ولما كان أصل الإبداء نورًا عليًا نزله الحق ﷾ في رتب التطوير والتصيير والجعل إلى أن بدأ عالمًا دنياويًا محتويًا على الأركان الأربعة والمواليد الثلاثة، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه صفي الله ﷾ من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله، فأنبأ الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال؛ انتهى - فقال ﷾: ﴿إن الله﴾ أي بجلاله وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته ﴿اصطفى﴾ أي للعلم والرسالة عنه ﷾ إلى خلقه والخلافة له في ملكه ﴿آدم﴾ أباكم الأول الذي لا تشكون في أنه خلقه من تراب، وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى ﵊ على أن أعظم ما استغربوا من عيسى كونه من
[ ٤ / ٣٤٢ ]
غير ذكر، وآدم أغرب حالًا منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس الأحياء - كما سيأتي ذلك صريحًا بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح.
قال الحرالي: فاصفطاه من كلية مخلوقه الذي أبداه ملكًا وملكوتًا خلقًا وأمرًا، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي وأدنى أدناه، فسماه آدم من أديم الأرض، على صيغة أفعل، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية. فكان مما أظهر تعالى في اصطفاء آدم ما ذكر جوامعه علي ﵁ في قوله: لما خلق الله ﷾ أبان فضله للملائكة وأراهم ما اختصه به من سابق العلم من حيث علمه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء فجعل الله ﷾ آدم محرابًا وكعبة وبابًا وقبلة، أسجد له الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه بعد أن سماه عند الملائكة إمامًا، فكان تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه - انتهى ﴿ونوحًا﴾ أباكم الثاني الذي أخرجه من بين أبوين شابين على عادتكم المستمرة فيكم. وقال الحرالي: أنبأ تعالى أنه عطف لنوح ﵊ اصطفاء على اصطفاء آدم ترقيًا إلى كمال الوجود الآدمي وتعاليًا إلى الوجود الروحي العيسوي، فاصطفى نوحًا ﵊
[ ٤ / ٣٤٣ ]
بما جعله أول رسول بتوحيده من حيث دحض الشرك وأقام كلمة الإيمان بقول «لا إله إلا الله»، لما تقدم بين آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان، فكان هذا الاصطفاء اصطفاء باطنًا لذلك الاصطفاء الظاهر فتأكد الاصطفاء وجرى من أهلكته طامة الطوفان مع نوح ﵊ من الذر الآدمي مجرى تخليص الصفاوات من خثارتها، وكما صفي آدم من الكون كله صفي نوحًا ﵇ وولده الناجين معه من مطرح الخلق الآدمي الكافرين الذين لا يلدون إلا فاجرًا كفارًا، فلم يكن فيهم ولا في مستودع ذراريهم صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي اختص بصفوته نوح ﵊
﴿وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ [الأحزاب: ٧] فكان ميثاق نوح ﵇ ما قام به من كلمة التوحيد ورفض الأصنام والطاغوت التي اتخذها الظلمانيون من ذر آدم، فتصفى بكلمة التوحيد النوارانيون منه، فكان نوح ﵊ ومن نجا معه صفوة زمانه، كما كان آدم صفوة حينه - انتهى.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
ولما كان أكثر الأنبياء من نسل إبراهيم ﵊ زاد في تعظيمه بقوله: ﴿وآل إبراهيم﴾ أي الذين أود فيهم الخوارق ولا سيما في إخراج الولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لمثلهما، وفي ذلك إشارة إلى أن عيسى ﵊ مثلهم لأنه أحدهم، وكذا قوله: ﴿وآل عمران﴾ في قوله: ﴿على العالمين *﴾ إشارة إلى أنه كسائر أقاربه منهم، وأفصح بذلك إفصاحًا جليًا في قوله: ﴿ذرية بعضها من بعض﴾ أي فهم كلهم من بني آدم، لا مزية لبعضهم على بعض في ذلك، لا مزية في شيء من ذلك، وأنتم لا تشكون فيه من شيء من الخصائص مما دون أمد عيسى ﵊، فما لكم لما خص ﷾ آل عمران من بين العالمين بخرق العادة فيهم بإخراج ولد من أنثى فقط من غير ذكر لم تردوا ما لم تعرفوا منه إلى ما تعرفون من الخوارق حتى انجلى لكم واتضح لديكم؟ بل أشكل لعيكم وقامت فيكم قيامتكم بما يفضي إلى الشك في قدرة الإله الذي لا تشكون أن من شك في تمام قدرته كفر.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
