعي العلم ويأنف أشد أنفة من النسبة إلى الجهل قال: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي إن كنتم من ذوي العلم فأنتم تعرفون صحة ما دعوتكم إليه مما يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال عليه، فإذا تحققتم ذلك فامتثلوه فإنه يقبح على العلم بقبح الشيء الإصرار عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير وإلا فأنتم من أهل الاعوجاج بالجهل تقومون بالحرب والضرب والطعن كالسباع الضارية والذئاب العاوية. وقال الحرالي: فأعلم ﷾ أن من وضع
[ ٤ / ١٤١ ]
كيانه للعلم فكان ممن يدوم علمه؟ تنبه لأن خير الترك خير من خير الأخذ فأحسن بترك جميعه - انتهى.
وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «لما أنزلت الآيات الأواخر - وفي رواية: من آخر سورة البقرة في الربا - قرأهن النبي ﷺ وفي رواية: على الناس في المسجد - ثم حرم التجارة في الخمر» وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا» ولأبي عبيد عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين. وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: آخر آية نزلت من القرآن ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١] قال: زعموا أن رسول الله ﷺ مكث بعدها تسع ليال وبدىء به يوم السبت ومات يوم الاثنين - انتهى. ولا مخالفة لأنها من آية الربا والدين. وروى الحديث أبو عمرو الداني في كتاب «البيان في عدد آي القرآن» وقال فيه: «قال الملك: اجعلها على
[ ٤ / ١٤٢ ]
رأس ثمانين ومائتين من البقرة» .
ولما كان من المعلوم أنه لا يدفعه حجة كان التقدير: فامتثلوا ما أمرتم به واجتنبوا ما نهيتم عنه، فعطف عليه تخويفًا من يوم العرض عليه والمجازاة بين يديه فقال - وقال الحرالي: لما أنهي الخطاب بأمر الدين وعلنه وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا وبين أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما وأنهى ذلك إلى الموعظة بموعود جزائه في الدنيا والآخرة أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها ليكون انتهاء الخطاب على ترهيب الأنفس لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ودنياها ومعادها من خطاب الله ﷾ لها فختم ذلك بكمال معناه بهذه الآية كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل أنزلت على النبي ﷺ هو في الشكاية وهي آخر آية أنزلت على النبي ﷺ في مقابلة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] الذي هو أول منزل النبوة
[ ٤ / ١٤٣ ]
و﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١] الذي هو أول منزل الرسالة فكان أول الأمر نذارة وآخره موعظة تبعث النفس على الخوف وتبعث القلب على الشوق من معنى ما انختم به أمر خطاب الله ﷾ في آية ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٤] انتهى - فقال تعالى: ﴿واتقوا يومًا﴾ أي في غاية العظم ﴿ترجعون فيه﴾ حسًا بذواتكم كما أنتم في الدنيا ومعنى بجميع أموركم رجوعًا ظاهرًا لا يحجبه شيء من الأسباب ولا يحول دونه عارض ارتياب ﴿إلى الله﴾ الذي لا يحصر عظمته وصف ولا يحيط بها حد، فيكون حالكم بعد النقلة من الدنيا كحالكم قبل البروز إليها من البطن لا تصرف لكم أصلًا ولا متصرف فيكم إلا الله ويكون حالكم في ذلك اليوم الإعسار، لأنه لا يمكن أحد أن يكافىء ما لله ﷾ عليه من نعمه، فمن نوقش الحساب عذب؛ فإن كنتم تحبون المجاوزة عنكم هنالك
[ ٤ / ١٤٤ ]
فتجاوزوا أنتم عن إخوانكم اليوم، وتصدقوا ما دمتم قادرين على الصدقة، واتقوا النار في ذلك اليوم ولو بشق تمرة؛ وأشار ﷾ إلى طول وقوفهم ذلك الموقف في مقام الهيبة وتمادي حبسهم في مشهد الجلال والعظمة بأداة التراخي في قوله ﴿ثم﴾ قال الحرالي وقيل:
«يا رسول الله! أين يكون الناس ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨]؟ قال: في الظلمة دون الجسر» وقال ﷺ: «يقيمون في الظلمة ألف سنة» وورد عن علي رضي الله تعالى عنه في تفصيل مواقف يوم الجزاء أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة ويساقون إلى المحشر ألف سنة، ويوقفون في الظلمة ألف سنة؛ ثم يكون انشقاق السماوات السبع وتبديل الأرض وما شاء الله ﷾ من أمره انتظارًا لمجيئه؛ ففي عبرة مقاله والله ﷾ أعلم أن ذلك يكون ستة آلاف
[ ٤ / ١٤٥ ]
سنة وأنها كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فيكون ذلك تسعة أيام؛ ويكون مجيئه في اليوم العاشر الذي هو يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تكرر مجيء أمره فيه في يوم الدنيا - ثم وصف ﷺ المواقف إلى منتهاها - انتهى.
