ولما أتى نبينا ﷺ بهذه الأخبار الغريبة المحررة العجيبة التي لا يعرفها على وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان من حق سامعها أن يتنبه من غفلته ويستيقظ من رقدته، لأنها منبهة بنفسها للمنصف الفطن على أن الآتي بها - والسامع خبير بأنه لم يخالط عالمًا قط - صادقًا لا مرية في صدقه في كل ما يدعيه عن الله ﷾، وكان من حق من يتنبه أن يبادر إلى الإذعان فيصرح بالإيمان، فلما لم يفعلوا التفت إلى تنبيه الغبي وتبكيت
[ ٤ / ٣٩٣ ]
العتي فقال: ﴿ذلك﴾ أي الخطاب العلي المقام الصادق المرام البديع النظام ﴿من أنباء الغيب نوحيه﴾ أي نجدد إيحاءه في أمثاله ﴿إليك﴾ في كل حين فما كنت لديهم في هذا الذي ذكرناه لك يومًا على هذا التحرير مع الإعجاز في البلاغة ويجوز أن تكون الجملة حالًا تقديرها: ﴿و﴾ الحال أنك ﴿ما كنت﴾ ولما كان هذا مع كونه من أبطن السر هو من أخفى العلم عبر فيه بلدي لما هو في أعلى رتب الغرابة كما تقدم في قوله: ﴿هو من عند الله﴾ وكررها زيادة في تعظيمه وتنبيهًا على أنه مما يستغرب جدًا حتى عند أهل الاصطفاء فقال: ﴿لديهم﴾ قال الحرالي: لدى هي عند حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه - انتهى. ﴿إذ يلقون﴾ لأجل القرعة - ﴿أقلامهم﴾ قال الحرالي: جمع قلم، وهو مظهر الآثار المنبئة عما وراءها من الاعتبار - انتهى ﴿أيهم﴾
[ ٤ / ٣٩٤ ]
أي يستهمون أيهم ﴿يكفل مريم﴾ أي يحضنها ويربيها تنافسًا في أمرها لما شرفها الله تعالى به ﴿وما كنت لديهم إذ﴾ أي حين ﴿يختصمون *﴾ أي في ذلك حتى نقصّ مثل هذه الأخبار على هذا الوجه السديد - يعني أنه لا وجه لك إلى علم ذلك إلا بالكون معهم إذ ذاك، أو أخذ ذلك عن أهل الكتاب، أو بوحي منا؛ ومن الواضح الجلي أن بعد نسبتك إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك إلى الحضور بينهم في ذلك الوقت، لشهرتك بالنشأة أميًا مباعدًا للعلم والعلماء حتى ما يتفاخر به قومك من السجع ومعاناة الصوغ لفنون الكلام على الوجوه الفائقة، فانحصر إخبارك بذلك في الوحي منا، وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذا القصص ليكون السامع على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي، وجعله بعد الافتتاح بقصة مريم ﵍ تنبيهًا على عظم شأنها وأنها المقصودة بالذات للرد على وفد نصارى نجران، وكأنه أتبع التنبيه ما كان في أول
[ ٤ / ٣٩٥ ]
القصة من اقتراعهم بالأقلام واختصامهم في كفالتها لخفائه إلا على خواص أهل الكتاب، هذا مع ما في مناسبة الأقلام للبشارة بمن يعلمه الكتاب، واستمر في إكمال المقال على ذلك الأسلوب الحكيم حتى تمت الحجة واستقامت المحجة فقال تعالى مبدلًا من إذ الأولى إيذانًا بأن ما بينهما اعتراض لما نبه عليه من شريف الأغراض: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم﴾ ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد المقتضي للتفرد بالعظمة عبر بما صدرت به من اسم الذات الجامع لجميع الصفات فقال: ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، فلا راد لأمره ﴿يبشرك﴾ وكرر هذا الاسم الشريف في هذا المقام زيادة في إيضاح هذا المرام بخلاف ما يأتي في سورة مريم ﵍، وقوله: ﴿بكلمة﴾ أي مبتدئة ﴿منه﴾ من غير واسطة أب هو من تسمية المسبب باسم السبب، والتعبير بها أوفق لمقصود السورة وأنفى لما يدعيه المجادلون في أمره، ثم بين أنه ليس المراد بالكلمة حقيقتها، بل ما يكون عنها ويكون فعالًاَ بها فقال مذكرًا للضمير: ﴿اسمه﴾ أي الذي يتميز به عمن سواه مجموع ثلاثة أشياء:
[ ٤ / ٣٩٦ ]
﴿المسيح﴾ أصل هذا الوصف أنه كان في شريعتهم: من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهرًا متأهلًا للملك والعلم والمزايا الفاضلة مباركًا، فدل ﷾ على أن عيسى ﵊ ملازم للبركة الناشئة عن المسح وإن لم يُمسَح؛ وأما وصف الدجال بذلك فإما أن يكون لما كان هلاكه على يد عيسى ﵊ وصف بوصفه - من باب التسمية بالضد، وإما أن يكون إشارة إلى أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك - ولو مسح - عن الاحتياج إلى التطهير بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ومن كان به برص ونحوه فيبرأ - والله ﷾ أعلم.
ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال ﴿عيسى﴾ وبين أنه يكون منها وحدها من غير ذكر بقوله موضع ابنك: ﴿ابن مريم﴾ وذلك أنفى لما ضل به من ضل في أمره، وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس الكلمة وبإبهامه أولًا ثم تفسيره، وقوله: ﴿اسمه﴾ تعظيم لقدره وبيان لفضله
[ ٤ / ٣٩٧ ]
على يحيى ﵉ حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا الذكر، ثم أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالًا دالة على أنه يظهر اتصافه بها حال الولادة تحقيقًا لظهور أثر الكلمة عليه فقال: ﴿وجيهًا﴾ قال الحرالي: صيغة مبالغة مما منه الوجاهة، وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ المحترم بعلو ظاهر فيه - انتهى. ﴿في الدنيا﴾ ولما كان ذلك قد لا يلازم الوجاهة بعد الموت قال: ﴿والآخرة﴾ ولما كانت الوجاهة ثمَّ مختلفة ذكر أعلاها عاطفًا بالواو إشارة إلى تمكنه في الصفات فقال: ﴿ومن المقربين *﴾ أي عند الله.
ولما كان ذلك قد لا يقتضي خرق العادات قال: ﴿ويكلم الناس﴾ أي من كلمه من جميع هذا النوع، بأي لسان كان كلمه، حال كونه ﴿في المهد﴾ قال الحرالي: هو موطن الهدوء والسكون للمتحسس اللطيف الذي يكون بذلك السكون والهدو قوامه - انتهى.
وبشرها بطول حياتها بقوله: ﴿وكهلًا﴾ أي بعد نزوله من السماء في خاتمة اليوم المحمدي، ويكون كلامه في الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
قال الحرالي: والكهولة سن من أسنان أرابيع الإنسان، وتحقيق حده أنه الربع الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا والشباب فهو خير عمره، يكون فيمن عمره ألف شهر - بضع وثمانون سنة - من حد نيف وأربعين إلى بضع وستين، إذا قسم الأرباع لكل ربع إحدى وعشرون سنة صبًا، وإحدى وعشرون شبابًا، وإحدى وعشرون كهولة، وإحدى وعشرون شيوخة، فذلك بضع وثمانون سنة - انتهى. وهذا تحقيق ما اختلف من كلام أهل اللغة، وقريب منه قول الإمام أبي منصور عبد الملك بن أحمد الثعالبي في الباب الرابع عشر من كتابه فقه اللغة: ثم ما ادم بين الثلاثين والأربعين فهو شاب، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين؛ ويقال: شاب الرجل، ثم شمط، ثم شاخ، ثم كبر - انتهى. والكهل - قال أهل اللغة - مأخوذ من: اكتهل النبات - إذا تم طوله قبل أن يهيج، وكلام الفقهاء لا يخالفه، فإن مبناه العرف، فالنص على كهولته إشارة لأمه بأنه ممنوع من أعدائه إذا قصدوه، وتنبيه على أن دعواهم لصلبه كاذبة.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
ولما كانت رتبة الصلاح في غاية العظمة قال مشيرًا إلى علو مقدارها: ﴿ومن الصالحين *﴾ ومعلمًا بأنها محيطة بأمره، شاملة لآخر عمره، كما كانت مقارنة لأوله، وكأنها لما سمعت ذلك امتلأت تعجبًا فاستخفها ذلك إلى الاستعجال بالسؤال قبل إكمال المقال بأن ﴿قالت رب﴾ أيها المحسن إلى ﴿أنّى﴾ أي من أين وكيف ﴿يكون لي﴾ ولما كان استبعادها لمطلق الحبل، لا بقيد كونه ذكرًا كما في قصة زكريا ﵇ قالت ﴿ولد﴾ وقالت: ﴿ولم يمسسني بشر﴾ لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط. قال الحرالي: والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في أعلى قامته، من معنى البشرة، وهو ظاهر لاجلد انتهى (ولعل هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك ﵇ أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ الفهم بأن ﴿قال كذلك﴾ أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن العالم الرتبة يكون ما بشرتك به) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من
[ ٤ / ٤٠٠ ]
غير سبب أصلًا عبر في تعليل ذلك بالخلق فقال: ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه ﴿يخلق﴾ أي يقدر ويصنع ويخترع ﴿ما يشاء﴾ فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى ﵇ من جعل الشيخ كالشاب، ثم علل ذلك بما بين سهولته فقال: ﴿اذا قضى أمرًا﴾ أي جل أو قل ﴿فإنما يقول له كن فيكون *﴾ بيانًا للكلمة، فلما أجابها عما شغل قلبها من العجب فتفرغ الفهم أخذ في إكمال المقال بقوله عطفًا علي ﴿ويكلم الناس﴾ بالياء كما قبله في قراءة نافع وعاصم، وبالنون في قراءة الباقين نظرًا إلى العظمة إظهارًا لعظمة العلم: ﴿ويعلمه﴾ أو يكون مستأنفًا فيعطف على ما تقديره: فنخلقه كذلك ونعلمه ﴿الكتاب﴾ أي الكتابة أو جنس الكتاب فيشمل ذلك معرفة الكتاب وحفظه وفهمه وغير ذلك من أمره ﴿والحكمة﴾ أي العلوم الإلهية
[ ٤ / ٤٠١ ]
لتفيده تهذيب الأخلاق فيفيض عليه قول الحق وفعله على أحكم الوجوه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء مما يبرمه.
