ولما كان فرق البحر للإبقاء البدني وكان إنزال الكتاب للإبقاء الديني عقبه به وكان الطبع السليم والمزاج المستقيم يقتضي إحسان العمل
[ ١ / ٣٦٠ ]
زمن المواعدة واستعطاف المواعد والترفق له والتملق بما تحقق الرجاء في إنجاز وعده لا سيما بعد بليغ إحسانه بالإنجاء من العدو وإهلاكه نعى عليهم عملهم بخلاف ذلك بقوله: ﴿وإذ﴾ . وقال الحرالي: لما ذكّرهم تعالى بأمر الوفاء بالعهد الذي هو خاتمة أمرهم وبالتفصيل الذي كان بادية أمرهم نظم ذلك بالأمر المتوسط بين الطرفين الذي أعلاه مواعدة موسى ﵇ ربه الذي النعمة عليه نعمة عليهم فقال: وإذ ﴿واعدنا﴾ من
[ ١ / ٣٦١ ]
الوعد وهو الترجية بالخير، ووعدنا من المواعدة وهي التقدم في اللقاء والاجتماع والمفاوضة ونحوه ﴿موسى﴾ كلمة معربة من لفظ العبراني بما تفسيره فيما يقال ماء وشجر، سمي به لما أودع فيه من التابوت المقذوف في اليم ﴿أربعين ليلة﴾ هي كمال وقت الليل والليل وقت انطماس المدركات الظاهرة - انتهى. وخص الليل بالذكر إشارة إلى أن ألذ المناجاة فيه وإلى أنه لا نوم في تلك المدة بل المناجاة عامة لليلها ونهارها، وانتصب أربعين بوقوعه موقع المفعول الثاني لوعدنا أي انقضاء أربعين أي الكلام أو إنزال التوراة عند انقضاء الأربعين وهي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل ذو الحجة وعشر من المحرم. قال الحرالي: وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات حبس النفس عما به قوامها وكمال ذلك إنما
[ ١ / ٣٦٢ ]
هو الصوم وكمال العدد الذي هو طور مصير من حال إلى حال هو الأربعون، وذكر الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته صباح من ظلمة الكون في حال خصوص الخلقة من حيث إن الظلمة آية على فوت مرام نور الحق والنهار آية على ظهور نور الحق وأول بادٍ بدأ من الحق للخلق كلامه لمصطفى من خلقه بغير واسطة وهو بعد في دنياه وفي أرضه التي كانت سجنًا، فلما جاءها الحق لعبد من عبيده مناجيًا له كما يأتيها يوم الجزاء بعد البعث صارت موطن رحمة وهدى ونور وهو مجيء الله سبحانه من سيناء المذكور في الكتاب الأول - انتهى. وهذا دون قصة المعراج التي كانت لنبينا ﷺ في اختراق السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى وسمع الكلام من غير واسطة ورجع إلى بيته في ليلته وقد قطع من المسافات ما مسيرته خمسون ألف سنة كما سأبينه إن شاء الله تعالى في سورة السجدة.
ولما كانت الأنفس الأبيّة والهمم العلية تقتضي النفرة من الظالم والأنفة من كل ما ينسب إليه ويذكّر به وكانوا قد اتخذوا من آثار آل فرعون من حليهم ما دخلوا في رقه وعبوديته وكانت مشاهدتهم لما رأوا من الآيات مقتضية لغاية البعد من الكفر عبر عن مواقعتهم له
[ ١ / ٣٦٣ ]
بثم فقال: ﴿ثم اتخذتم﴾ قال الحرالي: من الاتخاذ وهو افتعال مما منه المواخذة كأنه الوخذ، وهو تصيير في المعنى نحو الأخذ في الحس، وفيه تكلف، ﴿العجل﴾ وذكر في هذا التقرير أصل المواعدة وذكر الميقات وتجاوز الخطاب ما بعد ذلك من مهل حسب ما تفهمه كلمة ثم، فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير ثم تعقبوا ذلك بالتزام عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى عمل من لا عقل له ولا بقية نظر له من اتخاذ جسد عجل إلهًا بعد معرفة آثار الإلهية على الغيب، ففيه تعجيب من أن موسى ﵇ إنما واعده الله بالمناجاة بعد ميقات أربعين صومًا ونسكًا وتحنثًا وانقطاعًا إلى ربّه ثم يرونهم أنهم شهدوا الإله مصورًا محسوسًا على أن موسى الذي ناجاه ربّه منع الرؤية فكيف
[ ١ / ٣٦٤ ]
بهم وذلك هو ظلمهم، فوضعوا الإله محل الشيء المحسوس وهو تعالى قد تعالى عن أن يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه وإنما ناجاه بعد ميقاته، وهم يهمون في تألّه مرئي من غير مواعدة ولا اختصاص! وفي قوله تعالى ﴿من بعده﴾ أي من بعد إتيانه لميعادنا إضمار لذكر موسى ﵇ تقريرًا لما كان ينبغي أن يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم به موسى
[ ١ / ٣٦٥ ]
من فوائد المناجاة، كما يكون من تعلق قلبه بمن هو قدوته، والبعد بعد عن حد يتخذ مبدأ ليكون سابقه قبل ولاحقه بعد - انتهى.
