ولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد عليهم أنواع الحجج فانقطعوا، فلم تبق لهم شبهة وقبلوا الصغار والجزية، فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من المحاجة ولم يبق إلا إظهار النتيجة، اقتضى ذلك عظم تشوفه ﷺ إليها لعظم حرصه ﷺ على هداية الخلق، فأمره بأن يذكرها مكررًا إرشادهم بطريق أخف مما مضى بأن يؤنسهم فيما يدعوهم إليه بالمؤاساة، فيدعو دعاء يشمل المحاجين من النصارى وغيرهم ممن له كتاب من اليهود وغيرهم إلى الكلمة التي قامت البراهين على حقيتها ونهضت الدلائل على صدقها،
[ ٤ / ٤٤٦ ]
دعاء لا أعدل منه، على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة التفضل عليهم والاختصاص بأمر دونهم، وذلك أنه بدأ بمباشرة ما دعاهم إليه ورضى لهم ما رضي لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال ﷾: ﴿قل﴾ ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام خاطبهم تلطفًا بهم بما يحبون فقال: ﴿يا أهل الكتاب﴾ إشارة إلى ما عندهم في ذلك من العلم ﴿تعالوا﴾ أي ارفعوا أنفسكم من حضيض الشرك الأصغر والأكبر الذي أنتم به ﴿إلى كلمة﴾ ثم وصفها بقوله: ﴿سواء﴾ أي ذات عدل لا شطط فيه بوجه ﴿بيننا وبينكم﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿ألا نعبد إلا الله﴾ أي لأنه الحائز لصفات الكمال، وأكد ذلك بقوله: ﴿ولا نشرك به شيئًا﴾ أي لا نعتقد له شريكًا وإن لم نعبده.
ولما كان التوجه إلى غير الله خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى عبر بصيغة الافتعال فقال: ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا﴾ أي كعزير والمسيح والأحبار والرهبان الذين يحلون ويحرمون. ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي بنوع تربية نبه على
[ ٤ / ٤٤٧ ]
أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد، والأجتراء على ما يختص به الله ﷾ فقال: ﴿من دون الله﴾ الذي اختص بالكمال.
ولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في سياق ظاهره المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسببًا عن ذلك مشيرًا بالتتعبير بأداة الشك إلى أن الإعراض عن هذا العدل لا يكاد يكون: ﴿فإن تولوا﴾ أي عن الإسلام له في التوحيد ﴿فقولوا﴾ أنتم تبعًا لأبيكم إبراهيم ﵇ إذ قال: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة: ١٣١] وامتثالًا لوصيته إذ قال: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٢] ﴿اشهدوا بأنا﴾ أي نحن ﴿مسلمون *﴾ أي متصفون بالإسلام منقادون لأمره، فيوشك أن يأمرنا نبيه ﷺ بقتالكم لنصرته عليكم جريًا على عادة الرسل، فنجيبه بما أجاب به الحواريون المشهدون بأنهم مسلمون، ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين عليه، وأنتم تعرفون أيامه الماضية ووقائعه السالفة.
ولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من محبة أبيهم إبراهيم ﵊ وأن محمدًا ﷺ أتى بدينة كما تقدم في قوله ﷾
﴿بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من
[ ٤ / ٤٤٨ ]
المشركين﴾ [البقرة: ١٣٥] اجتمع ملأ من قرابتهم بحضرة النبي ﷺ، وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصدًا لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم ﵊ بأنه ﷺ كان على دينهم، ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم، مع أن العقل يرده بأدنى التفات، لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم، وكتابهم إنما نزل على نبيهم، ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم ﵊ بدهور متطاولة، واليهود ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب ﵇، لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين لأمر مذكور في كتابهم، والنصارى ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى ﵊ في جبل الجليل، ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين ما حدث إلا بعده وعلى نسبة متأخرة عنه، وكان دينه ﷺ إنما هو الإسلام، وهو الحنيفية السمحة فقال ﷾ مبكتًا لهم: ﴿يا أهل الكتاب﴾ كالمعلل لتبكيتهم، لأن الزلة من العالم أشنع ﴿لم تحآجون في إبراهيم﴾ فيدعيه كل من فريقكم ﴿و﴾
[ ٤ / ٤٤٩ ]
الحال أنه ﴿ما أنزلت التوراة والإنجيل﴾ المقرر كل منهما لأصل دين متجدد منكم ﴿إلا﴾ ولما كان إنزال كتاب كل منهم غير مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل الجار فقال: ﴿من بعده﴾ وأعظم ما يتمسك به كل فرقة منهما السبت والأحد، ولم يكن ما يدعونه فيهما في شريعة إبراهيم ﵇، لا يقدرون على إنكار ذلك، ولا يأتي مثل ذلك في دعوى أنه مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان للدليل معنى قديم موجود من حين خلق الله العقل، والدليل أنه لا يقدر أحد أن يدعي أنه ما حدث إلا بعد إبراهيم ﵇ كما قيل في الدينين المذكورين.