ولما كان إيقاف الإنسان على كل ما عمل من سر وعلن في غاية الكراهة إليه فضلًا عن جزائه على كل شيء منه لا بالنسبة إلى موقف معين بني للمفعول قوله: ﴿توفى﴾ أي تعطى على سبيل الوفاء ﴿كل نفس ما كسبت﴾ من خير وشر. قال الحرالي: جاء بصيغة فعل المشعر بجري العمل على غير تكلف وتحمل، ففي إشعاره أنها توفى ما كسبت من الخير وما كونت له من الشر وأن ما تكلفته من الشر وفي دخلتها كراهية ربما غفر لها حيث لم تكن توفى ما كسبت وما اكتسبت كما قال في الآية التي بعدها ﴿لها
[ ٤ / ١٤٦ ]
ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] فكان مكتسبها عليها وربما غفر لها فإنها وفيت ما كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى.
ولما كانت عادة الناس أنه إذا بقي شيء يسير وقع في محل المسامحة وكان اليسير يختلف باختلاف الأصل فالألف مثلًا يتسامح فيه بمائة مثلًا بيّن أن الأمر عنده على غير ذلك فقال: ﴿وهم لا يظلمون *﴾ شيئًا من الأشياء ولو قلّ، وهذا إشارة إلى العدل بين عباده قال الحرالي: وهذه الآية ختم للتنزيل وختم لتمام المعنى في هذه السورة التي هي سنام القرآن وفسطاطه وختم لكل موعظة وكل ختم، فهو من خواص المحمدية الجامعة المفصلة من سورة الحمد المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر الله في حقه وفي خلقه وفيما بينه وبين خلقه - انتهى.
ولما نهى ﷾ عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين مأذونًا فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال عقب ذلك بآية الدين. وأيضًا فإنه سبحانه
[ ٤ / ١٤٧ ]
وتعالى لما ذكر في المال أمرين ينقصانه ظاهرًا ويزكيانه باطنًا: الصدقة وترك الربا، وأذن في رؤوس الأموال وأمر بالإنظار في الإعسار وختم بالتهديد فكان ذلك ربما أطمع المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال الإنسان لما له من النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والتنبيه على كيفية التوثق فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ كالذي تقدمه ﴿إذا تداينتم﴾ من التداين تفاعل بين اثنين من الدين، والدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله ﷾ معاملة على تأخير - قاله الحرالي. أي أوقعتم بينكم ذلك. والدين مال مرسل في الذمة سواء كان مؤجلًا أو لا، وهو خلاف الحاضر والعين، وقال: ﴿بدين﴾ مع دلالة الفعل عليه ليخرج بيع الدين بالدين، لأنه مداينة بدينين. قال الحرالي: فكان
[ ٤ / ١٤٨ ]
في إعلامه أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا لأنها حين منتظر في أغلب معناها - انتهى. وأرشد إلى ضبطه بالوقت إشارة إلى أنه يجوز كونه حالًا وإلى أن الأجل وهو الوقت المحدود وأصله التأخير إن كان مجهولًا كان باطلًا بقوله: ﴿إلى أجل مسمى﴾ قال الحرالي: من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور - وهو إبداء الشيء بصورته في العين.