واثبات الجار لأن اتخاذهم ذلك لم يستغرق زمان البعد ﴿وأنتم ظالمون﴾ فاعلون فعل من هو في أظلم الظلام بعد أنجاءكم موسى بالنور المبين.
ولما كان ذلك مقتضيًا لأعظم السخط المقتضي من القادر للمعاجلة بالأخذ ذكرهم نعمة الإمهال بعده فقال مشيرًا إلى عظم الذنب والنعمة بأداة التراخي: ﴿ثم عفونا﴾ . وقال الحرالي: ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر العفو تقريرًا على تكرر
[ ١ / ٣٦٦ ]
تلافيهم حالًا بعد حال وقتًا بعد وقت، كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو، وخصه باسم العفو لما ذكر ذنوبهم، لأن المغفور له لا يذكر ذنبه، فإن العفو رفع العقوبة دون رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة - انتهى. ﴿عنكم﴾ ولم نعاجلكم بالأخذ، وفي قوله تعالى ﴿من بعد ذلك﴾ أي الذنب العظيم إشعار بما أصابهم من العقوبة وخطاب لبقية المعفو عنهم، لينتهي الأمر فيهم إلى غاية يترجّى معها لبقيتهم الشكر - قاله الحرالي. وكان الإشعار من جهة أدخال من، على الظرفية، فاقتضى مهلة بين العفو والذنب لم يشملها العفو بل كان فيها عقوبة، كما اقتضى قوله: من بعده، مهلة بين اتخاذهم العجل وأول ذهاب موسى ﵇ للمناجاة؛ ويجوز أن يكون أفرد حرف الخطاب إشارة إلى أنه لا يعلم جميع ما في دينهم من الشناعة إلا إمام أهل التوحيد النبي ﷺ ﴿لعلكم تشكرون *﴾ أي
[ ١ / ٣٦٧ ]
ليكون حالكم حال من يتوقع منه الشكر.
قال الحرالي: وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر، يقال: دابة شكور، إذا أنجح مأكلها بظهور سمنها؛ وفيه إشعار بأن منهم من يشكر وفيهم من يتمادى بما في ترجي كلمة لعل، من الإبهام المشعر بالقسمين والمهيىء لإمكان ظهور الفريقين حتى يظهر ذلك لميقاته، لأن كل ما كان في حق الخلق ترددًا فهو من الله سبحانه إبهام لمعلومه فيهم؛ على ذلك تجري كلمة لعل وعسى ونحوها - انتهى.