ولما كان الدليل العقلي واضحًا في ذلك ختم الآية بقوله منكرًا عليهم ﴿أفلا تعقلون *﴾ أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زورًا وبهتانًا، وظننتم أن ذلك يخفى على من لا إلمام له بكتابكم، فكيف غفلتم عن البرهان العقلي! ثم استأنف تبكيتًا آخر فقال منبهًا لهم مكررًا التنبيه إشارة إلى طول رقادهم أو شدة عنادهم: ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ أي الأشخاص الحمقى، ثم بين ذلك بقوله: ﴿حاججتم﴾ أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد عليكم ﴿فيما لكم به علم﴾ أي نوع
[ ٤ / ٤٥٠ ]
من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لذكر كل منهما في كتابكم وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ما تعلمون من أحوالهما عنادًا أو طغيانًا ﴿فلم تحاجون﴾ أي تغالبون بما تزعمون أنه حجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة فضلًا عن أن يكون حجة ﴿فيما ليس لكم به علم﴾ اصلًا، لكونه لا ذكر له في كتابكم بما حاججتم فيه مع مخالفته لصريح العقل ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿يعلم﴾ أي وأنتم تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله ﷾، وتعلمون أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه ﴿وأنتم﴾ أي وتعلمون أنكم أنتم ﴿لا تعلمون *﴾ أي ليس لكم علم أصلًا إلا ما علمكم الله ﷾، هذا على تقدير كون «ها» في «ها أنتم» للتنبيه، ونقل شيخنا ابن الجزري في كتابه «النشر في القراءات العشر» عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي الحسن الأخفش أنها بدل من همزة، وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن أبا عمرو قال: وإنما هي ﴿أأنتم﴾ ممدودة، فجعلوا الهمزة
[ ٤ / ٤٥١ ]
هاء، والعرب تفعل هذا، فعلى هذا التقدير يكون استفهامًا معناه التعجيب منهم والتوبيخ لهم.
ولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفيى ﷾ عن إبراهيم ﵊ ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى، ونفى عنه كل شرك أيضًا، وأثبت أنه كان مائلًا عن كل باطل منقادًا مع الدليل إلى كل حق بقوله ﷾: ﴿ما كان إبراهيم يهوديًا﴾ أي كما ادعى اليهود ﴿ولا نصرانيًا﴾ كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل ﴿ولكن كان حنيفًا مسلمًا﴾ وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى: ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] بما يصدق على المسلم، وقال الإمام العارف ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر: واليهودي أصله من آمن بموسى ﵊ والتزم أحكام التوراة، والنصراني من آمن بعيسى ﵊ والتزم أحكام الإنجيل، ثم صار اليهودي من كفر بما أنزل بعد موسى ﵊، والنصراني من كفر بما أنزل بعد عيسى ﵊، والحنيف المائل عن كل دين باطل، والمسلم
[ ٤ / ٤٥٢ ]
المطيع لأوامر الله ﷾ في أي كتاب أنزلت مع أي رسول أوردت، وإن شئت قلت: هو المنقاد لله ﷾ وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه المخلص عمله لله ﷿، قال النبي ﷺ لمن قال له: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك «قل: آمنت بالله ثم استقم» انتهى.
ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من غيرهم كمن أشرك بعزير والمسيح عليهما الصلاة والسلام فقال: ﴿وما كان من المشركين *﴾ وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج البينات.
ولما نفي عنه ﷺ كل زيغ بعد أن نفي عنه أن يكون على ملة هو متقدم عن حدوثها شرع في بيان ما يتم به
[ ٤ / ٤٥٣ ]
نتيجة ما مضى ببيان من هو أقرب إليه ممن جاء بعده، فقرر أن الأولى به إنما هو من اتبعه في أصل الدين، وهو التوحيد والتنزيه الذي لم يختلف فيه نبيان أصلًا، وفي الانقياد للدليل وترك المألوف من غير تلعثم حتى صاروا أحقاء بالإسلام الذي هو وصفه بقوله ﷾ مؤكدًا ردًا عليهم وتكذيبًا لمحاجتهم: ﴿إن أولى الناس﴾ أي أقربهم وأحقهم ﴿بإبراهيم للذين اتبعوه﴾ أي في دينه من أمته وغيرهم، لا الذين ادعوا أنه تابع لهم، ثم صرح بهذه الأمة فقال: ﴿وهذا النبي﴾ أي هو أولى الناس به ﴿والذين آمنوا﴾ أي من أمته وغيرهم وإن كانوا في أدنى درجات الإيمان ﴿والله﴾ أي بما له من صفات الكمال - وليهم، هذا الأصل، ولكنه قال: ﴿ولي المؤمنين *﴾ ليعم الأنبياء كلهم وأتباعهم من كل فرقة، ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ترغيبًا لمن لم يبلغه في بلوغه.
ولما كان قصد بعضهم بدعواه أن إبراهيم ﵊ على دينه إنما هو إضلال أهل الإسلام عقب ذلك بالإعراب عن مرادهم بقوله تعالى - جوابًا لمن كأنه قال: فما كان مراد أهل الكتابين بدعواهم
[ ٤ / ٤٥٤ ]
فيه مع علمهم أن ذلك مخالف لصريح العقل؟ ﴿ودت طآئفة﴾ أي من شأنها أن تطوف حولكم طواف التابع المحب مكرًا وخداعًا ﴿من أهل الكتاب﴾ حسدًا لكم ﴿لو يضلونكم﴾ بالرجوع إلى دينهم الذي يعلمون أنه قد نسخ ﴿وما﴾ أي والحال أنهم ما ﴿يضلون﴾ بذلك التمني أو الإضلال لو وقع ﴿إلا أنفسهم﴾ لأن كلًاّ من تمنيهم وإضلالهم ضلال لهم مع أنهم لا يقدرون أن يضلوا من هداه الله، فمن تابعهم على ضلالهم فإنما أضله الله ﴿وما يشعرون *﴾ أي وليس يتجدد لهم في وقت من الأوقات نوع شعور، فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين الضلال والجهل، إما حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد علمهم جهلًا وعدوا هم بهائم، فكانت هذه الجملة على غاية التناسب، لأن أهم شيء في حق من رمى بباطل - إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه - بيان إبطاله في دعواه، ثم تبكيته المتضمن لبراءة المقذوف، ثم التصريح ببراءته، ثم بيان من هو أولى بالكون من حربه، ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ليحذر غائلتها السامع.
ولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في معرض التبكيت
[ ٤ / ٤٥٥ ]
أن نفيهم عنه إنما هو لأنهم معاندون، لا يعملون بعلمهم، بل يعملون بخلافه، فقال مستأنفًا بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد الغضب: ﴿يا أهل الكتاب﴾ أي الذين يدعون أنهم أهل العلم ﴿لم تكفرون﴾ أي كفرًا تجددونه في كل وقت ﴿بآيات الله﴾ أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب الآيات التي أنزلت عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزًا وعلمًا ﴿وأنتم تشهدون *﴾ أي تعلمون علمًا هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته؛ ثم أتبع ذلك استئنافًا آخر مثل ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى إضلالهم فقال: ﴿يا آهل الكتاب لم تلبسون الحق﴾ أي الذي لا مرية فيه ﴿بالباطل﴾ أي بأن تؤولوه بغير تأويله، أو تحملوه على غير محله ﴿وتكتمون الحق﴾ أي الذي لا يقبل تأويلًا، وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد ﷺ وتوابعها ﴿وأنتم﴾ أي والحال أنكم ﴿تعلمون *﴾ أي من
[ ٤ / ٤٥٦ ]
ذوي العلم، فأنتم تعرفون ذلك قطعًا وأن عذاب الضال المضل عظيم جدًا.
ولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفًا على ﴿ودت طائفة﴾ مبينًا لنوع إضلال آخر: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾ أي من يهود المدينة ﴿آمنوا﴾ أي أظهروا الإيمان ﴿بالذي أنزل على الذين آمنوا﴾ متابعة لهم ﴿وجه﴾ أي أول ﴿النهار﴾ سمي وجهًا لأنه أول ما يستقبلك منه وهو ما يظهر ولذا عبروا به عن الأول الذي يصلح لاستغراق النصف، لأن مرادهم التلبيس بظاهر لا باطن له، ولفظ لا حقيقة له، في جزء يسير جدًا ﴿واكفروا آخره﴾ أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق، وأنه ما ردكم عن دينهم بعد ابتاعكم له إلا ظهور بطلانه ﴿لعلهم يرجعون *﴾ أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن دينه ﴿ولا تؤمنوا﴾ أي توقعوا التصديق الحقيقي ﴿إلا لمن تبع دينكم﴾ فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته.
ولما كان هذا عين الضلال أمره ﷾ أن يعجب
[ ٤ / ٤٥٧ ]
من حالهم منبهًا على ضلالهم بقوله معرضًا عنهم إيذانًا بالغضب: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ أي المختص بالعظمة وجميع صفات الكمال، أي لا تقدرون على إضلال أحد منا عنه، ولا نقدر على إرشاد أحد منكم إليه إلا بإذنه، ثم وصل به تقريعهم فقال: ﴿أن﴾ بإثبات همزة الإنكار في قراءة ابن كثير، وتقديرها في قراءة غيره، أي أفعلتم الإيمان على الصورة المذكورة خشية أن ﴿يؤتى أحد﴾ أي من طوائف الناس ﴿مثل ما أوتيتم﴾ أي من العلم والهدى الذي كنتم عليه أول الأمر ﴿أو﴾ كراهة أن ﴿يحاجوكم﴾ أي يحاجكم أولئك الذين أوتوا مثل ما أوتيتم ﴿عند ربكم﴾ الذي طال إحسانه إليكم بالشهادة عليكم أنهم آمنوا وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحوكم.
ولما كانت هذه الأية شبيهة بآية البقرة ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ [البقرة: ١٠٥] في الحسد على ما أوتي غيرهم من الدين الحق وكالشارحة لها ببيان ما يلبيسونه لقصد الإضلال ختمت بما ختمت به تلك، لكن لما قصد بها
[ ٤ / ٤٥٨ ]
الرد عليهم في كلا هذين الأمرين اللذين دبروا هذا المكر لأجلهما زيدت ما له مدخل في ذلك فقال تعالى مجيبًا لمن تشوف إلى تعليم ما لعله يكف من مكرهم ويؤمن من شرهم معرضًا عنهم بالخطاب بعد الإقبال عليهم به إيذانًا بشديد الغضب: ﴿قل إن الفضل﴾ في التشريف بإنزال الآيات وغيرها ﴿بيد الله﴾ المختص بأنه لا كفوء له، فله الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وأتبعه نتيجته فقال: ﴿يؤتيه من يشاء﴾ فله مع كمال القدرة كمال الاجتباء، ثم قال مرغبًا مرهبًا ورادًا عليهم في الأمر الثاني: ﴿والله﴾ الذي له من العظمة وسائر صفات الكمال ما لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام ﴿واسع عليم *﴾ أي يوسع على من علم فيه خيرًا، ويهلك من علم أنه لا يصلح لخير، ويعلم دقيق أمركم وجليله، فلا يحتاج ﷾ إلى تنبيه أحد بمحاجتكم عليه عنده.