ولما وصفه بالعلوم النظرية والعملية فصار متأهلًا لأسرار الكتب الإلهية قال: ﴿والتوراة﴾ أي التي تعرفينها ﴿والإنجيل *﴾ بإنزاله عليه تاليًا لهما، وتأخيره في الذكر الشرط فيقتضي اتصاف كل مقضي بهذه الأوصاف كلها.
ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله ما مضى مقدمات لها: ﴿ورسولًا﴾ عطفًا على «تاليًا» المقدر، أو ينصب بتقدير: يجعله ﴿إلى بني إسراءيل﴾ أي بالإنجيل. ولما كان ذكر الرسالة موجبًا لتوقع الآية دلالة على صحتها، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقرونًا بحرف التوقع فقال: ﴿أني﴾ أي ذاكرًا أني ﴿قد جئتكم بآية من ربكم﴾ أي الذي طال إحسانه إليكم، ثم أبدل من «آية» ﴿إني أخلق لكم﴾ أي لأجل تربيتكم بصنائع الله
[ ٤ / ٤٠٢ ]
﴿من الطين﴾ قال الحرالي: هو متخمر الماء والتراب حيث يصير متهيئًا لقبول وقع الصورة فيه ﴿كهيئة﴾ وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس - انتهى وهي الصورة المتهيئة لما يراد منها ﴿الطير﴾ ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله معقبًا للتصوير: ﴿فأنفخ﴾ قال الحرالي: من النفخ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى. ﴿فيه﴾ أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة ﴿فيكون طيرًا﴾ أي طائرًا بالفعل - كما في قراءة نافع، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله: ﴿بإذن الله﴾ أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيرًا بخلق آدم ﵇ من تراب، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك.
ولما ذكر ما يشبه أمر آدم ﵇ أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه، وكان الغلب عليهم الطب وبدأ بأجزائها فقال: ﴿وأبرىء﴾ قال الحرالي: من الإبراء
[ ٤ / ٤٠٣ ]
وهو تمام التخلص من الداء، والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى.
﴿الأكمه والأبرص﴾ بإيجاد ما فقد منها من الروح المعنوي؛ والكمه - قال الحرالي - ذهاب البصر في أصل معناه: تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه، ومنه براص الأرض - لبقع لا نبت فيها، ومنه البريص في معنى البصيص، فما تلمع من الجلد على غير حاله فهو لذلك برص وقال الحرالي: البرص عبارة عن سور مزاج يحصل بسببه تكرج، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد - انتهى.
ولما فرغ من رد الأرواح إلى جزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال: ﴿وأحي الموتى﴾ أي برد أرواحهم إلى أشباحهم، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل، وقد أعطاني قوة ذلك،
[ ٤ / ٤٠٤ ]
وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال: «أتى رجل رسول الله ﷺ فذكر أنه طرح بنيّة له في وادي كذا، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها: يا فلانة! أجيبي بإذن الله ﷾! فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك! فقال لها: إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أردك إليهما، فقالت: لا حاجة لي بهما، وجدت الله خيرًا لي منهما» وقد تقدم في البقرة عند ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] ما ينفع هنا، وقصة قتادة ابن دعامة في رده ﷺ عينه بعد أن أصابها سهم فسالت على خده، فصارت أحسن من أختها شهيرة، وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراه الله ﷾ له من البرص ببرّه لأمه كذلك.