[ ١ / ٣٦٨ ]
ولما كان في ذلك دليل على سوء طباعهم وعكس مزاجهم وأنهم لا يحفظون عهدًا ولا يستقيمون على نهج ذكرهم بنعمة الكتاب الذي من شأنه الضبط في جميع الأحوال بالرجوع إليه عند الضلال فقال: وقال الحرالي: لما ذكر تعالى أمر موسى ﵇ وهو خاص أمرهم فصل لهم أمر ما جاء به موسى وما كان منهم فميا جاء به - انتهى. فقال ﴿وإذ اتينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿موسى الكتاب﴾ أي الكامل في نفسه الجامع لكم على طريق الحق. ولما كان الكتاب مع كونه جامعًا لما أريد منه فارقًا بين الملبسات وصفه بقوله ﴿والفرقان﴾ أي المبين للأشياء على ما هي عليه من غير أن يدع في شيء لبسًا. قال الحرالي: فقررهم على أمرين من الكتاب الذي فيه أحكام الأعمال والفرقان الذي فيه أمر العلم وهما مِلاك حال إقامة الدين بالعلم والعمل؛ والفرقان، فُعلان
[ ١ / ٣٦٩ ]
لفظ مبالغة يفهم استغراقًا وامتلاء وعظمًا فيما استعمل فيه وهو في هذا اللفظ من الفرق وهو إظهار ما ألبسته الحكمة الظاهرة للأعين بالتبيان لفرقان لبسه بما تسمعه الأذن، وجاء فيه بكلمة لعل، إشعارًا بالإبهام في أمرهم وتفرقتهم بين مثبت لحكم الكتاب عامل به عالم بطية الفرقان خبير به وبين تارك لحكم الكتاب غافل عن علم الفرقان - انتهى. فقال تعالى ﴿لعلكم تهتدون *﴾ أي ليكون حالكم حال من ترجى هدايته فيغلب حلمه جهله وعقله شهوته، ولهذا الختم تلاه بما هداهم به بما ألزمهم من
[ ١ / ٣٧٠ ]
النقمة الزاجرة عن مثل ذلك من قتل الأنفس فقال: ﴿وإذ﴾ .
قال الحرالي: لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات بما تقدم من ندائهم والعطف على ما في صلته صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه ﷺ لهم، فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم ترفيعًا لأقدارهم لديه، فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء، ويوقف من شاء فيجعل بينه وبينه في الخطاب واسطة من نبيه، فلما قررهم بما مضى من التذكير على ما واجههم به الحق تعالى ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به نبيهم حين أعرض الحق عن خطابهم
[ ١ / ٣٧١ ]
بما أصابوه من قبيح خطيئتهم - انتهى.
فقال ﴿وإذ قال موسى لقومه﴾ العابد للعجل والساكت عنه، والقوم قال الحرالي اسم من لهم منة في القيام بما هم مذكورون به، ولذلك يقابل بلفظ النساء لضعفهن فيما يحاولنه؛ وفيه تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما أصابهم في خطاب ربهم فيعرض عنهم - انتهى. ﴿يا قوم﴾ وأكد لعراقتهم في الجهل بعظيم ما ارتكبوه وتهاونهم به لما أشربوا في قلوبهم من الهوى فقال ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم﴾ ظلمًا تستحقون به العقوبة ﴿باتخاذكم العجل﴾ أي الهًا من دون الله، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها شيئًا ولمن هي أشرف منه، فأنزلتموها من رتبة عزها بخضوعها لمولاها الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه إلى ذلها بخضوعها لمن هو دونكم أنتم، هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل ويتعبد لمثله فكيف
[ ١ / ٣٧٢ ]
لمن دونه من حيوان! فكيف بما يشبه بالحيوان من جماد الذهب الذي هو من المعادن وهو أخفض المواليد رتبة حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض كالنبات من النجم والشجر ولما فيه من الانتفاع بما يكون من الحب والثمر الذي يُنتفع به غذاء ودواء والمعادن لا ينتفع بها إلا آلات ونقودًا منفعتها إخراجها لا إثباتها - قاله الحرالي: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ الذي فطركم من قبل أن تتخذوا العجل بريئين من العيب
[ ١ / ٣٧٣ ]
مع إحكام الخلق على الأشكال المختلفة. وقال الحرالي: البارىء اسم قائم بمعنى البرء وهو إصلاح المواد للتصوير، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفًا وقميصًا، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزًا وفخارًا ونحو ذلك، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته - انتهى.
