وقال الحرالي وعطف تعالى على ذكر البعث ذكر حال من مثل أحوال أهل الجنة الذي ينالونه بعد البعث، فكأن عامتهم الذين لم يموتوا إنما شركوا هؤلاء المبعوثين لكونهم كأنهم ماتوا بموتهم وبعثوا ببعثهم، فذكر ظل الغمام وهو من أمر ما بعد البعث والأرزاق بغير كلفة وهو من حال ما بعد البعث وأفهم ذلك أمورًا أخر في أحوالهم كما يقال إن ملابسهم كانت تطول معهم كلما طالوا فكأنهم أخرجوا من أحوال أهل الدنيا بالجملة إلى شبه أحوال أهل الجنة في محل تيههم ومستحق منال العقوبة لهم كل ذلك إنعامًا عليهم، ثم لم يزيدوا مع
[ ١ / ٣٨٥ ]
ذلك إلا بعدًا عن التبصرة في كل ما أبدي لهم من العجائب - حدث عن بني إسرائيل ولا حرج فقال: ﴿وظللنا﴾ من الظلة وهو وقاية مما ينزل من سماء الموقي و﴿عليكم الغمام﴾ من الغم وهو ما يغم النور أي يغطيه -
[ ١ / ٣٨٦ ]
انتهى. أي فعلنا ذلك لترفيه أجسامكم وترويح أرواحكم، وعن مجاهد أن الغمام أبرد من السحاب وأرق وأصفى ﴿وأنزلنا عليكم المن﴾ قال الحرالي: هو ما جاء بغير كلفة، الكمأة من المن - انتهى. ﴿والسلوى﴾ أي لطعامكم على أن المن من الغمام، وحشر السلوى إليهم بالريح المثيرة له فنظمها به على غاية التناسب. قال الحرالي: والسلوى اسم صنف من الطير يقال هو السماني أو غيره - انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف أنه غير السماني وأنهم خصوا به إيذانًا بقساوة قلوبهم.
وهذه الخارقة قد كان صحابة نبينا ﷺ غنيين عنها بما كان النبي ﷺ كلما احتاجوا دعا بما عندهم من فضلات الزاد فيدعو، فيكثره الله حتى يكتفوا من عند آخرهم، وأعطى أبا هريرة ﵁ تمرات وأمره أن يجعلها في مزود وقال له: أنفق ولا تنثرها، فأكل منه سنين وأنفق منه أكثر من خمسين وسقًا. وبارك لآخر في قليل شعير وأمره أن لا يكيله، فلم يزل ينفق منه على نفسه
[ ١ / ٣٨٧ ]
وامرأته وضيفه حتى كاله فنفي، فقال النبي ﷺ: «لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم» وكان نحو ذلك لعائشة ﵂ بعد موت النبي ﷺ. وكذا لأم مالك ﵂ في عكة سمن لم تزل تقيم لها أدمها حتى عصرتها. ومثل ذلك كثير في دلائل النبوة للبيهقي وغيره. وقيل لكم ﴿وكلوا﴾ ودل على أنه أكثر من كفايتهم بقوله ﴿من طيبات﴾ جمع طيبة. قال الحرالي: والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيّبه من سوى الأكل له أي لم ينازعه وليس فيه حق لغيره، ومنه الطيب في المذاق وهو الذي لا ينازعه تكره في طعمه، وهذا زاد على ذلك بكونه لم يكن عن عمل حرث
[ ١ / ٣٨٨ ]
ولا معاملة مع خلق - انتهى.
﴿ما رزقناكم﴾ أي على عظمتنا التي لا تضاهى.
