ولما كان هذا القول غير مستغرق لزمان البعد، أثبت الجار فقال تعالى: ﴿من بعده﴾ أي الإغراق ﴿لبني إسراءيل﴾ الذين كانوا تحت يده أذل من العبيد لتقواهم وإحسانهم: ﴿اسكنوا الأرض﴾ أي مطلق الأرض إشارة إلى أن فرعون كان يريد محوهم عن الأرض أو إلى أن سكناهم مع وجوده كانت عدمًا، لما بهم من الذل - والأرض التي أراد أن يستفزهم منها، وهي أرض مصر، أي صيروا بحيث تسكنونها لا يد لأحد عليكم، ولا مانع لكم مما تريدون منها، كما كان فرعون وجنوده إذا شئتم مملكين فيها بعد أن كنتم عبيدًا تسامون سوء العذاب ﴿فإذا جاء﴾ أي مجيئًا محققًا ﴿وعد الآخرة﴾ أي القيامة بعد أن سكنتم الأرض أحياء ودفنتم فيها أمواتًا ﴿جئنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿بكم﴾ منها ﴿لفيفًا *﴾ أي بعثناكم وإياهم مختلطين، لا حكم لأحد على آخر، ولا دفع لأحد عن آخر على غير الحالة التي كانت في الدنيا، ثم ميزنا
[ ١١ / ٥٢٩ ]
بعضكم عن بعض، ونعمنا الطيب منكم بإهانة الخبيث، أن يسأل بنو إسرائيل الذين يقبل هؤلاء المشركون الجهلة كلامهم ويستنصحونهم في أمورهم - عن هذا الذي تلوناه عليك يخبروا به كما أخبرناك، فيثبت حينئذ عندهم أمر الآخرة، وإلا كان قبولهم لبعض كلامهم دون بعض بغير دليل تحكمًا وترجيحًا من غير مرجح.
ولما ثبت أمر الحشر بإثبات القدرة على كل ممكن تارة، وبإخبار بني إسرائيل الذين ألزموا أنفسهم قبول كلامهم وقطع المفاوز إليهم لسؤالهم عن بعض الأمور أخرى، ثبت أن هذا القرآن المخبر بذلك حق، وكانوا قد سألوه عن المسائل المذكورة فأجابهم عن أولها وهي الروح بأمر مجمل وعقبه بأنهم سألوه في أشياء اقترحوها وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفعلها، وأشار تعالى بالإخبار عن آيات موسى ﵇ إلى أنه لم يترك إجابتهم بخلًا ولا عجزًا، فإنها من جنس ما سألوا من التصرف في المياه تارة بإنزالهما وتارة بتبديلها دمًا الموجب للقدرة على إنبات الأشجار بها، ومن إسقاط السماء كسفًا بإسقاط البرد المهلك، فثبت بذلك صحة الإخبار بتصريف الأمثال في هذا الكتاب،
[ ١١ / ٥٣٠ ]
فعطف على قوله: ﴿ولقد صرفنا﴾ قوله تعالى: ﴿وبالحق﴾ أي من المعاني الثابتة التي لا مرية فيها لا بغيره ﴿أنزلناه﴾ نحن القرآن أو هذا الذي أخبر منه بالحشر لبني إسرائيل ملتفين بالقبط وبما قبله على ما لنا من العظمة ﴿وبالحق﴾ لا بغيره ﴿نزل﴾ هو ووصل إليهم على لسانك بعد إنزاله عليك كما أنزلنا سواء غضًا طريًا محفوظًا لم يطرأ عليه طارىء، فليس فيه شيء من تحريف ولا تبديل كما وقع في كتاب اليهود الذين يسألهم قومك، فأفاد هذا أن القرآن معجز بكونه مع إعجازه بالبلاغة في تصريف الأمثال، وغيرها من نظم المقال ﴿وما أرسلناك﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿إلا مبشرًا ونذيرًا *﴾ على غاية التمكن في كل من الوصفين - بما أشار إليه الواو والصيغة، تبلغهم ما فيه من بشارة لمن آمن بذلك اليوم، ونذارة لمن لم يؤمن به، فإن قبلوا فهو حظهم، وإن لم يقبلوا كان عليهم وزرهم، ولم يكن عليك لوم، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلًا، وسنزهق باطلهم بهذا الحق لا محالة، فلا تستعجل لهم ﴿إن الباطل كان زهوقًا﴾ ولم نرسلك لتفجير الأنهار ولا إنبات الأشجار؛ ثم أخبر أن الحكمة في إنزال القرآن منجمًا فقال تعالى: ﴿وقرءانًا﴾ أي وفصلنا أو وأنزلنا قرآنًا ﴿فرقناه﴾ أي أنزلناه منجمًا في أوقات
[ ١١ / ٥٣١ ]
متطاولة وميزناه بالحقيقة عن كل باطل، وبالإعجاز عن كل كلام ﴿لتقرأه على الناس﴾ أي عامة كل من أمكنك منهم، فإنك مرسل إليهم كلهم.