ولما كانت توبتهم بقتل أقاربهم وإن كانوا آباء أو أبناء عبر عنهم بالنفس لذلك وإشارة إلى خبث ما ارتكبوا فقال ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ أي التي أوجدها فقادتكم إلى غيره. قال الحرالي: والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته بمنزلة قصل الزرع قبل استحصاده - انتهى. ولما كان
[ ١ / ٣٧٤ ]
ما أمرهم به أمرًا لا يكاد يسمح به عظّم الرغبة فيه بقوله ﴿ذلكم﴾ أي الأمر العظيم وهو القتل ﴿خير لكم﴾ والخير قال الحرالي ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء وما هو الأصلح وما هو الأخير، وربما استعملت منه خيرٌ محذوفة فيقال: هو خير في نفسه، أي مما يختار، ويقال: هذا خير من هذا، أي أخير منه أي أصلح في الاختيار، وكذلك لفظ شر في مقابله وهما مشعران بمتوسط من الأشياء لا يختار لأجل زيادة صلاح ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة ﴿عند﴾ كلمة تفهم اختصاص ما أضيفت إليه بوجه مّا عام وأخص منه لدن، فلدن خاصتها وعند عامتها، كالذي يملك الشيء فهو عنده وإن لم يكن في حضرته - انتهى.
[ ١ / ٣٧٥ ]
﴿بارئكم﴾ أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم، وفي التعبير بالبارىء ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان.
ولما كان التقدير ففعلتم التوبة المأمور بها بأن قتل بعضكم بعضًا بتوفيقه لكم سبحانه مع ما فيه من عظم المشقة عطف عليه قوله ﴿فتاب عليكم﴾ أي مع عظم جرمكم، ولولا توبته عليكم ما تبتم؛ ثم علل ذلك بقوله ﴿إنه﴾ أي لأنه ﴿هو التواب الرحيم﴾ أي ما زال هذا صفة له لا لاستحقاق منكم عليه قال الحرالي: وفي إظهار هو مفصولة من ضمير
[ ١ / ٣٧٦ ]
وصلها إثبات معنى الرحمة لله ثبتًا لا يتبدل ولا يتغير إلا أنه من وراء غيب ما شاء الله من أدب وامتحان وعقاب، فلذلك ختمه باسمه الرحيم، لأن الختم أبدى إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى.
ولما استتيبوا عن عبادة العجل التي تقيدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثل في الغباوة طلبوا رؤية بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال التي تأبى الابتذال ناسين لجميع النعم والنقم مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر والحال أن الفرقان الذي لا يدع شبهة ولا يبقى حيرة قائم بين أيديهم، لأنهم من الجمود والوقوف مع الوهم والحس بمكان عظيم، فذكرهم سبحانه ذلك مسليًا للنبي ﷺ في إبائهم للإيمان به بما فعلوا مع موسى ﵇ وهو أحدهم
[ ١ / ٣٧٧ ]
فقال ﴿وإذ قلتم﴾ أي بعد ما رأيتم من الآيات وشاهدتم من الأمور البينات ﴿يا موسى﴾ فدعوتموه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو بعضكم بعضًا ولم تخصوه بما يدل على تعظيمه لما رأيتم من إكرام الله له وإكرامكم على يده ﴿لن﴾ وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن كأنها لا أن، يُسِّر بالتخفيف لفظها - قاله الحرالي. ﴿نؤمن لك﴾ أي لأجل قولك. قال
[ ١ / ٣٧٨ ]
الحرالي: وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به فتوقفوا عن الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور لأجله، ومن آمن به فقد قَبِل أصل رسالته ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ [التوبة: ٦١] ﴿حتى﴾ كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى لكي ﴿نرى﴾ من الرؤية وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه مبصره الذي أظهره منه منظره، ومنه يقال في مطلع المنام: رؤيا، لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة - انتهى. ﴿الله﴾ أي مع ما له من العظمة ﴿جهرة﴾ أي عيانًا من غير خفاء ولا نوع لبس. قال الحرالي: من الجهر وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة
[ ١ / ٣٧٩ ]
وبلاغه لمن لا يقصد في مقابلة السر المختص بمن يقصد به، وهذا المطلوب مما لا يليق بالجهر لتحقيق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوّزه القرب من خاصة من يقبل عليه النداء من خاصة من يقع عنه الإعراض، فكيف أن يطلب ذلك جهرًا حتى يناله من هو في محل البعد والطرد! وفيه شهادة بتبلدهم عن موقع الرؤية، فإن موسى ﵇ قال
﴿رب أرني﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة *﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] وقال ﵊: «إنكم ترون ربكم» فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب لما في اسم الله تعالى من الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت لا مع ما هو في المعنى نيل، وذلك لسر من أسرار
[ ١ / ٣٨٠ ]
العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى فيما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به وإن كانت الأسماء كلها ترجع معاني بعضها لبعض، ﴿فأخذتكم﴾ من الأخذ وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى. أي لقولكم هذا لما فيه من الفظاعة وانتهاك الحرمة، ﴿الصاعقة﴾ قيل: هي صيحة، وقيل: نار نزلت من السماء فأحرقتهم، ويؤيده قوله ﴿وأنتم تنظرون *﴾ أي تلك
[ ١ / ٣٨١ ]
الصاعقة فأماتتكم، لأنكم كنتم في طلبكم رؤيته على ضرب من حال عبدة العجل، فأماتكم كما أماتهم بالقتل.