وقال الحرالي: فإثبات هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية، فأبان هذا الخطاب في عيسى ﵊ اصطفاء من جملة هذا الاصطفاء، فكما لم يقع فيمن سواه لبس من أمر ألإلهية فكذلك ينبغي أن لايقع فيه هو أيضًا لبس لمن يتلقن بيان الإحكام والتشابه من الذي أنزل الكتاب محكمًا ومتشابهًا وأظهر الخلق باديًا وملتبسًا انتهى. وقد عاد ﷾ بهذا الخطاب على أحسن وجه إلى قصة عيسى ﵊ الذي نزلت هذه الآيات كلها في المجادلة في أمره والإخبار عن حمله وولادته وغير ذلك من صفاته التي يتنزه الإله عنها، وكراماته التي لا تكون إلا للقرب، فأخبر أولًا عن حال أمه وأمها وأختها وما اتفق لهن من الخوارق التي تمسك بوقوع مثلها من عيسى ﵇ من كفر برفعه فوق طوره، ثم شرع في قص أمره حتى لم يدع فيه لبسًا بوجه.
وقال الحرالي: في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده عليهم الصلاة والسلام في إشعار الخطاب اختصاص إبراهيم ﵊
[ ٤ / ٣٤٦ ]
بما هو أخص من هذا الاصطفاء من حيث انتظم في سلكه آله لاختصاصه هو بالخلة التي لم يشركه فيها أهل هذا الاصطفاء، فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله، وهم - والله ﷾ أعلم - إسحاق ويعقوب والعيص عليهم الصلاة والسلام ومن هو منهم من ذريتهم لأن إسماعيل ﵇ اختص بالوصلة بين إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب صلوات الله وسلامه عليهم، فكان مترقى ما هو لهم من وراء هذا الاصطفاء، ولأن إنزال هذا الخطاب لخلق عيسى ﵊، وهو من ولد داود ﵊ فيما يذكر، وداود من سبط لاوي بن إسرائيل عليهم الصلاة والسلام فيما ينسب، فلذلك - والله ﷾ أعلم - جرى هذا الاصطفاء على آله، فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ما كان من اصطفاء موسى ﵇ بالتكليم وإنزال الكتاب السابق
﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس﴾ [الأعراف: ١٤٤] فكان هذا الاصطفاء استخلاص صفاوة من صفاوة نوح ﵊ المستخلصين من صفاوة آدم ﵊، وآل عمران - والله ﷾ أعلم - مريم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ليقع الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى عليهما الصلاة
[ ٤ / ٣٤٧ ]
والسلام ليحوزوا طرفي الكون روحًا وسلالة، والعالمون علم الله الذي له الملك، فكما أن الملك لا بد له من علم يعلم به بدوه وظهوره جعل الله ما أبداه من خلقه علمًا على ظهور ملكه بين يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين عامًا، وفي يوم الدنيا لمن شاء من أهل اليقين والعيان خاصًا، وأعلى معناه بما ظهر في لفظه من الألف الزائدة على لفظ العلم، فاصطفى ﷾ آدم ﵊ على الموجودين في وقته، وكذلك نوحًا وآل إبراهيم وآل عمران كلًاّ على عالم زمانه، ومن هو بعد في غيب لم تبد صورته في العالم العياني لم يلحقه بعد عند أهل النظر اسم العالم وأشار ﷾ بذكر الذرية من معنى الذرء الذي هو مخصوص بالخلق ليظهر انتظام عيسى ﵊ في سلك الجميع ذرءًاَ، وأنه لا يكون مع الذرء لبس الإلهية، لأن الله ﷾ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فكان نصب لفظ الذرية تكييفًا لهذا الاصطفاء المستخلص على وجه الذر، وهو الذي يسميه النحاة حالًا - انتهى.