ولما كان ذلك من أمر الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات الملكوتيه ربما أورث لبسًا في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له، مزيلًا للبس وموضحًا للأمر فقال مكررًا لما قدمه في مثله معبرًا بما يدل على عظمه: ﴿بإذن الله﴾ أي بعلمه وتمكينه،
[ ٤ / ٤٠٥ ]
ثم أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال: ﴿وأنبئكم﴾ أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب ﴿بما تأكلون﴾ أي مما لم أشاهده، بل تقطعون بأني كنت غائبًا عنه ﴿وما تدخرون﴾ ولما كان مسكن الإنسان أعز البيوت عنده وأخفى لما يريد أن يخفيه قال: ﴿في بيوتكم﴾ قال الحرالي: من الادخار: افتعال من الدخرة، قلب حرفاه الدال لتوسط الدال بين تطرفهما في متقابلي حالهما؛ والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار، وما كانت لتكسب فيما يكون من القوام فهو احتكار - انتهى.
ولما ذكرهذه الخوارق نبه على أمرها بقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم ﴿لآية لكم﴾ أي أيها المشاهدون على أني عبد الله ومصطفاه، فلا تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني، فإني لم أعمل شيئًا منها إلا ناسبًا له إلى الله ﷾ وصانعًا فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء، وأفرد كاف الخطاب أولًا لكون ما عده ظاهرًا لكل أحد على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم، وكذا
[ ٤ / ٤٠٦ ]
جمع ثانيًا قطعًا لتعنت من قد يقول: إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار جميعهم - لو جمع الأول، وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد في الثاني، ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال: ﴿إن كنتم مؤمنين *﴾ أي مذعنين بأن الله ﷾ قادر على ما يريد، وأهلًا لتصديق ما ينبغي التصديق به.
ولما كان ترجمة ﴿إني قد جئتكم﴾ آتيًا إليكم بآية كذا، مصدقًا بها لما أتيت به، عطف على الحال المقدر منه تأكيدًا لأنه عبد الله قوله: ﴿ومصدقًا لما بين يدي﴾ أي كان قبل إتياني إليكم ﴿من التوراة﴾ أي المنزلة على أخي موسى ﵊، لأن القبلية تقتضي العدم الذي هو صفة المخلوق؛ أو يعطف على ﴿بآية﴾ إذا جعلنا الباء للحال، لا للتعدية، أي وجئتكم مصحوبًا بآية ومصدقًا.
ولما ذكر التوراة أتبعها ما يدل على أنه ليس كمن بينه وبين موسى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إقرارها كلها على
[ ٤ / ٤٠٧ ]
ما هي عليه وتحديد أمرها على ما كان زمن موسى ﵊ بل هو مع تصديقها ينسخ بعضها فقال: ﴿ولأحل﴾ أي صدقتها لأحثكم على العمل بها ولأحل ﴿لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ أي فيها تخفيفًا عليكم ﴿وجئتكم﴾ اية ليس مكررًا لتأكيد: ﴿أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين﴾ على ما توهم، بل المعنى - والله ﷾ أعلم - أن عيسى ﵊ لما أتاهم بهذه الخوارف التي من جملتها إحياء الموتى، وكان من المقرر عندهم - كما ورد في الأحاديث الصحيحة - التحذير من الدجال، وكان من المعلوم من حاله أنه يأتي بخوارق، منها إحياء ميت ويدعى الإلهية، كان من الجائز أن يكون ذلك سببًا لشبهة تعرض لبعض الناس، فختم هذا الدليل على رسالته بما هو البرهان الأعظم على عبوديته، وذلك مطابقته لما دعا إليه الأنبياء والمرسلون كلهم من إخلاص العبادة لله ﷾ فقال: وجئتكم ﴿بآية﴾ أي عظيمة خارقة للعادة ﴿من﴾ عند ﴿ربكم﴾ أي المحسن إليكم بعد التفرد بخلقكم، وهي أجل الأمارات وأدلها على صدقي في رسالتي، هو عدم تهمتي بوقوع شبهة في عبوديتي.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
ولما تقرر بذكر الآية مرة بعد مرة مع ما أفادته من تأسيس التفصيل لأنواع الآيات تأكيد رسالته تلطيفًا لطباعهم الكثيفة، فينقطع منها ما كانت ألفته في الأزمان المتطاولة من العوائد الباطلة سبب عن ذلك ما يصرح بعبوديته أيضًا فقال مبادرًا للإشارة إلى أن الأدب مع المحسن آكد والخوف منه أحق وأوجب لئلا يقطع إحسانه ويبدل امتنانه ﴿فاتقوا الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿وأطيعون *﴾ أي في قبولها فإن التقوى مستلزمة لطاعة الرسول.
[ ٤ / ٤٠٩ ]