ولما كان إحياؤهم من ذلك في الدار في غاية البعد وخرق العادة عبر عنه بأداة التراخي ومظهر العظمة فقال ﴿ثم بعثناكم﴾ أي بما لنا من العظمة بالإحياء. قال الحرالي: من البعث وهو الاستثارة من
[ ١ / ٣٨٢ ]
غيب وخفاء، أشده البعث من القبور، ودونه البعث من النوم؛ قال: وتجاوز الخطاب ما كان من سبب بعثهم، وكذلك كل موضع يقع فيه ثم، ففيه خطاب متجاوز مديد الأمد كثير رتب العدد مفهوم لمن استوفى مقاصد ما وقعت كلمة ثم، بينه من الكلامين المتعاطفين؛ ففي معنى التجاوز من الخطاب سؤال موسى ﵇ ربه في بعثهم حتى لا يكون ذلك فتنة على سائرهم - انتهى.
ولما كان ربما ظن أن البعث من غشى ونحوه حقق معناه مبينًا أنه لم يستغرق زمن البعد بقوله: ﴿من بعد موتكم﴾ أي هذا بتلك الصاعقة، وقال دالًا على أن البعث إلى هذه الدار لا يقطع ما بنيت عليه من التكليف لأنها دار الأكدار فلا بد من تصفية الأسرار فيها بالأعمال
[ ١ / ٣٨٣ ]
والأذكار ﴿لعلكم تشكرون﴾ أي لتصير حالكم حال من يصح ترجي شكره لهذه النعمة العظيمة، وكل ما جاء من لعل، المعلل بها أفعال الرب ﵎ ينبغي أن تؤول بنحو هذا، فإن لعل، تقتضي الشك لأنها للطمع والإشفاق فيطمع في كون مدخولها ويشفق من أن لا يكون، وتارة يكون الشك للمخاطب وتارة يكون للمتكلم، ولو قيل: لتشكروا، لم يكن هناك شك - قاله الرماني في سورة يوسف ﵇.
وقال الحرالي: وفي لعل، إبهام معلومه فيهم بأن منهم من يشكر ومنهم من لا يشكر - انتهى. وسيأتي في سورة طه إن شاء الله تعالى عن نص سيبويه في كتابه ما يؤيد ما ذكرته.
وفي هذه الآية وما تقدمها من آية ﴿واتقوا يومًا لا تجزي نفس﴾ تنبيه للعرب من غفلتهم في إنكار البعث وإرشاد إلى سؤال ممن يغرّهم من أهل الكتاب بأنهم أولى بالحق من المسلمين عن هذه القصة التي وقعت لأسلافهم من إحيائهم بعد موتهم، وكذا ما أتى في محاوراتهم من قصة
[ ١ / ٣٨٤ ]
البقرة ونحوها مما فيه ذكر الإحياء في هذه الدار أو في القيامة. قال الحرالي: وفيه أي هذا الخطاب آية على البعث الآخر الذي وعد به جنس بني آدم كلهم فجأة صعق وسرعة بعث، فإن ما صح لأحدهم ولطائفة منهم أمكن عمومه في كافتهم - انتهى.
ولما ذكرت الصاعقة الناشئة غالبًا من الغمام كان أنسب الأشياء إيلاءها ذكر تظليل الغمام وناسب التحذير من نقمة الإحراق بالصاعقة والتذكير بنعمة الإيجاد من الموت الإتباع بذكر التنعيم في الإبقاء بالصيانة عن حر الظاهر بالشمس والباطن بالجوع.
[ ١ / ٣٨٥ ]