ولما كان الله ﷾ وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه بالكتابة فأمر ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق لحكم ومصالح لا تخفى وأنزل كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه في يوم الدين من ثواب وعقاب قطعًا لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين كما كان فعله في الدين فأرشدهم إلى إثبات ما يكون دينهم من المعاملات لئلا يجر ذلك إلى المخاصمات
[ ٤ / ١٤٩ ]
فقال ﷾ أمرًا للإرشاد لا للإيجاب ﴿فاكتبوه﴾ وفي ذكر الأجل إشارة إلى البعث الذي وقع الوعد بالوفاء فيه ﴿أفحسبتم إنما خلقناكم عبثًا وإنكم إلينا لا ترجعون *﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿ثم قضى أجلًا وأجل مسمى عنده﴾ [الأنعام: ٢] ولما أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة لا من أحد بعينه لأن أغلب الناس لا يحسنها أتبعها الإرشاد إلى تخير الكاتب بقوله: ﴿وليكتب بينكم﴾ أي الدين المذكور ﴿كاتب﴾ وإن كان صبيًا أو عبدًا كتابة مصحوبة ﴿بالعدل﴾ استنانًا به ﷾ في ملائكته
﴿وإن عليكم لحافظين * كرامًا كاتبين *﴾ [الانفطار: ١٠] ﴿بأيدي سفرة * كرام بررة *﴾ [عبس: ١٥] .
ولما أرشد إلى تخير الكاتب تقدم إليه بالنهي تقديمًا لدرء المفاسد ثم الأمر فقال: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب﴾ أي ما ندب إليه من ذلك ﴿كما علمه الله﴾ أي لأجل الذي هو غني عنه وعن غيره
[ ٤ / ١٥٠ ]
من خلقه شكرًا له على تلك النعمة وكتابة مثل الكتابة التي علمها الله ﷾ لا ينقص عنها شيئًا ﴿فليكتب﴾ وفي ذلك تنبيه على ما في بذل الجهد في النصيحة من المشقة.
ولما كان ذلك وكان لا بد فيه من ممل بين من يصح إملاؤه للمكتوب فقال: ﴿وليملل﴾ من الإملال وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان قولًا وعلى الكتاب رسمًا - قاله الحرالي ﴿الذي عليه الحق﴾ ليشهد عليه المستملي ومن يحضره.
ولما كانت الأنفس مجبولة على محبة الاستئثار على الغير حذرها مما لا يحل من ذلك فقال: ﴿وليتق الله﴾ فعبر بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور ثم قال: ﴿ربه﴾ تذكيرًا بأنه لإحسانه لا يأمر إلا بخير، وترجية للعوض في ذلك إذا أدى فيه الأمانة في الكم والكيف من الأجل وغيره؛ وأكد ذلك بقوله: ﴿ولا يبخس﴾ من البخس وهو أسوأ النقص الذي لا تسمح به الأنفس لبعده عن
[ ٤ / ١٥١ ]
محل السماح إلى وقوعه في حد الضيم ﴿منه شيئًا﴾ .
ولما كان هذا المملي قد يكون لاغي العبارة وكان الإملاء لا يقدر عليه كل أحد قال ﷾: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا﴾ فلا يعتبر إقراره لضعف رأيه ونظره ونقص حظه من حكمة الدنيا ﴿أو ضعيفًا﴾ عن الإملاء في ذلك الوقت لمرض أو غيره من صبا أو جنون أو هرم من الضعف وهو وهن القوى حسًا أو معنى ﴿أو لا يستطيع أن يمل هو﴾ كعيّ أو حياء أو عجمة ونحوه ﴿فليملل وليه﴾ القائم لمصالحه من أب أو وصي أو حاكم أو ترجمان أو وكيل ﴿بالعدل﴾ فلا يحيف عليه ولا على ذي الحق. قال الحرالي: فجعل لسان الولي لسان المولى عليه، فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله ﷾ على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] وما تفصل منها ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] أمل ما عليهم من الحقوق له فجعل كلامًا من كلامه يتلونه، فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه تقاصر السفيه ومن معه عن إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن
[ ٤ / ١٥٢ ]
استطاعته - انتهى.
