لما كان مقصود النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص، والاتصاف بالكمال المنتج لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر أو أقرب، وختمها بعد تفضيل إبراهيم ﵇ والأمر باتباعه بالإشارة إلى نصر أوليائه - مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم - على أعدائه على كثرتهم وقوتهم، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقص المطردات، وأمرهم بالتأني والإحسان، افتتح هذه بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من العادة في الإسراء، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك، تنبيهًا على أنه قادر على أن يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت، دفعًا لما قد يتوهم أو يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر، وبيانًا
[ ١١ / ٢٨٧ ]
لأنه مع المتقي المحسن، وتنويهًا بأمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإعلامًا بأنه رأس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة، بما آتاه من الخصائص التي منها المقام المحمود، وتمثيلًا لما أخبر به من أمر الساعة فقال تعالى: ﴿سبحان﴾ وهو علم للتنزيه، دال على أبلغ ما يكون من معناه، منصوب بفعل متروك إظهاره، فسد مسده ﴿الذي أسرى﴾ فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن أن يضفيها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر النحل. كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي عن الاستعجال في أولها، وهو راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا حدثهم عن الإسراء، وفيه مع ذلك إيماء إلى التعجيب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء وصفه.
ولما كان حرف الجر مقصورًا على إفادة التعدية في «سرى» الذي بمعنى أسرى وكان أسرى يستعمل متعديًا وقاصرًا عبر به، واختير القاصر للدلالة على المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى: ﴿بعبده﴾ أي الذي هو أشرف عباده وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط لسواه من صنم ولا غيره لرجاء شفاعة ولا غيرها.
ولما كان الإسراء هو السير في الليل، وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه بدلالة التضمن مجازًا مرسلًا، نفي هذا بقوله تعالى: ﴿ليلًا﴾
[ ١١ / ٢٨٨ ]
وليدل بتنوين التحقير على أن هذا الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل، وعلى أنه ﵊ لم يحتج - في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى - إلى رياضة بصيام ولا غيره، بل كان مهيئًا لذلك متأهلًا له، فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش ﴿من المسجد الحرام﴾ أي من الكعبة المشرفة مسجد إبراهيم ﵇، قيل: كان نائمًا في الحطيم، وقيل: في الحجر، وقيل: في بيت أم هانىء - وهو قول الجمهور، فالمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ أي الذي هو أبعد المساجد حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقًا من مكة المشرفة، بينهما أربعون ليلة، فصلى بالأنبياء كلهم: إبراهيم وموسى ومن سواهما - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام، ورأى من آياتنا ما قدرناه له، ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهرًا ذهابًا وشهرًا
[ ١١ / ٢٨٩ ]
إيابًا، ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد فقال تعالى: ﴿الذي باركنا﴾ أي بما لنا من العظمة، بالمياه والأشجار وبأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات ﴿حوله﴾ أي لأجله فما ظنك به نفسه! فهو أبلغ من «باركنا فيه» ثم منه إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائمًا أبدًا؛ ولعله حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه بخلاف الإسراء، فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرها قبل ذلك، فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله بالمعراج؛ ثم ذكر سبحانه الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم المسجد فقال: ﴿لنريه﴾ بعينه وقلبه ﴿من ءاياتنا﴾ السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل ﵇ ملكوت السماوات والأرض، وجعل الالتفات
[ ١١ / ٢٩٠ ]
لتعظيم الآيات والبركات؛ روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبرئيل ﵇: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك.
وعن
جابر
رضي
الله
عنه
سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» .
ولما كان المعول عليه غالبًا في إدراك الآيات حس السمع والبصر، وكان تمام الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم، وكان سبحانه قد خص هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد معه حس غيره عدمًا، عبر عن ذلك كله بقوله تعالى: ﴿إنه﴾ أي هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء ﴿هو﴾ أي خاصة ﴿السميع﴾ أي أذنًا وقلبًا بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا ﴿البصير *﴾ بصرًا وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات، وصدقه من الدلالات، حين نعت
[ ١١ / ٢٩١ ]
ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ولا يطمعون فيه، وقال من كان دخل منهم إلى بيت المقدس: أما النعت والله فقد أصاب، أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها، وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية يشتدون، فقال قائل: هذه والله الشمس قد طلعت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت، يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين.
