ولما ذكر أموال اليتامى على حسب ما دعت إليه الحاجة واقتضاه التناسب إلى أن ختم بهذه الآية، كان كأن سائلًا سأل: من أين تكون أموالهم؛ فبين ذلك بطريق الإجمال بقوله تعالى: ﴿للرجال﴾ أي الذكور من أولاد الميت وأقربائه، ولعله عبر بذلك دون الذكور لأنهم كانوا لا يورثون الصغار، ويخصون الإرث بما عمر الديار، فنبه
[ ٥ / ١٩٩ ]
سبحانه على أن العلة النطفة ﴿نصيب﴾ أي منهم معلوم ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ .
ولما كانوا لا يورثون النساء قال: ﴿وللنساء نصيب﴾ ولقصد التصريح للتأكيد قال موضع «مما تركوا»: ﴿مما ترك الوالدان والأقربون﴾ مشيرًا إلى أنه لا فرق بينهن وبين الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث، ثم زاد الأمر تأكيدًا وتصريحًا بقوله إبدالًا مما قبله بتكرير العامل: ﴿مما قل منه أو كثر﴾ ثم عرف بأن ذلك على وجه الحتم الذي لا بد منه، فقال مبينًا للاعتناء به بقطعه عن الأول بالنصب على الاختصاص بتقدير أعني: ﴿نصيبًا مفروضًا *﴾ أي مقدرًا واجبًا مبينًا، وهذه الآية مجملة بينتها آية المواريث، وبالآية علم أنها خاصة بالعصبات من التعبير بالفرض لأن الإجماع - كما نقله الأصبهاني عن الرازي - على أنه ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.
ولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى﴾ أي ممن لا يرث صغارًا أو كبارًا ﴿واليتامى والمساكين﴾ أي قرباء أو غرباء ﴿فارزقوهم منه﴾ أي المتروك،
[ ٥ / ٢٠٠ ]
وهو أمر ندب لتطييب قلوبهم، وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد ﴿وقولوا لهم﴾ أي مع الإعطاء ﴿قولًا معروفًا *﴾ أي حسنًا سائغًا في الشرع مقبولًا تطيب به نفوسهم.
[ ٥ / ٢٠١ ]