ولما نقض شبهتهم هذه إشارة وعبارة بما فضحهم، نقض لهم شبهة أخرى بأوضح من ذلك وأفضح فقال تعالى: ﴿ولقد نعلم﴾ أي علمًا مستمرًا ﴿أنهم يقولون﴾ أي أيضًا قولًا متكررًا لا يزالون يلهجون به ﴿إنما يعلمه بشر﴾ وهم يعلمون أن ذلك سفساف من القول؛ ثم استأنف الرد عليهم فقال تعالى: ﴿لسان﴾ أي لغة وكلام ﴿الذين يلحدون﴾ أي يميلون أو يشيرون ﴿إليه﴾ بإن علمه إياه، مائلين عن القصد جائرين عادلين عن الحق ظالمين ﴿أعجمي﴾ أي غير لغة العرب، وهو مع ذلك ألكن في النادية غير بين، وهو غلام كان نصرانيًا لبعض قريش اختلف في اسمه، وهذا التركيب وضع في لسان العرب للإبهام والإخفاء، ومنه عجم الزبيب - لاستتاره، والعجماء: البهيمة - لأنها لا تقدر على أيضاح ما في نفسها، وأما أعجمت الكتاب فهو للإزالة.
[ ١١ / ٢٥٦ ]
﴿وهذا﴾ أي القرآن ﴿لسان عربي مبين *﴾ أي هو من شدة بيانه مظهر لغيره أنه ذو بيان عظيم، فلو أن المعلم عربي للزمهم أن لا يعجزوا عن الإتيان بمثل ما علم، فكيف وهو أعجمي.
فلما بانت بهذا فضيحتهم، كان كأنه قيل: إن من العجب إقدامهم على مثل هذا العار وهم يدعون النزاهة؟ فأجاب بقوله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون﴾ أي يصدقون كل تصديق معترفين ﴿بآيات الله﴾ أي الذي له العظمة كلها ﴿لا يهديهم الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق، بل يضلهم عن القصد، فلذلك يأتون بمثل هذه الخرافات فأبشر لمن بالغ في العناد، بسد باب الفهم والسداد.
ولما كان ربما توهم أنه لكونه هو المضل لا يتوجه اللوم عليهم نفى ذلك بقوله: ﴿ولهم عذاب أليم *﴾ أي بذلك، لمباشرتهم له مع حجب المراد عنهم وخلق القدرة لهم، إجراء على عوائد بعض الخلق مع بعض.
ولما زيف شبههم، أثبت لهم ما قذفوه به وهو بريء منه مقصورًا عليهم، فقال تعالى: ﴿إنما يفتري﴾ أي يتعمد ﴿الكذب الذين لا يؤمنون﴾ أي لا يتجدد منهم الإيمان ﴿بآيات الله﴾ أي الذي له الكمال كله، فإن ردهم لما قام الدليل على أنه حق وعجزوا
[ ١١ / ٢٥٧ ]
عنه تعمد منهم للكذب؛ ثم قصر الكذب عليهم فقال: ﴿وأولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الكاذبون *﴾ أي العريقون في الكذب ظاهرًا وباطنًا.
ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقًا، أتبعهم صنفًا منهم هم أشدهم كفرًا فقال تعالى: ﴿من﴾ أي أي مخلوق وقع له أنه ﴿كفر بالله﴾ أي الذي له صفات الكمال، بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر، ولما كان الكفر كله ضارًا وإن قصر زمنه، أثبت الجار فقال تعالى: ﴿ومن بعد إيمانه﴾ بالفعل أو بالقوة، لما قام على الإيمان من الأدلة التي أوصلته إلى حد لا يلبس فصار استكباره عن الإيمان ارتدادًا عنه وجوب الشرط دل ما قبله وما بعده على أنه: فهو الكاذب، أو فعليه غضب من الله ﴿إلا من أكره﴾ أي وقع إكراهه على قول كلمة الكفر ﴿وقلبه﴾ أي والحال أن قلبه ﴿مطمئن بالإيمان﴾ فلا شيء عليه، وأجمعوا - مع إباحة ذلك له - أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر، بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة، والآية
«نزلت في عمار بن ياسر ﵁
[ ١١ / ٢٥٨ ]
أكرهوه فتابعهم وهو كاره، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه كفر، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كلا! إن عمارًا ملىء إيمانًا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح عينيه ويقول: إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلت» ﴿ولكن من شرح﴾ أي فتح فتحًا صار يرشح به ﴿بالكفر صدرًا﴾ أي منه أو من غيره بالتسبب فيه لأن حقيقة الإيمان والكفر يتعلق بالقلب دون اللسان، وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب لتوقع الأحكام الظاهرة ﴿فعليهم﴾ لرضاهم به ﴿غضب﴾ أي غضب؛ ثم بين جهة عظمه بكونه ﴿من الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿ولهم﴾ أي بظواهرهم وبواطنهم ﴿عذاب عظيم *﴾ لارتدادهم على أعقابهم.
ولما كان من يرجع إلى الظلمات بعد خروجه منها إلى النور جديرًا بالتعجب منه، كان كأنه قيل: لم يفعلون، أو لم يفعل
[ ١١ / ٢٥٩ ]
بهم ذلك؟ فقال تعالى: ﴿ذلك﴾ الارتداد أو الوعيد العظيم ﴿بأنهم﴾ أي بسبب أنهم ﴿استحبوا﴾ أي أحبوا حبًا عظيمًا ﴿الحياة الدنيا﴾ أي الدنيئة الحاضرة الفانية، فآثروها ﴿على الآخرة﴾ الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمن من الضيق والكافر من السعة ﴿و﴾ بسبب ﴿أن الله﴾ أي الملك الذي له الغنى الأكبر ﴿لا يهدي القوم الكافرين *﴾ الذين علم استمرارهم عليه، بل يخذلهم ويسلط الشيطان عليهم يحتالهم عن دينهم.
[ ١١ / ٢٦٠ ]