ولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو معنى ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]- وما بعد ذلك إنما جرّه - ختم الآية بدعوى أن المخالفين من الخاسرين، وختم ذلك بأن من مات على الكفر لا يقبل إنفاقه للإنقاذ مما يلحقه من الشدائد، لا بدفع لقاهر ولا بتقوية لناصر، فتشوفت النفس إلى الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع، فأرشد إلى ذلك وإلى أن الأحب منه أجدر بالقبول، رجوعًا إلى ما قرره ﷾ قبل آية الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين بالأسحار على وجه أبلغ بقوله: ﴿لن تنالوا البر﴾ وهو كمال الخير ﴿حتى تنفقوا﴾ أي في وجوه الخير ﴿مما تحبون﴾ أي من كل ما تقتضون، كما ترك إسرائيل ﵊ أحب الطعام إليه لله ﷾.
[ ٥ / ١ ]
ولما كان التقدير: فإن أنفقتم منه علمه الله ﷾ فأنالكم به البر، وإن تيممتم الخبيث الذي تكرهونه فأنفقتموه لم تبروا، وكان كل من المحبة والكراهة أمرًا خفيًا، قال ﷾ مرغمًا مرهبًا: ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ أي من المحبوب وغيره ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة. وقدم الجار اهتمامًا به إظهارًا لأنه يعلمه من جميع وجوهه ما تقول لمن سألك - هل تعلم كذا: لا أعلم إلا هو، فقال: ﴿به عليم *﴾ فهذا كما ترى احتباك.
ولما أخبر بذلك بين أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من الإخبار بعظيم اجتراء أهل الكتاب على الكذب بأمر حسّي فقال تعالى: ﴿كل الطعام﴾ أي من الشحوم مطلقًا وغيرها ﴿كان حلًاّ لبني إسرائيل﴾ أي أكله - كما كان حلًاّ لمن قبلهم على أصل الإباحة ﴿إلا ما حرم إسرائيل﴾ تبررًا وتطوعًا ﴿على نفسه﴾ وخصه بالذكر استجلابًا لبنيه إلى ما يرفعهم بعد اجتذابهم للمؤمنين إلى ما يضرهم ولا ينفعهم. ولما كانوا بما أغرقوا فيه من الكذب ربما قالوا: إنما حرم ذلك اتباعًا لحكم التوراة قال:
[ ٥ / ٢ ]
﴿من قبل﴾ وأثبت الجار لأن تحريمه كان في بعض ذلك الزمان، لا مستغرقًا له. وعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد فقال: ﴿أن تنزل التوراة﴾ وكان قد ترك لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب الأطعمة إليه لله وإيثارًا لعباده - كما تقدم ذلك في البقرة عند ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] .
ولما كانت هذه الآية إلزامًا لليهود باعتقاد النسخ الذي طعنوا به في هذا الدين في أمر القبلة، وكانوا ينكرونه ليصير عذرًا لهم في التخلف عن اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم، فكانوا يقولون: لم تزل الشحوم وما ذكر معها حرامًا على من قبلنا كما كانت حرامًا علينا، فأمر بجوابهم بأن قال: ﴿قل﴾ أي لليهود ﴿فأتوا بالتوارة فاتلوها﴾ أي لتدل لكم ﴿إن كنتم صادقين *﴾ فيما ادعيتموه، فلم يأتلوا بها فبان كذبهم فافتضحوا فضيحة لا مثل لها في الدنيا ﴿فمن﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه من ﴿افترى﴾ أي تعمد ﴿على الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿الكذب﴾ أي في أمر المطاعم أو غيرها.
ولما كان المراد النهي عن إيقاع الكذب في أي زمن كان، لا عن إيقاعه في جميع الزمان الذي بعد نزول الآية أثبت الجار فقال: ﴿من بعد ذلك﴾ أي البيان العظيم الظاهر جدًا ﴿فأولئك﴾ أي الأباعد الأباغض ﴿هم﴾ خاصة
[ ٥ / ٣ ]
لتعمدهم الكذب على من هو محيط بهم ولا تخفى عليه خافية ﴿الظالمون *﴾ أي المتناهو الظلم بالمشي على خلاف الدليل فعل من يمشي في الظلام، فهو لا يضع شيئًا في موضعه، وذلك بتعرضهم إلى أن يهتكهم التام العلم ويعذبهم الشامل القدرة.