ولما ذكر ﷾ هؤلاء الذين اصطفاهم، وكان مدار
[ ٤ / ٣٤٨ ]
أمر الاصطفاء على العلم، ومدار ما يقال لهم وفيهم مما يكون كفرًا أو إيمانًا على السمع ختم ﷾ الآية بقوله عاطفًا على ما تقديره: فالله ﷾ يفعل بإحاطته ما يريد: ﴿والله﴾ أي المحيط قدرة وعلمًا ﴿سميع عليم *﴾ إشارة إلى أنه اصطفاهم على تمام العلم بهم ترغيبًا في أحوالهم والاقتداء بأفعالهم وأقوالهم.
ولما كان جل المقصود هنا بيان الكرامات في آل عمران لا سيما في الولادة، وكان آدم الممثل به ﵊ قد تقدم بيان أمره في سورة البقرة سورة الكتاب المثمر للعلم، وكذا بيان كثير مما اصطفى به إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسلام إذ كان معظم القصد بالكلام لذريته، وكان معظم المقصود من ذكر نوح ﵊ كونه في عمود النسب، وليس في أمر ولادته ما هو خارج عن العادة قال طاويًا لمن قبل: ﴿إذ﴾ أي اذكر جوابًا لمن يجادلك في أمرهم ويسألك عن حالهم حين ﴿قالت امرأة عمران﴾ وهي حامل.
وقال الحرالي: لما اكن من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى ﵊ اختص التفصيل بأمر عيسى ﵊ دون سائر من ذكر معه، وكان في هذه المناظرة بين الصورتين حظ من التكافؤ من حيث ذكر أمر خلق آدم ﵊
[ ٤ / ٣٤٩ ]
في سورة البقرة، فذكر خلق المثل المناظر له في السورة المناظرة لسورة البقرة وهي هذه السورة، فعاد توقيت هذا القول إلى غاية هذا الاصطفاء، فأنبأ عن ابتداء ما اختص منه بعيسى ﵊ من قول أم مريم امرأة عمران حين أجرى على لسانها وأخطر بقلبها أن تجعل ما في بطنها نذرًا، ففصل ما به ختم من اصفطاء آل عمران، ولذلك عرفت أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة عمران ليلتئم التفصيل بجملته السابقة ﴿رب إني نذرت لك ما في بطني﴾ وكان نذر الولد شائعًا في بني إسرائيل إلا أنه كان عندهم معهودًا في الذكور لصلاحهم لسدانة بيت الله والقيام به، فأكمل الله ﷾ مريم لما كمل له الرجال - كما قال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع» فذكر مريم بنت عمران ﵍، فكان من كمالها خروج والدتها عنها، وكان أصله من الأم التي لها الإشفاق، فكان خروجها أكمل من خروج الولد لأنها لها في زمن الحمل والرضاع والتربية إلى أن يعقل الولد أباه فحينئذ يترقى إلى حزب أبيه، ولذلك - والله ﷾ أعلم - أري إبراهيم عليه الصلاة والسلاح ذبح ولده عند تمييزه، وخرجت امرأة عمران عن حملها وهو في بطنها حين ما هو أعلق بها -
[ ٤ / ٣٥٠ ]
انتهى. ونذرته لله تعالى حال كونه ﴿محررًا﴾ أي لا اعتراض ولا حكم لأحد من الخلق عليه، قال الحرالي: والتحرير طلب الحرية، والحرية رفع اليد عن الشيء من كل وجه، وفي الإتيان بصيغة التكثير والتكرير إشعار بمضي العزيمة في قطع الولاية عنه بالكلية لتسلم ولايته لله تعالى - انتهى. ﴿فتقبل مني﴾ ولما كان حسن إجابة المهتوف به الملتجأ إليه على حسب إحاطة سمعه وعلمه عللت سؤالها في التقبل بأن قصرت السمع والعلم عليه سبحانه فقالت: ﴿إنك أنت﴾ أي وحدك ﴿السميع العليم *﴾ فقالت كما قال سلفها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام
﴿ربنا تقبل منا﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي فلا يسمع أحد قولي مثل سمعك، ولا يعلم أحد نيتي مثل علمك ولا أنا، فإن كان فيهما شيء لا يصلح فتجاوز عنه.