ولما لم يرعوا هذه النعم أعرض عنهم للإيذان باستحقاق الغضب. وقال الحرالي: ثم أعرض بالخطاب عنهم وأقبل به على محمد ﷺ ومن معه - انتهى. فقال ﴿وما﴾ أي فظلموا بأن كفروا هذه النعم كلها وما ﴿ظلمونا﴾ بشيء من ذلك ﴿ولكن كانوا﴾ أي جبلة وطبعًا ﴿أنفسهم﴾ أي خاصة ﴿يظلمون *﴾ لأن ضرر ذلك مقصور عليهم. قال الحرالي: وفيه إشعار بتحذير هؤلاء أن يروا نحوًا مما
[ ١ / ٣٨٩ ]
رأوا فينالهم نحو مما نالوه، لأن قصص القرآن ليس مقصوده مقصورًا على ذكر الأولين فقط بل كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه - انتهى.
ولما كان كل من ظل الغمام ولزوم طعام واحد غير مألوف
[ ١ / ٣٩٠ ]
لهم مع كونه نعمة دنيوية وكان المألوف أحب إلى النفوس تلاه بالتذكير بنعمة مألوفة من الاستظلال بالأبنية والأكل مما يشتهى مقرونة بنعمة دينية. وقال الحرالي: لما ذكر تعالى عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم في تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وهو مبتدأ أمر تيههم حين أبوا أن يقاتلوا الجبارين نظم به آخر أمر تيههم بعد وفاة موسى وهارون ﵉ حين دخولهم مع يوشع ﵇ وما أمروا به من دخول البلد المقدس متذللين بالسجود الذي هو أخص رتب العبادة وكمال عمل العامل ودنو من الحق - انتهى. فقال تعالى ﴿وإذ قلنا﴾ أي لكم ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ إشارة إلى نعمة النصر. قال الحرالي: الدخول الولوج في الشيء بالكلية حسًا بالجسم ومعنى بالنظر والرأي، والقرية من القرى وهو الجمع للمصالح التي بها يحصل قوام الدنيا لقرى أهل الدنيا والتي تجمع مصالح أهل الآخرة، لقرى أهل الآخرة، قال ﵇: «أُمرت بقرية تأكل القرى» باستيطانها كأنها تستقري القرى تجمعها
[ ١ / ٣٩١ ]
إليها، وقد تناوبت الياء والهمزة والواو مع القاف والراء على عام هذا المعنى - انتهى. وناسب سياق النعم الدلالة على تعقيب نعمة الدخول بالفاء في قوله: ﴿فكلوا منها حيث شئتم﴾ وأتمّ النعمة بقوله ﴿رغدًا﴾ موسعًا عليكم طيبًا. قال الحرالي: وفيه أي هذا الخطاب تثنية في ذكر الأرض لما تقدم من نحوه لآدم في السماء، فكان تبديلهم لذلك عن فسق لا عن نسيان كما كان أمر آدم ﵇، فكأنهم اقتطعوا عن سنته إلى حال الشيطان الذي كان من الجن ففسق عن أمر ربه، فتحقق ظلمهم حين لم يشبهوا آباءهم وأشبهوا عدو أبيهم - انتهى. وأمرهم بالشكر على نعم النصر والإيواء وإدرار الرزق بأمر يسير
[ ١ / ٣٩٢ ]
من القول والفعل، وقدم الدخول السار للنفوس والسجود الذي هو أقرب مقرب للحضرة الشريفة لأنه في سياق عد النعم على القول المشعر بالذنب فقال ﴿وادخلوا الباب﴾ وهو كما قال الحرالي أول مستفتح الأشياء
[ ١ / ٣٩٣ ]
والأمور المستغلقة حسًا أو معنى حال كونكم ﴿سجدًا وقولوا﴾ جامعين إلى ندم القلب وخضوع الجوارح الاستغفار باللسان، ولما كان القول تحكى به الجمل فتكون مفعولًا بها ويعمل في المفرد إذا كان مصدرًا أو صفة لمصدر كقلت حقًا أو معبرًا به عن جملة كقلت شعرًا وما كان على غير هذا كان إسنادًا لفظيًا لا فائدة فيه غير مجرد الامتثال رفع قوله ﴿حطة﴾ أي عظيمة لذنوبنا.