ولما اتضح كذبهم وافتضح تدليسهم - لأنه لما استدل عليهم بكتابهم فلم يأتوا به صار ظاهرًا كالشمس، لا شك فيه ولا لبس، ولم يزدهم ذلك إلا تماديًا في الكذب - أمر ﷾ نبيه ﷺ بقوله: ﴿قل﴾ أي لأهل الكتاب الذي أنكروا النسخ فأقمت عليهم الحجة من كتابهم ﴿صدق الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله في جميع ما أخبر، وتخبر به عن ملة إبراهيم وغيره من بنيه أسلافكم، وتبين أنه ليس على دينكم هو ولا أحد ممن قبل موسى ﵊، لأنكم لو كنتم صادقين لأتيتم بالتوراة، نافيًا بذلك أن يكون تأخرهم عن الإتيان بها لعلة يعتلون بها غير ذلك، وإذ قد تبين صدقه تعالى في جميع ما قال وجب اتباعه في كل ما يأمر به، وأعظمه ملة إبراهيم فإنها الجامعة للمحاسن.
ولما ثبت ذلك بهذا الدليل المحكم لزم قطعًا أنه ما كان يهوديًا
[ ٥ / ٤ ]
ولا نصرانيًا ولا مشركًا، وقد أقروا بأن ملته هي الحق وأنهم أتباعه، فتسبب عن ذلك وجوب اتباعه فيما أخبر الله ﷾ به فبان كالشمس صدقه، لا فيما افتروه هم من الكذب، فقال ﷾: ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ وهي الإسلام أي الانقياد للدليل، وهو معنى قوله: ﴿حنيفًا﴾ أي تابعًا للحجة إذا تحررت، غير متقيد بمألوف. ولما كان ﷺ مفطورًا. على الإسلام فلم يكن في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير الإسلام نفى الكون فقال: ﴿وما كان من المشركين﴾ أي بعزير ولا غيره من الأكابر كالأحبار الذين تقلدونهم مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا إليه ﷾.
ولما ألزمهم ﷾ بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة إبراهيم ﵊، وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما عليه محمد ﷺ وأتباعه، أخبر عن البيت الذي يخول إليه التوجه في الصلاة، فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم ﵊ التي كفروا بتركها، ولذلك أبلغ في تأكيده فقال ﷾: ﴿إن أول بيت﴾
[ ٥ / ٥ ]
أي من البيوت الجامعة للعبادة ﴿وضع للناس﴾ أي على العموم متعبدًا واجبًا عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى ﵊، واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد ﷺ في ذلك، ولعل بناء وضع، للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم ﵊ ﴿للذي ببكة﴾ أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة، ويزدحم الناس فيها إزدحامًا لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه، فلا بد أن يدق هذا النبي الذي أظهرته منها الأعناق من كل من ناواه ويزدحم الناس على الدخول في دينه ازدحامًا لم يعهد مثله فإن فاتكم ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم وصغاركم؛ حال كونه ﴿مباركًا﴾ أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين والدنيا ﴿وهدى للعالمين *﴾ أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم، فعاب عليهم ﷾ في هذه الآية فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم.
وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفًا منهم مثالًا لما قدم من الإخبار به عن كذبهم، وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت للمؤمنين
[ ٥ / ٦ ]
المؤالفة، فإن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم ﵊ - كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك، وقد حجه أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام وأسلافهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم - كما روي من غير طريق عن النبي ﷺ حتى أن في بعض الطرق أنه كان مع موسى عليه الصلاة في حجة إليه سبعون ألفًا من بني إسرائيل، ومن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم، ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا هذه الشريعة العظيمة أصلًا ورأسًا، فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم ﵊ مع انسلاخهم من معظم شرائعه! ثم فسر الهدى بقوله: ﴿فيه آيات بينات﴾ وقوله: ﴿مقام إبراهيم *﴾ أي أثر قدمه ﵊ في الحجر حيث قام لتغسل كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلًا أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر ﴿إن﴾ في قوله: ﴿للذي ببكة﴾ فكأنه قيل: إن أول بيت وضع للناس لمقام إبراهيم، وأعربه غيره بدل بعض من قوله ﴿آيات﴾ وهو وحده آيات لعظمه ولتعدد ما فيه من تأثير القدم، وحفظه
[ ٥ / ٧ ]
إلى هذا الزمان مع كونه منقولًا، وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام.
ولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ولا رئيس يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال ﷾: ﴿ومن دخله﴾ أي فضلًا عن أهله ﴿كان آمنًا﴾ أي عريقًا في الأمن، أو فأمنوه بأمان الله، وتحويل العبارة عن «وأمن داخله» لأن هذا أدل على المراد من تمكن الأمن، وفيه بشارة بدخول الجنة.
ولما أوضح ﷾ براءتهم من إبراهيم ﵊ لمخالفتهم إياه بعد دعواهم بهتانًا أنه على دينهم، وكانت المخالفة في الواجب أدل قال ﷾: ﴿ولله﴾ أي الملك الذي له الأمر كله ﴿على الناس﴾ أي عامة، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في ﴿استطعما أهلها﴾ [الكهف: ٧٧] في الكهف،
[ ٥ / ٨ ]
وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم ﴿حج البيت﴾ أي زيارته زيارة عظيمة، وأظهر أيضًا تنصيصًا عليه وتنويهًا بذكره تفخيمًا لقدره، وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة، وعادة العرب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم، وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم الحج، ثم مَن بالتخفيف بقوله مبدلًا من الناس، تأكيدًا بالإيضاح بعد الإبهام وحملًا على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة: ﴿من استطاع﴾ أي منهم ﴿إليه سبيلًا﴾ فمن حجه كان مؤمنًا.
ولما كان من الواضح أن التقدير: ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن كان معترفًا بالوجوب، وبالمروق من الدين إن جحد، عطف عليه قوله: ﴿ومن كفر﴾ أي بالنعمة أو بالدين ﴿فإن الله﴾ اي الملك الأعلى ﴿غني﴾ ولما كان غناه مطلقًا دل عليه بقوله موضع عنه: ﴿عن العالمين *﴾ أي طائعهم وعاصيهم، صامتهم وناطقهم، رطبهم ويابسهم، فوضح بهذه الآية وما شاكلها أنهم ليسوا على دينه كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم، فثبتت بذلك براءته منهم،
[ ٥ / ٩ ]
والآية من الاحتباك لأن إثبات فرضه أولًا يدل على كفر من أباه، وإثبات ﴿ومن كفر﴾ ثانيًا يدل على إيمان من حجه.
ولما أتم سبحانه وعز شأنه البراهين وأحكم الدلائل عقلًا وسمعًا، ولم يبق لمتعنت شبهة، ولم يبادروا الإذعان، بل زادوا في الطغيان، وكادوا أن يوقعوا الضراب والطعان بين أهل الإيمان، أعرض ﷾ عن خطابهم إيذانًا بشديد الغضب ورابع الانتقام فقال ﷾ مخاطبًا لرسوله الذي يكون قتلهم على يده: ﴿قل﴾ وأثبت أداة دالة على بعدهم عن الحضرة القدسية فقال: ﴿يا أهل الكتاب﴾ أي من الفريقين ﴿لم تكفرون﴾ أي توقعون الكفر ﴿بآيات الله﴾ أي وهي - لكونه الحائز بجميع الكمال - البينات نقلًا وعقلًا الدالة على أنكم على الباطل لما وضح من أنكم على غير ملة إبراهيم ﵊.