ولما أخبر بما اقتضى مضى عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال: ﴿فلما وضعتها قالت﴾ أي تحسرًا ذاكرة وصف الإحسان استمطارًا للامتنان ﴿رب إني وضعتها﴾ قال الحرالي: من الوضع وهو إلقاء الشيء المستثقل ﴿أنثى﴾ هي أدنى زوجي الحيوان المتناكح - انتهى.
[ ٤ / ٣٥١ ]
ولما كان الإخبار عادة إنما هو لمن لا يعلم الخبر بينت أن أمر الله ﷾ ليس كذلك، لأن المقصود بإخباره ليس مضمون الخبر وإنما هو شيء من لوازمه وهنا التحسر فقالت: ﴿والله﴾ أي الذي له صفات الكمال.
ولما كان المراد التعجيب من هذه المولودة بأنها من خوارق العادات عبرت عنها بما فقالت: ﴿أعلم بما وضعت﴾ وعبرت بالاسم الأعظم موضع ضمير الخطاب إشارة إلى السؤال في أن يهبها من كماله ويرزقها من هيبته وجلاله، وفي قراءة إسكان التاء الذي هو إخبار من الله ﷾ عنها - كما قال الحرالي - إلاحة معنى أن مريم عليها الصلاة والسلام وإن كان ظاهرها الأنوثة ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها بالرجال في الكمال، حتى كانت ممن كمل من النساء لما لا يصل إليه كثير من رجال عالمها، فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ذكرًا وحقيقته أنثى.
ولما كان مقصودها مع إمضاء نذرها بعد تحقق كونها أنثى التحسر على ما فاتها من الأجر في خدمة البيت المقدس بما يقابل فضل قوة الذكر على الأنثى وصلاحيته للخدمة في كل أحواله قالت: ﴿وليس الذكر﴾
[ ٤ / ٣٥٢ ]
أي الذي هو معتاد للنذر وكنت أحب أن تهبه لي لأفوز بمثل أجره في هذا الفرض في قوته وسلامته من العوارض المانعة من المكث في المسجد ومخالطة القومة ﴿كالأنثى﴾ التي وضعتها، وهي داخلة في عموم النذر بحكم الإطلاق في الضعف وعارض الحيض ونحوه فلا ينقص يا رب أجري بسبب ذلك، ولو قالت: وليست الأنثى كالذكر، لفهم أن مرادها أن نذرها لم يشملها فلا حق للمسجد فيها من جهة الخدمة.
قال الحرالي: وفي إشعار هذا القول تفصل مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته كفافًا لنذرها، لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت، فجعلها الله ﷾ لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت تعهدها، فكانت مريم ﵍ أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها عليها بعد وفاء حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى. ويجوز أن يكون هذا من كلام الله ﷾ كالحالية التي قبله إذا أسكنت التاء، والتقدير: قالت كذا والحال أن الله أعلم منها بما وضعت، والحال أيضًا أنه ليس الذكر الذي أرادته بحكم معتاد النذر كالأنثى التي وهبت لها فدخلت فيه بحكم إطلاقه،
[ ٤ / ٣٥٣ ]
بل هي أعلى، لأن غاية ما تعرفه من المنذورين أن يكون كأنبيائهم المقررين لحكم التوراة، وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون سببًا في السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم، وتلد صاحب شريعة مستقلة، ثم يكون مقررًا لأعظم الشرائع.
ولما تم ما قالته عند الوضع او قاله الله في تلك الحالة أتم ﷾ الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر الجلالة إلى الخطاب على طريق أهل الحضرة، وأكدت إعلامًا بشدة رغبتها في مضمون كلامها فقال حاكيا: ﴿وإني سميتها مريم﴾ ومعنى هذا الاسم بلسانهم: العابدة. قال الحرالي: فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل له اسمًا، ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول: يا رب! أضاعوني، فكان من تمام أن وضعتها أن تسميها، فيكون إبداؤها لها وضع عين وإظهار اسم، لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع كما هو في العين، ليقع التقرب والنذر بما هو كامل الوجود عينًا واسمًا.