قال الإمام الرازي في اللوامع: وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبصر جميع ما في الملكوت بالعين المبصرة مشاهدة لم يسترب فيه حتى روي أنه قال: «رأيت ليلة أسري بي إلى العلى الذرة تدب على وجه الأرض من سدرة المنتهى» وذلك لحدة بصره، والبصر على أقسام: بصر الروح، وبصر العقل الذي منه التوحيد، وبصر القربة الذي خص به الأولياء وهو نور الفراسة، وبصر النبوة، وبصر الرسالة. وهذه الأبصار كلها مجموعة لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائمًا أبدًا، وله زيادة بصر قيادة الرسل وسيادتهم، فإنه سيد المرسلين وقائدهم،
[ ١١ / ٢٩٢ ]
وكان مطلعًا على الملك والملكوت كما قال: زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها - انتهى. وهذا الأخير رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان ﵁ أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها» وكان يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه - كما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس ﵁، وفي كثير من طرقه عدم التقييد بالصلاة، وهذا صريح في أن بصره لم يكن متقيدًا بالعين، بل خلق الله تعالى الأبصار في جميع أعضائه وكذا السمع، فإن كون العين محلًا لذلك وكذا الأذن إنما هو بجعل الله، ولو جعل ذلك في غيرهما لكان كما يريد سبحانه ولا مانع، ولم يكن الظلام يمنعه من نفود البصر ففي مسند أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: فقدت رحلي ليلة فمررت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يشد لعائشة
[ ١١ / ٢٩٣ ]
﵂، فقال: ما لك يا جابر؟ فقلت: فقدت جملي أو ذهب في ليلة ظلماء، فقال لي: هذا جملك، اذهب فخذه، فذهبت نحو ما قال لي، فلم أجده فرجعت إليه فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! ما وجدته، فقال لي: على رسلك، حتى إذا فرغ أخذ بيدي فانطلق حتى أتينا الجمل فدفعه إليّ، قال: هذا جملك - الحديث. وروى البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى بالليل في الظلمة كمل يرى بالنهار في الضوء، وروي مثل ذلك عن عائشة ﵂، وقال القاضي عياض في الشفا: حكى بقي بن مخلد عن عائشة ﵂ قالت، كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى في الظلمة كما يرى في الضوء، وأسند عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: لما تجلى الله لموسى ﵊ كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ.
وجوز أن يكون اختصاص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك بعد الإسراء - انتهى. وقد أخرج حديث
[ ١١ / ٢٩٤ ]
أبي هريرة هذا الحافظ نور الدين الهيثمي في زوائد المعجمين: الأوسط والأصغر للطبراني، ولعل هذا من مناسبة تعقيب هذه الآية بذكر موسى ﵇.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا﴾ إلى قوله تعالى ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ الآية، كان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيم ﵇ على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر بالاتباع، فأعقب ذلك بسورة الإسراء، وقد تضمنت من خصائص نبينًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وانطوت على ما حصل منه المنصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - سيد ولد آدم، فاستفتحت السورة بقصة الإسراء وقد تضمنت - حسبما وقع في صحيح مسلم وغيره - إقامته بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير استثناء، هذه رواية ثابت عن أنس ﵁، وفي حديث أبي هريرة ﵁، أنه - صلى الله
[ ١١ / ٢٩٥ ]
عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائمًا أبدًا - أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرًا ونذيرًا، وأنزل عليّ القرآن فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطًا وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا، فقال إبراهيم ﵇: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ وفي رواية أبي هريرة ﵁ من طريق الربيع بن أنس وذكر سدرة المنتهى وأنه ﵎ قال له: سل! فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلًا، وأعطيته ملكًا عظيمًا، وكلمت موسى تكليمًا، وأعطيت داود ملكًا عظيمًا، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكًا عظيمًا، وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح، وأعطيته ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل، فقال له ربه ﵎: قد اتخذتك حبيبًا فهو مكتوب في التوراة - «
[ ١١ / ٢٩٦ ]
محمد حبيب الرحمن» وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون.
وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا، وأعطيتك سبعًا من المثاني ولم أعطها نبيًا قبلك، وأعطيتك خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيًا قبلك، وجعلتك فاتحًا وخاتمًا. وفي حديث شريك أنه رأى موسى ﵇ في السماء السابعة قال: بتفضيل كلام الله، قال: ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله، فقال موسى: لم أظن أن يرفع عليّ أحد. وفي حديث علي بن أبي طالب ﵁ خرجه البزار «في ذكر تعليمه ﵊ الأذان وخروج الملك فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا جبريل! من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق! إني لأقرب الخلق مكانًا، وإن هذا الملك
[ ١١ / ٢٩٧ ]
ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه. وفيه: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقدمه، فأم بأهل السماء فيهم آدم ونوح»، وفي هذا الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين راويه: فيومئذ أكمل الله لمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - الشرف على أهل السماوات والأرض؛ قال ابن الزبير: وقد حصل منه تفضيله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائمًا أبدًا - بالإسراء وخصوصه بذلك، ثم قد انطوت السورة على ذكر المقام المحمود، وهو مقامه في الشفاعة الكبرى، وذلك مما خص به حسبما ثبت في الصحيح وانعقد عليه إجماع أهل السنة، ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائمًا أبدًا - الذي فضل به كافة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام مثل ما تضمنت هذه والحمد لله - انتهى.
ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به عن نفسه المقدسة من عظيم القدرة على كل ما يريد، وما حباه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من الآيات البينات في هذا الوقت اليسير، أتبعه ما منح في المسير من مصر إلى الأرض المقدسة من الآيات في مدد طوال جدًا موسى ﵇ الذي كان أعظم الأنبياء بركة على هذه الأمة ليلة الإسراء
[ ١١ / ٢٩٨ ]
لما أرشد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في تخفيف الصلاة حتى رجعت من خمسين إلى خمس مع أجر خمسين، والذي كان أنهى العروج به إذ ناجاه الله وقربه رأس جبل الطور بعد الأمر بالرياضة بالصوم والتخلي أربعين يومًا، والذي تقدم في آخر النحل أن قومه اختلفوا عليه في السبت، تنفيرًا من مثل حالهم، وتسلية عمن تبعهم في تكذيبهم وضلالهم، وذلك في سياق محذر للمكذبين عظائم البلاء، فقال تعالى - عاطفًا على ما تقديره، فآتينا عبدنا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكتاب المفصل المعجز، وجعلناه هدى للخلق كافة، وتولينا حفظه فكان آية باقية حافظًا لدينه دائمًا: ﴿وءاتينا﴾ أي بعظمتنا ﴿موسى الكتاب﴾ أي الجامع لخيري الدارين لتقواه وإحسانه، معظمًا له بنون العظمة، فساوى بين النبيين في تعظيم الإراءة والإيتاء وخص محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإضافة آياته إلى مظهر العظمة، وكان إيتاء موسى ﵇ الكتاب في نيف وأربعين سنة بعد أن أخرج معه بني أسرائيل من حبائل فرعون وجنوده الذين كانوا لا يحصون كثرة بتلك الآيات الهائلة التي لا يشك عاقل أن من قدر عليها لا يمتنع عليه شيء أراده، وفي هذه المدة الطويلة -
[ ١١ / ٢٩٩ ]
بل بزيادة - كان وصول بني إسرائيل من مصر إلى هذا المسجد الذي أوصلنا عبدنا إليه ورددناه إليكم في بعض ليلة راكبًا البراق الذي كان يركبه الأنبياء قبله، يضع حافره في منتهى طرفه، وبنو إسرائيل كانوا يسيرون جميع النهار مجتهدين ثم يبيتون في الموضع الذي أدلجوه منه في التيه لا يقدرون أن يجوزوه أربعين سنة - على ما قال كثير من العلماء، أو أنهم كانوا في هذه المدة يدورون حول جبل أدوم كما في التوراة، فثبت أنا إنما نفعل بالاختيار على حسب ما نراه من الحكم، ثم ذكره ثمرة كتاب موسى ﵇ فقال تعالى: ﴿وجعلناه﴾ أي الكتاب، بما لنا من العظمة ﴿هدى﴾ .