قال الكشاف: والأصل النصب أي حط عنا ذنوبنا إلاّ أنه رفع ليعطي معنى الثبات. قال الحرالي: من الحط وهو
[ ١ / ٣٩٤ ]
وضع الحمل الثقيل بمُنّة وجمام قوة يكون في الجسم، والمعنى أمروا بقول ما يحط عنهم ذنوبهم التي عوّقتهم من رسول الله ﷺ مع من معه من المهاجرين والأنصار بشعب من الشعاب مترددًا بين الحرمين الشريفين - يعني في عمرة الحديبية - فقال قولوا: «لا إله إلاّ الله» وعند ذلك دخول الشعب الذي هو باب المدخل من نجد الأرض إلى سهلها «فقالوها، فقال: والذي نفسي بيده! إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل أن يقولوها فبدلوها» انتهى. وعبر بنون العظمة في قوله ﴿نغفر لكم﴾ إشارة إلى أنه لا يتعاظمه ذنب وإن عظم كاتخاذ العجل إذا جُبّ بالتوبة، وفي قراءة من قرأ بالتحتانية والفوقانية مبنيًا للمجهول إشارة إلى تحقير الذنوب إذا أراد غفرانها بحيث إنه بأدنى أمر وأدق إشارة بمحوها وهي أقل من أن يباشرها بنفسه المقدسة، كل ذلك استعطاف إلى التوبة. . والغفر
[ ١ / ٣٩٥ ]
قال الحرالي: ستر الذنب أن يظهر منه أثر على المذنب لا عقوبة ولا ذكر - ثم قال: ففي قراءة ﴿نغفر﴾ تول من الحق ومن هو من حزبه من الملائكة والرسل، وفي قراءة: تغفر، إبلاغ أمر خطابهم بما يفهمه التأنيث من نزول القدر، وفي قراءة الياء توسط بين طرفي ما يفهمه علو قراءة النون ونزول قراءة التاء، ففي ذلك بجملته إشعار بأن خطاياهم كانت في كل رتبة مما يرجع إلى عبادة ربهم وأحوال أنفسهم ومعاملتهم مع غيرهم من أنبيائهم وأمثالهم حتى جمعت خطاياهم جميع جهات الخطايا الثلاث، فكأنهم ثلاثة أصناف: صنف بدلوا، وصنف اقتصدوا، وصنف أحسنوا فيزيدهم الله ما لا يسعه القول و﴿هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] انتهى. ولما كان السياق هنا لتعداد النعم حسن أن يعبر عن ذنوبهم بجمع الكثرة فقال ﴿خطاياكم﴾ إشارة إلى أنهم أصروا عليها
[ ١ / ٣٩٦ ]
بحيث كادوا أن يجعلوا بإزاء كل نعمة ذنبًا، والخطايا جمع خطيئة من الخطأ وهو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو وَدِّ أن لا يخطىء - هكذا قال الحرالي، والظاهر أن المراد هنا ما كان عن عمد كائنًا ما كان، لأن ذلك أولى بسياق الامتنان والعقوبة بالعصيان.
قال في القاموس: والخطيئة الذنب أو ما تعمد منه والخطأ ما لم يتعمد، جمعه خطايا، وقرىء شاذًا: خطيئاتكم، بالجمع السالم الدال على القلة إشارة إلى أنّها وإن تكاثرت فهي في جنب عفوه قليل، وهذا بخلاف الأعراف فإن السياق هناك لبيان إسراعهم في الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وناسب عدّ النعم العطف على ما تقدم منها بقوله: ﴿وسنزيد المحسنين *﴾ أي بعد غفران ذنوبهم. قال الحرالي: جمع محسن من الإحسان
[ ١ / ٣٩٧ ]
وهو البلوغ إلى الغاية في حسن العمل، فيكون مع الخلق رؤية المرء نفسه في غيره فيوصل له من البر ما يجب أن يفعل معه، ورؤية العبد ربّه في عبادته، فالإحسان فيما بين العبد وربّه أن يغيب عن نفسه ويرى ربه، والإحسان فيما بين العبد وغيره أن يغيب عن غيره ويرى نفسه، فمن رأى نفسه في حاجة الغير ولم ير نفسه في عبادة الرب فهو محسن، وذلك بلوغ في الطرفين إلى غاية الحسن في العمل بمنزلة الحسن في الصورة - انتهى.