ولما لم يكن بين الكتابة والشهادة ملازمة نص عليها وبين أهلها فقال: ﴿واستشهدوا﴾ أي اطلبوا الشهادة وأوجدوها مع الكتابة ودونها ﴿شهيدين﴾ قال الحرالي فجعل شهادة الدين باثنين كما جعل الشاهد في الدين اثنين: شاهد التفكر في الآيات المرئية وشاهد التدبر للآيات المسموعة، وفي صيغة فعيل مبالغة في المعنى في تحقق الوصف بالاستبصار والخبرة - انتهى.
ولما بيّن عدد الشاهد بيّن نوعه فقال: ﴿من رجالكم﴾ وأعلم بالإضافة اشتراط كونه مسلمًا وإطلاق هذا الذي ينصرف إلى الكامل مع ما يؤيده في الآية يفهم الحريّة كقوله ﴿ولا يأب الشهداء﴾ والإتيان بصيغة المبالغة في الشاهد وتقييده مع ذلك بالرضى وتعريف الشهداء ونحوه. قال الحرالي: ولكثرة المداينة وعمومها وسع فيها الشهادة
[ ٤ / ١٥٣ ]
فقال: ﴿فإن لم يكونا﴾ أي الشاهدان ﴿رجلين﴾ أي على صفة الرجولية كلاهما ﴿فرجل وامرأتان﴾ وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما من حيث لم يكن، فإن لم تجدوا ففيه تهدف للخلاف بوجه ما من حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم سواء كان على تساو أو على ترتب؛ ولما كنّ ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان رجل - انتهى. ولما بيّن العدد بيّن الوصف فقال: ﴿ممن ترضون﴾ أي في العدالة ﴿من الشهداء﴾ هذا في الديون ونحوها. قال الحرالي: وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد لما في الشهود من إدراك معنى خفي في صورة ظاهر يهدي إليها النظر النافذ - انتهى.
ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال العدد من النساء علله بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال: ﴿أن تضل إحداهما﴾ أي تغيب عنها الشهادة فتنساها أو شيئًا منها ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾ فتهتدي إلى ما ضلت عنه بواسطة الذاكرة. قال الحرالي: بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها، لأن المتقاربين أقرب في التعاون، وفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت فيه حتى تذكر بالتخفيف
[ ٤ / ١٥٤ ]
ولا يتكرر عليها ذلك ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك، وفي إبهامه بلفظ إحدى أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع إليه إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوبًا حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها فلذلك يقوم بهما معًا شاهد واحد حافظ - انتهى. وفي ذكر الإذكار منع من الشهادة بدون الذكر، والآية من الاحتباك. ولما أفهم ذلك الحث على الشهادة صرح به في قوله: ﴿ولا يأب الشهداء﴾ أي تحمل الشهادة وأدائها بعد التحمل ﴿إذا ما دعوا﴾ دعاء جازمًا بما أفهمته زيادة ما.
ولما تمّ ذلك وكان صغير الحق وكبيره ربما تُركت تهاونًا بالصغير ومللًا للكبير حذر من ذلك ولم يجعله في صلب الأمر قبل الإشهاد بل أفرده بالذكر تعظيمًا لشأنه فقال: ﴿ولا تسئموا﴾ من السآمة. قال الحرالي: بناء مبالغة وهو أشد الملالة ﴿أن تكتبوه﴾ أي لا تفعلوا فعل السئيم فتتركوا كتابته ﴿صغيرًا﴾ كان الدين ﴿أو كبيرًا﴾ طالت الكتابة أو قصرت.
قال الحرالي: ولم يكن قليلًا أو كثيرًا، لأن الكثرة والقلة واقعة بالنسبة إلى الشيء المعدود في ذاته، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى المداين، فربما كان الكثير في العدد صغير القدر عند الرجل الجليل المقدار، وربما كان القليل العدد كثيرًا بالنسبة إلى الرجل المشاحح فيه، فكان الصغر والكبر
[ ٤ / ١٥٥ ]
أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب انتهى. ﴿إلى أجله﴾ أي الذي توافقتم وتواثقتم عليه.