ولما كان كفرهم ظاهرًا ذكر شهادته تعالى فقال مهددًا ﴿والله﴾ أي والحال أن الله الذي هو محيط بكل شيء قدرة وعلمًا فلا إله غيره وقد أشركتم به ﴿شهيد على﴾ كل ﴿ما تعملون *﴾ أي لكونه يعلم
[ ٥ / ١٠ ]
سبحانه السر وأخفى وإن حرفتم وأسررتم. ثم استأنف إيذانًا بالاستقلال تقريعًا آخر لزيادتهم على الكفر التكفير فقال: ﴿قل يا آهل الكتاب﴾ أي المدعين للعلم واتباع الوحي، كرر هذا الوصف لأنه مع أنه أبعد في التقريع أقرب إلى التطلف في صرفهم عن ضلالهم ﴿لم تصدون﴾ أي بعد كفركم ﴿عن سبيل الله﴾ أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة والاختصاص بجميع صفات الكمال، وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد ﷺ، وقدمه اهتمامًا به. ثم ذكر المفعول فقال: ﴿من أمن﴾ حال كونكم ﴿تبغونها﴾ أي السبيل ﴿عوجًا﴾ أي بليكم ألسنتكم وافترائكم على الله، ولم يفعل ﷾ إذ أعرض عنهم في هذه الآية ما فعل من قبل إذ أقبل عليهم بلذيذ خطابه تعالى جده وتعاظم مجده إذ قال: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم﴾ [آل عمران: ٦٥] ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون﴾ [آل عمران: ٧٠] والآية التي بعدها بغير واسطة. وقال أبو البقاء في إعرابه: إن تبغون يجوز أن يكون مستأنفًا وأن يكون حالًا من الضمير في تصدون أو من السبيل،
[ ٥ / ١١ ]
لأن فيها ضميرين راجعين إليها، فلذلك يصح أن يجعل حالًا من كل واحد منهما، وعوجًا حال - انتهى. وقال صاحب القاموس في بنات الواو: بغا الشيء بغوًا: نظر إليه كيف هو، وقال في بنات الياء: بغيته أبغيه: طلبته، فالظاهر أن جعل عوجًا حالًا - كما قال أبو البقاء - أصوب من جعله مفعولًا - كما قال في الكشاف. ويكون تبغون إما يائيًا فيكون معناه: تريدونها معوجة أو ذات عوج، فإن طلب بمعنى: أراد؛ وإما أن يكون واويًا بمعنى: ترونها ذات عوج، أي تجعلونها في نظركم يعني: تتكلفون وصفها بالعوج مع علمكم باستقامتها، لكن قوله ﷺ في الصحيح «ابغني أحجارًا أستنفض بهن» يؤيد قول صاحب الكشاف.
ولما ذكر صدهم وإرادتهم العوج الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخًا: ﴿وأنتم شهداء﴾ أي باستقامتها بشهادتكم باستقامة دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع والعقل أنها دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به
[ ٥ / ١٢ ]
لانقيادهم للأدلة. ولما كان الشهيد قد يغفل، وكانوا يخفون مكرهم في صدهم، هددهم بإحاطة علمه فقال: ﴿وما الله﴾ أي الذي تقدم أنه شهيد عليكم وله صفات الكمال كلها ﴿بغافل﴾ أي أصلًا ﴿عما تعملون *﴾ ولما تم إيذانه بالسخط على أعدائه وأبلغ في إنذارهم عظيم انتقامه إن داموا على إضلالهم، أقبل بالبشر على أحبائه، مواجهًا لهم بلذيذ خطابه وصفي غنائه، محذرًا لهم الاغترار بالمضلين، ومنبهًا ومرشدًا ومذكرًا ودالًا على ما ختم به ما قبلها من إحاطة علمه بدقيق مكر اليهود، فقال ﷾: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي بنبينا محمد ﷺ ﴿إن تطيعوا فريقًا﴾ أتى بهذا اللفظ لما كان المحذر منه الافتراق والمقاطعة الذي يأتي عيب أهل الكتاب به ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ أي القاطعين بين الأحباب مثل شأس بن قيس الذي مكر بكم إلى أن أوقع الحرب بينكم، فلولا النبي الذي رحمكم به ربكم لعدتم إلى شر ما كنتم فيه ﴿يردوكم﴾ وزاد في تقبيح هذا الحال بقوله مشيرًا بإسقاط الجار إلى الاستغراق زمان البعد: ﴿بعد إيمانكم كافرين *﴾
[ ٥ / ١٣ ]
أي غريقين في صفة الكفر، فيا لها من صفقة ما أخسرها وطريقة ما أجورها! .