ولما كان هذا التنوين يمكن أن يكون للتعظيم يستغرق الهدى، بين الحال بقوله: ﴿لبني إسرائيل﴾ بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام، وأسرينا بموسى ﵇ وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى، فأقاموا سائرين إليها أربعين سنة ولم يصلوا، ومات كل من خرج منهم من مصر إلا «النقيبين الموفيين» بالعهد، فقد بان الفصل
[ ١١ / ٣٠٠ ]
بين الإسرائين كما بان الفصل بين الكتابين، فذكر الإسراء أولًا دليل على حذف مثله لموسى ﵇ ثانيًا، وذكر إيتاء الكتاب ثانيًا دليل على حذف مثله أولًا، فالآية من الاحتباك؛ ثم نبه على أن المراد من ذلك كله التوحيد اعتقادًا وعبادة بقوله تعالى: ﴿ألا﴾ أي لئلا ﴿تتخذوا﴾ بالياء التحتية في قراءة أبي عمرو، وبالفوقانية في قراءة الباقين، فنبه بصيغة الافتعال على أنه - لكثرة ما على وحدانيته من الدلائل، وله إلى خلقه من المزايا والفضائل - لا يعدل عنه إلى غيره إلا بتكلف عظيم من النفس، ومنازعة بين الهوى والعقل وما فطر سبحانه عليه النفوس من الانقياد إليه والإقبال عليه، ونفر من له همة علية ونفس أبية من الشرك بقوله منبهًا بالجار على تكاثر الرتب دون رتبة عظمته سبحانه وعد الاستغراق لها، تاركًا نون العظمة للتنصيص على المراد من دون لبس بوجه: ﴿من دوني﴾ وقال تعالى: ﴿وكيلًا *﴾ أي ربًا يكلون أمورهم إليه ويعتمدون عليه من صنم ولا غيره، لتقريب إليه بشفاعة ولا غيرها - منبهًا بذكر الوكالة على سفه آرائهم في
[ ١١ / ٣٠١ ]
ترك من يكفي في كل شيء إلى من لا كفاية عنده لشيء، ثم أتبعه ما يدل على شرفهم بشرف أبيهم، وأنه لم ينفعهم إدلاءهم إليه - عند إرادة الانتقام - بما ارتكبوا من الإجرام، فقال - منبهًا على الاهتمام بالتوحيد والأمر بالإخلاص بالعود إلى مظهر العظمة حيث لا لبس، ناصبًا على الاختصاص في قراءة أبي عمرو، وعلى النداء عند الباقين، تذكيرًا بنعمة الإيحاء من الغرق: ﴿ذرية من حملنا﴾ أي في السفينة بعظمتنا، على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما تحت أديم السماء، ونبه على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى: ﴿مع نوح﴾ أي من أولاده وأولادهم الذين أشرفهم إبراهيم الذي كان شاكرًا ثم إسرائيل ﵉، لأن الصحيح أن من كان معه من غيرهم ماتوا ولم يعقبوا، ولم يقل: ذرية نوح، ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى؛ ثم نبه على تقواه وإحسانه حثًا على الاقتداء به بقوله: ﴿إنه كان﴾ أي كونًا جبليًا ﴿عبدًا شكورًا *﴾ أي مبالغًا في الشكر الذي هو صرف جميع ما أنعم الله به فيما خلقه له فأحسن إليه لشكره بأن
[ ١١ / ٣٠٢ ]
جعل في ذريته النبوة والكتاب كما فعل بإبراهيم ﵇ لأنه كان شاكرًا، فاقتدوا بهذين الأبوين العظيمين في الشكر يزدكم، ولا تقلدوا غيرهما في الكفر يعذبكم، وخص نوحًا ﵇ لأنه ما أملى لأحد ما أملى لقومه ولا أمهل أحدًا ما أمهلهم، ثم أهلكهم أجمعين كما أومأ إليه قوله ﴿حملنا﴾ إهلاك نفس واحدة، ثم أذهب الماء بعد إغراقهم بالتدريج في مدة طويلة، فثبت أنه منزه عن العجلة، وأنه سبحانه تارة يفعل الأمور الكثيرة الشاقة في أسرع وقت، وترة يعمل ما هو دونها في أزمان طوال، فبان كالشمس أنه إنما يفعل على حسب ما يريد مما تقتضيه حكمته؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الناس: الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم
[ ١١ / ٣٠٣ ]
البصر، وتدنو الشمس، فبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فذكر حديث الشفاعة العظمى وإتيانهم الأنبياء آدم وبعده أولي العزم عليهم الصلاة والسلام، وأنهم يقولون لنوح ﵇: وقد سماك الله عبدًا شكورًا، وكلهم يتبرأ ويحيل على من بعده إلى أن وصل الأمر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع! فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي
[ ١١ / ٣٠٤ ]
نفسي بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى ثم أتبع ذلك ما يدل على شرف كتاب موسى وصحة نسبته إليه تعالى بما يقتضي شمول العلم وتمام القدرة بما كشف عنه الزمان من صدق إخباره، وفظاظة وعيده وإنذاره، تنبيهًا على أن من كذب بكتابه أهلكه كائنًا من كان وإن طال إمهاله، فلا تغتروا بحلمه لأن الملوك لا تقر على أمر يقدح في ملكها، فقال تعالى: ﴿وقضينا﴾ أي بعظمتنا بالوحي المقطوع به، منزلين ومنهين ﴿إلى بني إسرائيل﴾ أي عبدنا يعقوب ﵇ الذي كان أطوع أهل زمانه لنا ﴿في الكتاب﴾ الذي أوصلناه إليهم على لسان موسى ﵇ ﴿لتفسدن﴾ أكد بالدلالة على القسم باللام لأنه يستبعد الإفساد مع الكتاب المرشد ﴿في الأرض﴾ أي المقدسة التي كأنها لشرفها هي الأرض بما يغضب الله ﴿مرتين ولتعلن﴾ أي بما صرتم إليه من البطر لنسيان المنعم ﴿علوًا كبيرًا *﴾ بالظلم والتمرد، ولا ينتقم منكم إلا على حسب ما تقتضيه حكمتنا في الوقت الذي نريد بعد إمهال طويل؛ والقضاء: فصل الأمر على إحكام ﴿فإذا جاء وعد أولاهما﴾
[ ١١ / ٣٠٥ ]
أي وقته الذي حددناه له للانتقام فيه ﴿بعثنا﴾ أي بعظمتنا؛ ونبه على أنهم أعداء بقوله: ﴿عليكم﴾ ونبه على عظمته، قدرته وسعة ملكه بقوله تعالى: ﴿عبادًا لنا﴾ أي لا يدان لكم بهم لما وهبنا لهم من عظمتنا ﴿أولي بأس﴾ أي عذاب وشدة في الحرب شديدة ﴿شديد فجاسوا﴾ أي ترددوا مع الظلم والعسف وشديد السطوة؛ والجوس: طلب الشيء باستقصاء ﴿خلال﴾ أي بين ﴿الديار﴾ الملزوم لقهر أهلها وسفولهم بعد ذلك العلو الكبير؛ والخلال: انفراج ما بين الشيئين وأكثر لضرب من الوهن ﴿وكان﴾ أي ذلك البعث ووعد العقاب به ﴿وعدًا مفعولًا *﴾ أي لا شك في وقوعه ولا بد أن يفعل لأنه لا حائل بيننا وبينه، ولا يبدل القول إلا عاجز أو جاهل؛ عن ابن عباس ﵄ أنهم جالوت وجنوده؛ وعن سعيد بن المسيب أنهم بختنصر وجنوده؛ وعن الحسن: العمالقة؛ وعن سعيد بن جبير: سنجاريب وجنوده؛ قال في السفر الخامس من التوراة
[ ١١ / ٣٠٦ ]
إشارة إلى هذه المرة الأولى - والله أعلم: وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم لم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه التي آمركم بها اليوم، ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله، ويدرككم العقاب، وتكونوا ملعونين في القرية والسفر وفي الخصر، ويلعن نسلكم وثمار أرضكم، وتكونوا ملعونين إذا دخلتم، وملعونين إذا خرجتم، ينزل بكم الرب البلاء والحشرات، وينزل بكم الضربات