ولما كان كأنه قيل: ما فائدة ذلك؟ فقيل: ﴿ذلكم﴾ إشارة بأداة البعد وميم الجمع إلى عظم جدواه. قال الحرالي: ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن إقبالًا على النبي ﷺ الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - انتهى. ﴿أقسط﴾ أي أعدل فقد نقل عن ابن السيد أنه قال في كتابه الاقتضاب: إن قسط بمعنى جار وبمعنى عدل. وقال الحرالي: ﴿أقسط﴾ من الإقساط وهو وضع القسط وهو حفظ الموازنة حتى لا تخرج إلى تطفيف. ثم زاد تعظيمه بقوله: ﴿عند الله﴾ أي الذي هو محيط بصفات الكمال بالنسبة إلى كل صفة من صفاته، لأنه يحمل على العدل بمنع المغالطة والتلون في شيء من أحوال ذلك الدين ﴿وأقوم للشهادة﴾ أي وأعدل في قيام الشهادة إذا طلب من الشاهد أن يقيمها بما هو مضبوط له وعليه ﴿وأدنى﴾ أي أقرب في ﴿ألاّ ترتابوا﴾ أي تشكوا في شيء من الأمر الذي
[ ٤ / ١٥٦ ]
وقع. قال الحرالي: ففي إشعاره أنه ربما داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل المرأتين فيكون الكتاب مقيمًا لشهادتهما، فنفى عن الرجال الريبة بالكتاب كما نفى عن النساء الضلال بالذكر - انتهى.
ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضًا أو تجارة ينمي بها المال المأمور بالإنفاق منه في وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد في أمر الكتابة تأكيدًا ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن العلة فيها الأجل الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله: ﴿إلا أن تكون﴾ أي المداينة ﴿تجارة حاضرة﴾ هذا على قراءة عاصم، وكان في قراءة غيره تامة ﴿تديرونها بينكم﴾ أي يدًا بيد، من الإدارة. قال الحرالي: من أصل الدور وهو رجوع الشيء عودًا على بدئه ﴿فليس عليكم﴾ حينئذ ﴿جناح﴾ أي اعتراض في ﴿ألاّ تكتبوها﴾ أي لأنها مناجزة وهي عرض زائل لا يكاد يستقر في يد أحد لأن القصد به المتجر لا الاستبقاء
[ ٤ / ١٥٧ ]
فبعد ما يخشى من التجاحد.
ولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو غير ذلك من وجوه الانتفاع قال: ﴿وأشهدوا﴾ سواء كانت كتابة أو لا ﴿إذا تبايعتم﴾ أي على وجه المتجر عاجلًا أو آجلًا أو لا للمتجر، لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب إلى التصادق بما فيه من الإنصاف، والأمر للإرشاد فلا يجب.
ولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد أن يجيب ولا يأبى وأكد ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهيًا: ﴿ولا يضار﴾ يصح أن يكون للفاعل والمفعول وهو صحيح المعنى على كل منهما ﴿كاتب ولا شهيد﴾ أي لا يحصل ضرر منهم ولا عليهم. قال الحرالي: ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه، ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض
[ ٤ / ١٥٨ ]
له فيما يضره التخلي عنه - انتهى. ﴿وإن تفعلوا﴾ أي ما نهيتم عنه من الضرار وغيره ﴿فإنه فسوق﴾ أي خروج ﴿بكم﴾ عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحرالي: وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى.
وختم آيات هذه المعاملات بصفة العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يجتلب كل منهم بها الحظ لنفسه، والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجمل بأنه من علمه وتعليمه فقال تعالى - عاطفًا على ما تقدم من أمر ونهي، أو على ما تقديره: فافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه-: ﴿واتقوا الله﴾ أي خافوا الذي له العظمة كلها فيما أمركم به ونهاكم من هذا وغيره. ولما كان التقدير استئنافًا لبيان فخامة هذه التنبيهات يرشدكم الله إلى مثل هذه المراشد لإصلاح ذات بينكم، عطف عليه قوله: ﴿ويعلمكم الله﴾ أي يدريكم الذي له الكمال كله بذلك على العلم. وقال الحرالي: وفي قوله: ﴿يعلم﴾ بصيغة الدوام إيذان بما
[ ٤ / ١٥٩ ]
يستمر به التعليم من دون هذا المنال انتهى.
وأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيمًا للمقام وتعميمًا للتعليم فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بكل شيء عليم *﴾ وهذا الختم جامع لبشرى التعليم ونذارة التهديد.
[ ٤ / ١٦٠ ]