ولما حذرهم منهم عظم عليهم طاعتهم بالإنكار والتعجيب من ذلك مع ما هم عليه بعد اتباع الرسول ﷺ من الأحوال الشريفة فقال - عاطفًا على ما تقديره: فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم: ﴿وكيف تكفرون﴾ أي يقع منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال ﴿وأنتم تتلى﴾ أي تواصل بالقراءة ﴿عليكم آيات الله﴾ أي علامات الملك الأعظم البينات ﴿وفيكم رسوله﴾ الهادي من الضلالة المنقذ من الجهالة، فتكونون قد جمعتم إلى موافقة العدو مخالفة الولي وأنتم بعينه وفيكم أمينه ﴿ومن﴾ أي والحال أنه من ﴿يعتصم﴾ أي يجهد نفسه في ربط أموره ﴿بالله﴾ المحيط بكل شيء علمًا وقدرةً في جميع أحواله كائنًا من كان. ولما
[ ٥ / ١٤ ]
كان من قصر نفسه على من له الكمال كله متوقعًا للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء السبب فقال: ﴿فقد هدى﴾ وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين ﴿إلى صراط مستقيم *﴾ .
ولما انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب، أمر بما يثمر ذلك من رضاه فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي ادعوا ذلك بألسنتهم ﴿اتقوا الله﴾ أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام ﴿حق تقاته﴾ فأديموا الانقياد له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمرًا دونه ﴿ولا تموتن﴾ على حالة من الحالات ﴿إلا وأنتم مسلمون *﴾ أي منقادون أتم الانقياد، ونقل عن العارف أبي الحسن الشاذلي أن هذه الآية في أصل الدين وهو التوحيد، وقوله ﷾: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] في فروعه.
ولما كان عزم الإنسان فاترًا وعقله قاصرًا، دلهم - بعد أن أوقفتهم التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال: ﴿واعتصموا﴾ أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم ﴿بحبل الله﴾ أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له التي نهجها لكم ومهدها، وأصل الحبل السبب الذي يوصف به
[ ٥ / ١٥ ]
إلى البغية والحاجة، وكل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله عنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح وهذا الدين مثاله فصعوبته وشدته على النفوس بما لها من النوازع والحظوظ مثال دقته، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله.
ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده بقوله: ﴿جميعًا﴾ لا تدعوا أحدًا منكم يشذ عنها، بل كلما عثرتم على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره، ولا تغفلوا عنه فيختل النظام، وتتعبوا على الدوام، بل تزالوا كالرابط ربطًا شديدًا حزمة نبل بحبل، لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ولا تفرقوا﴾ ثم ذكرهم نعمة الاجتماع، لأن ذلك باعث على شكرها، وهو باعث
[ ٥ / ١٦ ]
على إدامة الاعتصام والتقوى، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية فقال: ﴿واذكروا نعمة الله﴾ الذي له الكمال كله ﴿عليكم﴾ يا من اعتصم بعصام الدين! ﴿إذا كنتم أعداء﴾ متنافرين أشد تنافر ﴿فألف بين قلوبكم﴾ بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم ﴿فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾ قد نزع ما في قلوبكم من الإحن، وأزال تلك الفتن والمحن.
ولما ذكر النعمةت التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة الدين التي عصمت من الهلاك الأبدي فقال: ﴿وكنتم على شفا﴾ أي حرف وطرف ﴿حفرة من النار﴾ بما كنتم فيه من الجاهلية ﴿فأنقذكم منها﴾ .
ولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جوابًا لمن يقول: لله در هذا البيان! ما أغربه من بيان! - ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا البيان البعيد المنال البديع المثال ﴿يبين الله﴾ المحيط علمه الشاملة قدرته بعظمته ﴿لكم آياته﴾ وعظم الأمر
[ ٥ / ١٧ ]
بتخصيصهم به وإضافة الآي إليه. ولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله: ﴿لعلكم تهتدون *﴾ أي ليكون حالكم عند من ينظركم حال من ترجى وتتوقع هدايته، هذا الترجي حالكم فيما بينكم، وأما هو ﷾ فقد أحاط علمه بالسعيد والشقي، ثم الأمر إليه، فمن شاء هداه، ومن أراد أرداه.
[ ٥ / ١٨ ]