ولمّا كان هذا التصريح بالترغيب المتضمن للتلويح بالترهيب مقتضيًا للعاقل المبادرة إلى الطاعة بين أنه تسبب عنه أن بعضهم عصوا وكفروا هذه النعمة العظيمة ولم يقتصروا على ترك هذا الأمر بل بدلوه بدخولهم كما في الحديث «يزحفون على أستاههم قائلين: حبة في شعرة» أي جنس الحب في جنس الشعرة أي في الغرائر مطلوبنا لا الحطة وهي غفران
[ ١ / ٣٩٨ ]
الذنوب. قال الحرالي: أمروا بالإخلاص لله نظرًا إلى حياة قلوبهم فطلبوا الحنطة نظرًا إلى حياة جسومهم فقال تعالى ﴿فبدل﴾ من التبديل وهو تعويض شيء مكان شيء - انتهى. ﴿الذين ظلموا﴾ وأسقط: منهم، لما يأتي في الأعراف ﴿قولًا﴾ أي مكان القول الذي أمروا به.
ولما كان التبديل وإن كان يفهم التغيير لكنه يصدق بأدنى تغيير ولو أنه في اللفظ وإن اتّحد المعنى بيّن أنه مضاد له بحيث لا يمكن اجتماعهما بقوله: ﴿غير الذي قيل لهم﴾ فإن غيرًا كما قال الحرالي
[ ١ / ٣٩٩ ]
كلمة تفهم انتفاء وإثبات ضد ما انتفى، وقال: ذكر تعالى عدولهم عن كل ذلك واشتغالهم ببطونهم وعاجل دنياهم فطلبوا طعام بطونهم التي قد فرغ منها التقدير وأظهر لهم الغناء عنها في حال التيه بإنزال المن والسلوى إظهارًا لبلادة طباعهم وغلبة حب العاجلة عليهم فبدلوا كلمة التوحيد وهي لا إله إلاّ الله وهي الحطة بطلب الحنطة ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾
[ ١ / ٤٠٠ ]
[المائدة: ٦٦] ﴿ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦] «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» انتهى. وبيّن أنه خصّ المبدلين بالعتاب نعمة منه مع أن له أن يعم فقال ﴿فأنزلنا﴾ أي بعظمتنا بسبب ذلك ﴿على الذين ظلموا﴾ أي خاصة ﴿رجزًا﴾ قال الحرالي: هو أشد العذاب، وما جره أيضًا يسمى رجزًا مما يجب
[ ١ / ٤٠١ ]
أن يزجر عنه والزجر كف البهائم عن عدواها - انتهى. ولما كان الإنزال مفهمًا للسماء حققه تعظيمًا له بقوله: ﴿من السماء بما﴾ أي بسبب ما ﴿كانوا يفسقون *﴾ أي يجددون الخروج من الطاعة إلى المعصية في كل وقت. ففي إفهامه أنهم يعودون إلى الطاعة بعد الخروج منها وذلك مقتض لأن يكون يظلمون أشد منه كما يأتي. قال الحرالي: فبحق يجب على من دخل من باب جبل أو قرية أن يقول في وصيدها: لا إله إلاّ الله، ليحط عنه ماضي ذنوبه، فكأنّ ذكر الله في باب المدينة والشعب ذكاة لذلك المدخل، فمن لم يدخله مذكيًا دخله فاسقًا ﴿لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١] فلذلك ما انختم ذكرهم في الآية بالفسق - انتهى.
[ ١ / ٤٠٢ ]