ولما كانت محررة لله ﷾ كان حقًا أن يجري الله ﷾ إعاذتها قولًا كما هو جاعلها معاذة كونًا من حيث هي له، وما
[ ٤ / ٣٥٤ ]
كان في حمى الملك لا يتطرق إليه طريدة فقالت: ﴿وإني أعيذها بك﴾ وفي قوله: ﴿وذريتها﴾ إشعار بما أوتيته من علم بأنها ذات ذرية، فكأنها نطقت عن غيب من أمر الله ﷾ مما لا يعلمه إلا الله، فهو معلمه لمن شاء.
ولما كان من في حصن الملك وحرزه بجواره بعيدًا ممن أحرقه بنار البعد وأهانه بالرجم حققت الإعاذة بقولها: ﴿من الشيطان الرجيم *﴾ وفي هذا التخليص لمريم ﵍ بالإعاذة ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ونبذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه بالماء والثلج في البداية الكونية، وبماء زمزم في البداية النبوية عند الانتهاء الكوني، فلذلك كان لمريم ولذريتها بمحمد ﷺ اتصال واصل؛ قال ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي، وبما هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من قومه دينه» .
[ ٤ / ٣٥٥ ]
ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال: ﴿فتقبلها﴾ فجاء بصيغة التفعل مطابقة لقولها ﴿فتقبل﴾، ففيه إشعار بتدرج وتطور وتكثر، كأنه يشعر بأنها مزيد لها في كل طور تتطور إليه، من حيث لم يكن فاقبل مني فلم تكن إجابته ﴿فقبلها﴾، فيكون إعطاء واحدًا منقطعًا عن التواصل والتتابع، فلا تزال بركة تحريرها متجددًا لها في نفسها وعائدًا بركته على أمها حتى تترقى لى العلو المحمدي فيتكون في أزواجه ومن يتصل به - انتهى.
وجاء بالوصف المشعر بالإحسان مضافًا إليها إبلاغًا في المعنى فقال: ﴿ربها﴾ قال الحرالي: وظهر سر الإجابة في قوله ﷾: ﴿بقبول حسن﴾ حيث لم يكن «بتقبل» - جريًا على الأول.
ولما أنبأ القبول عن معنى ما أوليته باطنًا أنبأ الإنبات عما أوليته ظاهرًا في جسمانيتها، وفي ذكر الفعل من «أفعل» في قوله:
[ ٤ / ٣٥٦ ]
﴿وأنبتها﴾ والاسم من «فعل» في قوله: ﴿نباتًا حسنًا﴾ إعلام بكمال الأمرين من إمدادها في النمو الذي هو غيب عن العيون وكمالها في ذاتية النبات الذي هو ظاهر للعين، فكمل في الإنباء والوقوع حسن التأثير وحسن الأثر، فأعرب عن إنباتها ونباتها معنى حسنًا - انتهى. فوقع الجواب لأنها عناية من الله ﷾ بها على ما وقع سؤالها فيه، فلقد ضل وافترى من قذفها وبهتها، وكفر وغلا من ادعى في ولدها من الإطراء ما ادعى.
وقال الحرالي: وقد أنبأ ﷾ في هذه السورة الخاصة بقصة مريم عليها الصلاة والسلام من تقبلها وإنباتها وحسن سيرتها بما نفي اللبس في أمرها وأمر ولدها، لأن المخصوص بمنزل هذه السورة ما هو في بيان رفع اللبس الذي ضل به النصارى، فيذكر في كل سورة ما هو الأليق والأولى بمخصوص منزلها، فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في سورة ما يستوفيه في سورة أخرى لاختلاف مخصوص منزلها، كذلك الحال في القصص المتكررة في القرآن من قصص الأنبياء وما ذكر فيه لمقصد الترغيب والتثبيت والتحذير وغير ذلك من وجوه التنبيه - انتهى، وفيه تصرف.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
ولما كان الصغير لا بد له فيما جرت به العادة من كبير يتولى أمره قال: ﴿وكفلها﴾ قال الحرالي: من الكفل وهو حياطة الشيء من جميع جهاته حتى يصير عليه كالفلك الدائر ﴿زكريا﴾ وفي قراءة التشديد إنباء بأن الله ﷾ هو في الحقيقة كفيلها بما هو تقبلها، وفي استخلاص لزكريا من حيث جعله يد وكالة له فيها - انتهى.