الشديدة وبكل شيء تمدون أيديكم إليه لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم سريعًا، من أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي، يسلط الله عليكم الموت فيهلككم من الأرض التي تدخلونها لترثوها، يضربكم الله بحيران العقل والبهق والبرص، وبالحريق باشتمال النار، وباليرقان والجرب والسموم، ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا، وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس، والأرض التي تحتكم شبه الحديد، ويصير الرب مطر أرضهم غبارًا ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم، تخرجون إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق، وتكونون مثلًا وفزعًا لجميع مملكات الأرض،
[ ١١ / ٣٠٧ ]
وتكون جيفكم طعامًا لجميع السباع وطيور السماء، ولا يذب أحد عنكم، ويضربكم الرب بالجراحات التي ضرب بها أهل مصر، ويبليكم بالبرص والزحير وبالحكة، ولا يكون لكم شفاء من ذلك، ويضربكم الرب بالعمى والكمه ورعب القلب، وتكونون تجسسون في الظهيرة مثل ما يتجسس العميان، ولا يتم شيء مما تعملون، ولا يكون له تمام، وتكونون مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم ولا يكون لكم منقذ، تخطبون المرأة فيتزوجها غيركم، وتبنون بيتًا ويسكنه غيركم، وتغرسون كرومًا ولا تعصرون منها، وتذبحون ثيرانكم بين أيديكم ولا تأكلون منها شيئًا، ويؤخذ حمارك ظلمًا ولا تقدر أن تخلصه، ويسوق العدو أغنامكم ولا يكون لكم منقذ، ويسبي بنيك وبناتك شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص، وتشقى وتغتم نهارك كله أجمع ولا يكون لك حيلة، وثمار أرضك وكل كدك يأكله شعب لا تعرفه، وتكون مضطهدًا مظلومًا طول عمرك،
[ ١١ / ٣٠٨ ]
ويضربك الرب بجرح رديء على ركبتيك وساقيك ولا يكون لك، ويسلط عليك الجراحات من قرنك إلى قدمك ويسوقك الرب، ويسوق ملكك الذي ملكته عليك إلى شعب لم يعرفه أبوك، وتعبد هناك آلهة عملت من خشب وحجارة، وتكون مثلًا وعجبًا ويفكر فيك كل من يسمع خبرك ثم قال: ويولد لك بنون وبنات ولا يكونون لك بل يسبون، وينطلق بهم مسبيين.
ثم قال: ويسلط الرب عليك شعبًا يأتيك وأنت جائع ظمآن، وتخدم أعداءك الذين يسلطهم الله عليك من بعيد من أقصى الأرض، ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف لغتهم شعب وجوههم صفيقة لا تستحيي من الشيوخ، ولا ترحم الصبيان، ويضيق عليك في جميع قراك حتى يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها، وتضطر حتى تأكل لحم ولدك من الحاجة والضيق الذي يضيق عليك عدوك، والرجل المدلل منكم المتلذذ المفيق تنظر عيناه إلى أخيه وحليلته وإلى من بقي من ولده جائعًا ولا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكل، لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد
[ ١١ / ٣٠٩ ]
والضيق الذي يضيق عليك عدوك في كل قراك، والمرأة المخدرة المدللة المفيقة التي لم تطأ الأرض قدماها من الدلال تنظر عيناها إلى زوجها وإلى ابنها وبنتها وإلى ولدها التي تلد، وهي تأكلهم، وذلك من الحاجة والفقر وعدم الطعام مما يضيق عليك عدوك ويضطهدك في جميع قراك.
[ ١١ / ٣١٠ ]