ولما كانوا لما لهم من النوس في غاية الزلزلة، لا يتهذبون إلا في أزمان طويلة وعلاج كبير، قال مشيرًا إلى ذلك: ﴿على مكث﴾ أي تؤدة وترسل بأن تقرأ منه كل نجم في وقته الذي أنزلناه فيه مدة ثلاث وعشرين سنة ﴿ونزلناه﴾ من عندنا بما لنا من العظمة ﴿تنزيلًا *﴾ بعضه في إثر بعض، مفرقًا بحسب الوقائع لأنه أتقن في فصلها، وأعون على الفهم لطول التأمل لما نزل من نجومه في مدة ما بين النجمين لغزارة ما فيه من المعاني، وكثرة ما تضمنه من الحكم، وذلك أيضًا أقرب للحفظ، وأعظم تثبيتًا للفؤاد، وأشرح للصدر، لأن أخبار الحبيب إذا كانت متواصلة كان المحب كل يوم في عيد، بهناء جديد، فعلنا بك ذلك لما تقدم من أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت الشبه، وعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلما طالت الدلائل، وزالت الشبه، وعلم أن الحظ لمن أقبل، والخيبة لمن أدبر، أمره أن يقول منبهًا لهم على ذلك
[ ١١ / ٥٣٢ ]
مبكتًا لهم بتقاعسهم عنه وعنادهم فيه بقوله تعالى: ﴿قل آمنوا به﴾ أي القرآن ﴿أو لا تؤمنوا﴾ فالإيمان به غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم إن آمنتم به كان الحظ لكم، وإلا لم تضروا إلا أنفسكم، وهو احتقار لهم حيث صرف لهم من كل مثل فأبوا إلا كفورًا، ثم علل ذلك بما يقبل بكل ذي لب إليه، فإن كان ل «قل» فهو تسلية له صل الله عليه وعلى آله وسلم، وإن كان لما بعدها فهو تبكيت لهم وتحقير، فقال تعالى: ﴿إن الذين أوتوا العلم﴾ وبني للمفعول دلالة على أن العلم الرباني - وهو العلم في الحقيقة من أيّ مؤتٍ كان، حاث على الإيمان بهذا القرآن، وتنبيهًا على أن من كان يعلم ولا يحمله علمه على الإيمان بهذا الكتاب الذي لا شيء أبين من حقيقته بمصادقته لكتب الأنبياء الذين ثبتت رسالاتهم ومضت عليها الدهور، واطمأنت بها النفوس، وزيادته عليها بما أودعه الله من الإعجاز والحكم - فعلمه كلا علم بل هو أجهل الجهلة، سواء كان ممن سألتموه عني أو من غيرهم - كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في الزمر.
ولما كان المراد أن من اتصف بهذا الوصف ولو زمنًا يسيرًا نفعه، أدخل الجار فقال مرغبًا في العلم ليحمل على الإيمان بالقرآن: ﴿من قبله﴾ أي قبل إنزاله ممن آمن من بني إسرائيل
[ ١١ / ٥٣٣ ]
الذين أمرني الله بسؤالهم تسميعًا لكم وتثبيتًا لكونكم أقبلتم عليهم بالسؤال وجعلتموهم محط الوثوق: ﴿إذا يتلى﴾ أي من أيّ تالٍ كان ﴿عليهم﴾ في وقت من الأوقات، ينقلهم من حال إلى حال، فيرقيهم في مدارج القرب ومعارج الكمال، إلى أعلى الرتب، بأنهم ﴿يخرون﴾ أي يسقطون بسرعة؛ وأكد السرعة وأفاد الاختصاص بقوله تعالى: ﴿للأذقان﴾ باللام دون إلى أو على، دالًا بالأذقان على أنهم من شدة ما يحصل لهم من الخشوع يسقطون سقوط من ليس له اختيار، وأول ما يلاقي الأرض ممن يسقط كذلك ذقنه، وهو مجتمع اللحيين من منبت لحيته - فإن الإنسان مجبول بالطبع على صيانة وجهه، فهو يرفع رأسه فتصير ذقنه وفمه أقرب ما في وجهه إلى الأرض حال السقوط، ولهذا قال شاعرهم: فخر سريعًا لليدين وللفم.
ثم بين أن ذلك ليس سقوطًا اضطراريًا من كل جهة بقوله تعالى: ﴿سجدًا *﴾ أي يفعلون ذلك لما يعلمون من حقيته بما أوتوا من العلم السالف، وما في قلوبهم من الإذعان، والخشية للرحمن ﴿ويقولون﴾ أي على وجه التحديد المستمر: ﴿سبحان ربنا﴾ أي تنزه
[ ١١ / ٥٣٤ ]
الموجد لنا، المدبر لأمورنا، المحسن إلينا، عن شوائب النقص، لأنه وعد على ألسنة رسلنا أن يبعثنا بعد الموت ووعده الحق، فلا بد أن يكون، ووعد أن يأتي بهذا الكتاب على لسان هذا النبي العربي، وأوصل هذا الوعد إلينا في الكتب السالفة فأنجز ما سبق به وعده ﴿إن﴾ أي أنه ﴿كان﴾ أي كونًا لا ينفك ﴿وعد ربنا﴾ أي المحسن إلينا بالإيمان، وما تبعه من وجوه العرفان ﴿لمفعولًا *﴾ دون خلف، ولا بد أن يأتي جميع ما وعد به من الثواب والعقاب، وهو تعريض بقريش حيث كانوا يستهزئون بالوعيد في قولهم ﴿أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا﴾ ونحوه مما معناه الطعن في قدرة الله القادر عل كل شيء ﴿ويخرون﴾ عند تكرار سماعه ﴿للأذقان﴾ مع سجودهم ﴿يبكون ويزيدهم﴾ تكراره ﴿خشوعًا *﴾ أي خضوعًا وتواضعًا وإخباتًا، فإن كان سؤالكم إياهم لتؤمنوا إذا أخبروكم أني على الحق فآمنوا، وإن كان لغير ذلك فقد تبين سفهكم وضعف أمركم وسوء رأيكم، وعبر في البكاء بالفعل إشارة إلى تجدده في بعض الأحيان لما لهم في بعضها من السرور ببعض ما أبيح من الملاذ، وفي السجود بالاسم إشارة إلى دوام ذلهم بالسجود المشروع، أو بمطلق الخضوع، وسيأتي في سورة مريم ما يزيده وضوحًا.
[ ١١ / ٥٣٥ ]