ولما كان من شأن الكفيل القيام بما يعجز عنه المكفول بين ﷾ أن تلك الكفالة إنما كانت جريًا على العوائد وأنه تبين أن تقبل الله لها أغناها عن سواه فقال في جواب من لعله يقول: ما فعل في كفالتها؟: ﴿كلما﴾ أي كان كلما ﴿دخل عليها زكريا المحراب﴾ أي موضع العبادة. وقال الحرالي: هو صدر البيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه إلا بفضل منه وقوة وجهد حرب ﴿وجد عندها رزقًا﴾ وذلك كما وجد عند خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه قطف العنب - كما سيأتي في آخر المائدة، ومثل ذلك كثير في هذه الأمة، وفي هذه العبارة أي من أولها إلاحة لمعنى حسن كفالته
[ ٤ / ٣٥٨ ]
وأنه كان يتفقدها عند تقدير حاجتها إلى الطعام بما تفيده كلمة ﴿كلما﴾ من التكرار، فيجد الكفيل الحق قد عاجلها برزق من غيب بما هو ﷾ المتولي لإنباتها ليكون نباتها من غيب رزقه فتصلح لنفخ روحه ومستودع كلمته، ولا يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم الذي أعاذها الله ﷾ منه بكثرة الاختلاط في موجودات الأرزاق، فكان من حفظها أن تولى الله ﷾ أرزاقها من غيب إلا ما يطيبه من باد، وليكون حسن نباتها من أحسن رزق الله ﷾ كما يقال: من غذي بطعام قوم غذي بقلوبهم ومن غذي بقلوبهم آل إلى منقلبهم، وكانت هي مثل ما كفلها كافلها ظاهرًا كفلته باطنًا حين أبدى الله ﷾ له من أمره ما لم يكن قبل بدًا له، فكان لمريم عليها الصلاة والسلام توطئة في رزقها لما يكون كماله في حملها فيكون رزقها بالكلمة ابتداء ليكون حملها بالكلمة، فعند ذلك طلب زكريا ﵇ نحو ما عاين لها من أن يرزقه الولد في غير إبّانه كما رزق مريم الرزق في غير أوانه، وفي
[ ٤ / ٣٥٩ ]
تعيين محلها بالمحراب ما يليح معنى ما ذكر من رجوليتها باطنًا من حيث إن محل النساء أن يتأخرن فأبدى الله ﷾ في محلها ذكر المحراب إشارة بكمالها، والمحراب صدر البيت المتخذ للعبادة، ويف لزومها لمحرابها في وقت تناول الرزق إعلام بأن الحبيس والمعتكف بيته محرابه ومحرابه بيته، بخلاف من له متسع في الأرض ومحل من غير بيت الله، إنما المساجد بيوت أهل الله المنقطعين إليه، فهو محلهم في صلاتهم ومحلهم في تناول أرزاقهم، ففيه إشعار بحضورها، وحضور أهل العكوف حضور سواء في صلاتهم وطعامهم، ولذلك أنمى حال العبد عند ربه بما هو عليه في حال تناول طعامه وشرابه، فأهل الله سواء محياهم ومماتهم وأكلهم وصلاتهم، من غفل عند طعامه قلبه لم يستطع أن يحضر في صلاته قلبه، ومن حضر عند طعامه قلبه لم يغب في صلاته قلبه، وفي ذكر الرزق شائعًا إشعار بأنها أنواع من أرزاق من حيث إنه لو اختص يخص به ما هو أخص من هذا الاسم - انتهى.