ولما كان هذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تأكيد انتقل عنه إلى تأكيد الرد عليهم في الأمر الأول بثمرة هذه الجملة ونتيجتها
[ ٤ / ٤٥٩ ]
من أنه فاعل بالاختيار تام الاقتدار فقال: ﴿يختص برحمته من يشاء﴾ ثم أكد تعظيم ما لديه دفعًا لتوهم من يظن أن اختصاص البعض لضيق الرحمة عن العموم فقال: ﴿والله﴾ الذي كل شيء دونه فلا ينقص ما عنده ﴿ذو الفضل العظيم *﴾ وكرر الاسم الأعظم هنا تعظيمًا لما ذكر من النعم مشيرًا بذلك كله إلى التمكن من الإعطاء باختباره وغزارة فضله وإلى القدرة على الإنجاء من حبائل المكر بسعة علمه.
فلما تقرر أن الأمر كله له ذكر دليل ذلك فيهم بأنه فضل فريقًا منهم فأعلاه، ورذل فريقًا منهم فأرداه، فلم يردهم الكتاب - وهم يتلونه - إلى الصواب، فقال عاطفًا على ما مضى من مخازيهم مقررًا لكتمانهم للحق مع علمهم بأنه الحق بأنه الخيانة ديدنهم في الأعيان الدنيوية والمعاني الدينية منبهًا على أنهم وإن شاركوا الناس في انقسامهم إلى أمين وخائن فهم يفارقونهم من حيث ان خائنهم يتدين بخيانته ويسندها - مروقًا من ربقة الحياء - إلى الله، مادحًا للأمين منهم: ﴿ومن
[ ٤ / ٤٦٠ ]
أهل الكتاب﴾ أي الموصوفين ﴿من إن تأمنه بقنطار﴾ أي من الذهب المذكور في الفريق الآتي ﴿يؤده إليك﴾ غير خائن فيه، فلا تسوقوا الكل مساقًا واحدًا في الخيانة ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار﴾ أي واحد ﴿لا يؤده إليك﴾ في زمن من الأزمان دناءة وخيانة ﴿إلا ما﴾ أي وقت ما ﴿دمت عليه قائمًا﴾ تطالبه به غالبًا له بما دلت عليه أداة الاستعلاء، ثم استأنف علة الخيانة بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر البعيد من الكمال ﴿بأنهم قالوا﴾ كذبًا على شرعهم ﴿ليس علينا في الأميين﴾ يعني من ليس له كتاب فليس على دينهم ﴿سبيل﴾ .
ولما كان الكذب من عظم القباحة بمكان يظن بسببه أنه لا يجترىء عليه ذو عقل فكيف على الله ﷾ قال: ﴿وهم
[ ٤ / ٤٦١ ]
يعلمون *﴾ أي ذوو علم فيعلمون أنه كذب.
ولما ادعوا نفي الجناح عنهم فيهم وبين تعالى أنهم لا يتحاشون عن الكذب صرح بكذبهم في هذا الأمر بخصوصه بقوله: ﴿بلى﴾ أي عليكم في خيانتهم لتحريم العذر عليكم مطلقًا، أي سبيل - كما هو في التوراة وقد مضى نقله في البقرة في آية ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ [البقرة: ٦٢] وآية ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ [البقرة: ٨٣] .
ولما مضى تقسيمهم إلى أمين وخائن استأنف بشارة الأول ونذارة الثاني على وجه عام لهم ولغيرهم لتحريم الخيانة في كل شرع في حق كل أحد منهما، إن الله يبغض الخائن فقال: ﴿من أوفى بعهده﴾ في الدين والدنيا ﴿واتقى﴾ أي كائنًا من كان ﴿فإن الله﴾ ذا الجلال والإكرام يحبه، هكذا الأصل، لكنه أظهر الوصف لتعليق الحكم به وإشعارًا بأنه العلة الحاملة له على الأمانة فقال: ﴿يحب المتقين *﴾ .
ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة،
[ ٤ / ٤٦٢ ]
وكانت الخيانة تجر إلى الكذب بسط في الإنذار فقال: ﴿إن الذين يشترون﴾ أي يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض ﴿بعهد الله﴾ أي الذي عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به وذكر صفته للناس، وهو سبحانه أعلى وأعز من كل شيء فهو محيط بكل شيء قدرة وعلمًا ﴿وأيمانهم﴾ أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل ﴿ثمنًا قليلًا﴾ في الدنيا ﴿أولئك﴾ أي البعيدو الرتبة في الدناءة ﴿لا خلاق﴾ أي نصيب ﴿لهم في الآخرة﴾ أي لبيعهم له بنصيب الدنيا ﴿ولا يكلمهم الله﴾ أي الملك الأعظم استهانة بهم وغضبًا عليهم بما انتهكوا من حرمته.
ولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف، وكان من عادة الحالف والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله: ﴿ولا ينظر إليهم﴾ أي بل يعدهم أحقر شيء بما أعرضوا عنه، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال: ﴿يوم القيامة﴾ الذي من افتضح في جمعه لم يفز ﴿ولا يزكيهم﴾ لأنهم لم يزكوا
[ ٤ / ٤٦٣ ]
اسمه ﴿ولهم﴾ أي مع ذلك ﴿عذاب أليم *﴾ يعرفون به ما جهلوا من عظمته.
ولما نسبهم إلى الكذب عمومًا نبه على نوع خاص منه هو أكذب الكذب فقال: ﴿وإن منهم لفريقًا﴾ أي جبلوا على الفرقة، فهم لا يزالون يسعون في التفريق ﴿يلون﴾ أي يفتلون ويحرفون ﴿ألسنتهم بالكتاب﴾ بأن ينقلوا اللسان لتغيير الحرف من مخرج إلى آخر - مثلًا بأن يقولوا في ﴿اعبدوا الله﴾ [المائدة: ٧٢ وغيرها] اللات، وفي ﴿لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الأنعام: ١٥١] بالحد، وفي «من زنى فارجموه» فارحموه بالمهملة، أو فحمموه، أو اجلدوه - ونحو هذا.
ولما كان كلام الله ﷾ لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس بغيره إلا على ضعيف العقل ناقص الفطرة عبر بالحسبان تنفيرًا عن السماع منهم وتنبيهًا على بعد ما يسمعه الإنسان من غيره فقال: ﴿لتحسبوه﴾ أي الذي لوى به اللسان فحرف ﴿من
[ ٤ / ٤٦٤ ]
الكتاب﴾ أي المنزل من عند الله، ولما علم بهذه أنه ليس منه نبه على أنه في غاية البعد عنه فقال: ﴿ما هو من الكتاب﴾ أعاده ظاهرًا تصريحًا بالتعميم.
ولما كان إيهامهم هذا من الجرأة بمكان أعلم ﷾ أنهم تجاوزوا إلى ما هو أعظم منه فصرحوا بما أوهموه فقال: ﴿ويقولون﴾ أي مجددين التصريح بالكذب في كل وقت بأن يقولوا ﴿وهو من عند الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال، ثم صرح بكذبهم بقوله - مبعدًا لما لووا به ألسنتهم عن أن يكون فيه ثبوت حق مظهرًا في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم يشارك فيه أحد بوجه أنص على المراد وأنفى لكل احتمال: ﴿وما هو﴾ أي الذي لووا به ألسنتهم حتى أحالوه عن حقيقته ﴿من عند الله﴾ أي الذي له الإحاطة العامة، فما لم يكن من عنده فلا حق فيه بوجه من الوجوه، لا بكونه من الكتاب ولا من غيره.
ولما بين بهذا كذبهم على الله ﷾ تصريحًا بعد أن قدم في الآية الأولى بيانه بما يظن تلويحًا أخبر بأن ذلك عادة لهم، لا يقفون
[ ٤ / ٤٦٥ ]
منه عند عد، ولا ينحصرون فيه بحد، فقال: ﴿ويقولون على الله﴾ أي الحائز لجميع العظمة جرأة منهم ﴿الكذب﴾ أي العام كما قالوا عليه هذا الكذب الخاص، ولما كان الكذب قد يطلق على ما لم يتعمد، بل وقع خطأ احترز عنه بقوله: ﴿وهم يعلمون *﴾ أي أنه كذب، لا يشكون فيه.
[ ٤ / ٤٦٦ ]