﴿بسم الله﴾ المحيط بدائرة الكمال ما شاء فعل ﴿الرحمن﴾ الذي عمت نعمته جليل خلقه وحقيره وصغيره وكبيره ﴿الرحيم *﴾ الذي خص من شاء بنعمة النجاة مما يسخطه بما يرضاه.
لما ختم الحجر بالإشارة إلى إتيان اليقين، وهو صالح لموت الكل، ولكشف الغطاء بإتيان ما يوعدون مما يستعجلون به استهزاء من العذاب
[ ١١ / ١٠١ ]
في الآخرة بعد ما يلقون في الدنيا، ابتدأ هذه بمثل ذلك سواء، غير أنه ختم تلك باسم الرب المفهم للإحسان لطفًا بالمخاطب، وافتتح هذه باسم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء لأن ذلك أليق بمقام التهديد، ولما ستعرفه من المعاني المتنوعة في أثناء السورة، وسيكرر هذا الاسم فيها تكريرًا تعلم منه صحة هذه الدعوى، وعبر عن الآتي بالماضي إشارة إلى تحققه تحقق ما وقع ومضى، وإلى أن كل آتٍ ولا بد قريب، فقال تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، بما يذل الأعداء، ويعز الأولياء، ويشفي صدورهم، ويقر أعينهم.
ولما كانت العجلة نقصًا، قال مسببًا عن هذا الإخبار: ﴿فلا تستعجلوه﴾ أيها الأعداء استهزاء، وأيها الأولياء استكفاء واستشفاء، وذلك مثل ما أفهمه العطف في قوله تعالى ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ كما تقدم؛ والضمير يجوز أن يكون لله وأن يكون للأمر.
ولما كان الجزم بالأمور المستقبلة لا يليق إلا عند نفوذ الأمر، ولا نفوذ إلا لمن لا كفوء له، وكانت العجلة - وهي الإتيان بالشيء
[ ١١ / ١٠٢ ]
قبل حينه الأولى به - نقصًا ظاهرًا لا يحمل عليها إلا في ضيق الفطن، وكان التأخير لا يكون إلا عن منازع مشارك، نزه نفسه سبحانه تنزيهًا مطلقًا جامعًا بقوله تعالى: ﴿سبحانه﴾ أي تنزه عن الاستعجال وعن جميع صفات النقص ﴿وتعالى﴾ أي تعاليًا عظيمًا جدًا ﴿عما يشركون *﴾ أي يدعون أنه شريك له، فلا مانع مما يريد فعله، وساقه في غير قراءة حمزة والكسائي - في أسلوب الغيبة، إظهارًا للإعراض الدال على شدة الغضب، وهي ناظرة إلى قوله آخر التي قبلها ﴿وأعرض عن المشركين﴾ [الحجر: ٩٤] وقوله: ﴿الذين يجعلون مع الله إلهًا ءاخر﴾ [الحجر: ٩٦] وقد آل الأمر في نظم الآية إلى أن صار كأنه قيل: إنه لا يعجل لأنه منزه عن النقص، ولا بد من إنفاذ أمره لأنه متعالٍ عن الكفوء؛ أو يقال: لا تستعجلوه لأنه تنزه عن النقص فلا يجعل، وتعالى عن أن يكون له كفوء يدفع ما يريد فلا بد من وقوعه، فهي واقعة موقع التعليل لصدر الآية كما أن صدر الآية تعليل لآخر سورة الحجر.
ولما تقرر بذلك تنزهه عن كل نقص: شرك وغيره، شرع يصف نفسه سبحانه بصفات الكمال من الأمر والخلق، ولما كان الأمر أقدم وأعلى، بدأ به، ولما كان من أمره إنزال الملائكة على الصورة التي
[ ١١ / ١٠٣ ]
طلبوها في قولهم
﴿لو ما تأتينا بالملائكة﴾ [الحجر: ٧] وقص عليهم في سورة إبراهيم ولوط ﵉ ما يترتب على إنزالهم مجتمعين، وفهم منه أن لهم في نزولهم حالة أخرى لا تنكرها الرسل، وهي حالة الإتيان إليهم بالعلم الذي نسبته إلى الأرواح نسبة الأرواح إلى الأشباح، وكان ذلك ربما أثار لهم اعتراضًا يطلبون به الفرق بينهم وبين الرسل في إنزالهم عليهم دونهم - كما تقدم في الحجر، وكان ما يشركون به لا تصرف له أصلًا بإنزال ولا غيره، قال تعالى مشيرًا إلى ذلك وإلى أن الوحي بواسطة الملك، وأن النبوة عطائية لا كسبية: ﴿ينزل الملائكة﴾ الذين هم الملأ الأعلى ﴿بالروح﴾ أي المعنى الأعظم الذي هو للأرواح بمنزلة الأرواح للأشباح ﴿من أمره﴾ الذي هو كلامه المشتمل على الأمر والنهي ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ وهو مما تميز به لحقيته وإعجازه عن جميع المخلوقات، فكيف بما لا يعقل منها كالأصنام!
[ ١١ / ١٠٤ ]
﴿على ما يشاء من عباده﴾ دون بعض، لأن ذلك نتيجة فعله بالاختيار، وأبدل من الروح أو فسر الإنزال بالوحي لأنه متضمن معنى القول فقال: ﴿أن أنذروا﴾ أي الناس سطواتي، فإنها لا محالة نازلة بمن أريد إنزالها به، بسبب ﴿أنه لا إله إلا أنا﴾ وعبر بضمير المتكلم لأنه أدل على المراد لكونه أعرف؛ وسبب عن وحدانيته التي هي منتهى كمال القوة العلمية قوله آمرًا بما هو أقصى كمال القوة العملية: ﴿فاتقون *﴾ أي فليشتد خوفكم مني وأخذكم لما يكون وقاية لكم من عذابي، فإنه لا مانع مما أريد، فمن علمت أنه أهل للنقمة أنزلتها به، ومن علمته أهلًا لتلقي الروح منحته إياه.
ولما وحد نفسه، دل على ذلك بقوله، شارحًا لإيجاده أصول العالم وفروعه على وجه الحكمة: ﴿خلق السماوات﴾ أي التي هي السقف المظل ﴿والأرض﴾ أي التي هي البساط المقل
[ ١١ / ١٠٥ ]
﴿بالحق﴾ أي بالأمر المحقق الثابت، لا بالتمويه والتخييل ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ .
ولما كان ذلك من صفات الكمال المستلزمة لنفي النقائص، وكان قاطعًا في التنزه عن الشريك، لأنه لو كان، لزم إمكان الممانعة، فلزم العجز عن المراد، أو وجود الضدين المرادين لهما، وكل منهما محال، فإمكان الشريك محال، ولأنهما وكل ما فيهما ملكه وفي تصرفه، لا نزاع لمن أثبت الإله في ذلك، تلاه بقوله - نتيجة لذلك دالة على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام: ﴿تعالى﴾ أي تعاليًا فات الوصف ﴿عما يشركون *﴾ - عريًا عن افتتاحه بالتنزيه كالأولى.
[ ١١ / ١٠٦ ]