ولما كان كأنه قيل: فما كان يقول لها إذا رأى ذلك؟ قيل:
[ ٤ / ٣٦٠ ]
كان كلما وجد ذلك، أو: لما تكرر وجدانه لذلك ﴿قال يا مريم أنّى﴾ أي من أين ﴿لك هذا﴾ قال الحرالي: كلمة أنى تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه مختلفة: من جهة الزمان أنه ليس زمانه، ومن جهة المكان أنه ليس مكانه، ومن جهة الكيف ووصوله إليها أنه ليس حاله، وفي ذكر الضمير في قوله: ﴿قالت هو من عند الله﴾ إيذان بنظرها إلى مجموع حقيقة ذلك الرزق لا إلى أعيانه، فهو إنباء عن رؤية قلب، لا عن نظر عين لأن هو كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد مضمره، ولما لم يكن من معهود ما أظهرته حكمته سبحانه مما يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت ﴿من عند الله﴾ ذي الجلال والإكرام، لأن ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده، وما كان مستغربًا فيما هو من عنده فهو من لدنه، فهي ثلاث رتب: رتبة لدنية، ورتبة عندية، ورتبة حكمية عادية؛ فكان هذا وسط الثلاث - كما قال تعالى:
﴿آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنه علمًا﴾ [الكهف: ٦٥] حيث كان مستغربًا عند أهل الخصوص كما قال: ﴿أخرقتها لتغرق
[ ٤ / ٣٦١ ]
أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا﴾ [الكهف: ٧١] والإمر العجب، ولعلو رتبته عن الرتبة العادية جرى النبأ عنه مضافًا إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء كلها من حيث لم يكن ﴿من عند ربي﴾ لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها أو ما كان من نحوها كما قال ﴿هذا من فضل ربي﴾ [النمل: ٤٠] لما كان من عادته المكنة على الملوك، وكان ممكنًا فيما أحاط به موجود الأركان الأربعة - انتهى.
ولما أخبرت بخرقه ﷾ لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة تنبيهًا على أن ذلك ليس في قدرة ملوك الدنيا: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكلية. قال الحرالي: في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان وإلاحة بأن ذلك يكون لك ولمن شاء الله كما هو لي بما شاء الله، من حيث لم يكن أنه فيكون مليحًا لاختصاص ما بها، ويؤيده عموم قولها: ﴿يرزق من يشاء﴾ وقولها: ﴿بغير حساب *﴾ يشعر بأنه عطاء متصل، فلا يتحدد ولا يتعدد، فهو رزق لا متعقب عليه، لأن كل محسوب في الإبداء
[ ٤ / ٣٦٢ ]
محاسب عليه في الإعادة، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه، لأن أعظم الشكر لرزق الله ﷾ معرفة العبد بأنه من الله تعالى، إنما يشكر رزق الله من أخذه من الله ﷾ - انتهى.
ولما كان كأنه قيل: فما قال زكريا حينئذ؟ قيل: ﴿هنالك﴾ أي في ذلك الوقت وذلك المكان العظيمي المقدار ﴿دعا زكريا ربه﴾ تذكرًا لما عودهم الله ﷾ به من الإكرام، فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة، قال الحرالي: لما أشهده الله ﷾ أنه يخرق عادته لمن شاء بكلمته في حق كفيلته في الظاهر، الكافلة له في هذا المعنى، دعا ربه الذي عوده بالإحسان أن يرزقه ولدًا في غير إبانه كما رزق مريم رزقًا في غير زمانه فوجب دعاؤه - انتهى. ﴿قال رب﴾ أي الذي عودني بإحسانه ﴿هب لي من لدنك﴾ قال الحرالي: طلب عليه من باطن الأمر كما قال ﷾:
﴿وعلمناه
[ ٤ / ٣٦٣ ]
من لدنا علمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، وكما قال فيه ﴿وحنانًا من لدنا﴾ [مريم: ١٣]، لأن كل ما كان من لدن فهو أبطن من عند ﴿ذرية﴾ فيه إشعار بكثرة ونسل باق، فأجيب بولد فرد لما كان زمان انتهاء في ظهور كلمة الروح وبأنه لا ينسل فكان يحيي حصورًا لغلبة الروحانية على إنسانيته - انتهى. ﴿طيبة﴾ أي مطيعة لك لأن ذلك طلبة أهل الخصوص، ثم علل إدلاله على المقام الأعظم بالسؤال بقوله: ﴿إنك سميع الدعاء﴾ أي مريده ومجيبه لأن من شأن من يسمع - ولم يمنع - أن يجب إذا كان قادرًا كاملًا، وقد ثبتت القدرة بالربوبية الكاملة التي لا تحصل إلا من الحي القيوم، بخلاف الأصنام ونحوها مما عبد فإنها لا تسمع، ولو سمعت لم تقدر على الإجابة إلى ما تسأل فيه لأنها مربوبة. قال الحرالي: أعلم الداعي بما لله ﷾ من الإجاة، والقرب «وسيلة في قبول» دعائه - انتهى.
[ ٤ / ٣٦٤ ]