ولما أعاد الوصية باليتامى مرة بعد أخرى، وختم بالأمر بالإنة القول، وكان للتصوير في التأثير في النفس ما ليس لغيره؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم مصورًا لحالهم مبينًا أن القول المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال: ﴿وليخش﴾ أي يوقع الخشية على ذرية غيرهم ﴿الذين﴾ وذكر لهم حالًا هو جدير بإيقاع الخشية في قلوبهم فقال: ﴿لو تركوا﴾ أي شارفوا الترك بموت أو هرم، وصوّر حالهم وحققه بقوله: ﴿من خلفهم﴾ أي بعد موتهم أو عجزهم العجز الذي هو كموتهم ﴿ذرية﴾ أي أولادًا من ذكور أو إناث ﴿ضعافًا﴾ أي لصغر أو غيره ﴿خافوا عليهم﴾ أي جور الجائرين.
ولما تسبب عن ذلك التصور في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ذريتهم سواء كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب، وكان هذا الخوف ربما أداهم في قصد نفعهم إلى جور على غيرهم؛ أمر بما
[ ٥ / ٢٠١ ]
يحفظهم على الصراط السوي بقوله: ﴿فليتقوا﴾ وعبر بالاسم الأعظم إرشادًا إلى استحضار جميع عظمته فقال: ﴿الله﴾ أي فليعدلوا في أمرهم ليقيِّض الله لهم من يعدل في ذريتهم، وإلا أوشك أن يسلط على ذريتهم من يجور عليهم ﴿وليقولوا﴾ أي في ذلك وغيره ﴿قولًا سديدًا *﴾ أي عدلًا قاصدًا صوابًا، ليدل هذا الظاهر على صلاح ما أتمره من الباطن.
ولما طال التحذير والزجر والتهويل في شأن اليتامى، وكان ذلك ربما أوجب النفرة من مخالطتهم رأسًا فتضيع مصالحهم؛ وصل بذلك ما بين أن ذلك خاص بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكدًا لما كان قد رسخ في نفوسهم من الاستهانة بأموالهم: ﴿إن الذين﴾ ولما كان الأكل أعظم مقاصد الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال: ﴿يأكلون أموال اليتامى ظلماَ﴾ أي أكلًا هو في غير موضعه بغير دليل يدل عليه، فهو كفعل من يمشي في الظلام، ثم أتبعه ما زاده تأكيدًا بالتحذير في سياق الحصر فقال: ﴿إنما يأكلون﴾ أي في الحال وصور الأكل وحققه بقوله: ﴿في بطونهم نارًا﴾ أي
[ ٥ / ٢٠٢ ]
تحرق المعاني الباطنية التي تكون بها قوام الإنسانية وبين أنها على حقيقتها في الدنيا ولكنا لا نحسها الآن لأنها غير النار المعهودة في الظاهر بقوله - مكررًا التحذير مبينًا بقراءة الجماعة بالبناء للفاعل أنهم يلجؤون إليها إلجاء يصيّرهم كأنهم يدخلونها بأنفسهم: ﴿وسيصلون﴾ أي في الآخرة - بوعيد حتم لا خلف فيه ﴿سعيرًا *﴾ أي عظيمًا هو نهاية في العظمة، وذلك هو معنى ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول، أي يلجئهم إلى صليها ملجىء قاهر لا يقدرون على نوع دفاع له.
[ ٥ / ٢٠٣ ]