ولما تقدم كثير من التحذير والتبشير، وتقدم أنه لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون، وختم ذلك بانحصار الخسار في الكفار، بيَّن اليوم الذي تظهر فيه تلك الآثار، ووصفه بغير الوصف المقدم باعتبار المواقف، فقال تعالى مبدلًا من ﴿يوم نبعث من كل أمة شهيدًا﴾
[ ١١ / ٢٦٢ ]
﴿يوم تأتي﴾ أي فيه ﴿كل نفس﴾ أي إنسان وإن عظم جرمها ﴿تجادل﴾ أي تعتذر، وعبر بالمجادلة إفهامًا للذفع بأقصى ما تقدر عليه، وأظهر في قوله: ﴿عن نفسها﴾ أي ذاتها بمفردها لا يهمها غير ذلك لما يوهم الإضمار من أن كل أحد يجادل عن جميع الأنفس. ولما كان مطلق الجزاء مخوفًا مقلقًا، بني للمفعول قوله: ﴿وتوفَّى كل نفس﴾ صالحة وغير صالحة ﴿ما عملت﴾ أي جزاء من جنسه ﴿وهم﴾ ولما كان المرهوب مطلق الظلم، وكان البناء للمفعول أبلغ جزاء في نفيه قال تعالى: ﴿لا يظلمون *﴾ أي لا يتجدد عليهم ظلم لا ظاهرًا ولا باطنًا، ليعلم بإبدال «يوم» من ذلك المتقدم أن الخسارة بإقامة الحق عليهم لا بمجرد إسكاتهم.
ولما عقب سبحانه ما ضرب سابقًا من الأمثال بقوله تعالى ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى: ﴿وما أمر الساعة﴾ إلى آخره، واستمر فيما مضت مناسباته آخذًا بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من الظلم فيها، وبين أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء، عطف على ما مضى - من الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة - مثلًا محسوسًا موجودًا، مبينًا أن الأعمال في هذه
[ ١١ / ٢٦٣ ]
الدار أيضًا مناط الجزاء، مرهبًا من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال تعالى: ﴿وضرب الله﴾ أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا لكم أيها المعاندون! ﴿مثلًا قرية﴾ من قرى الماضين التي تعرفونها كقرية هود أو صالح أو لوط أو شعيب ﵈ كان حالها كحالهم، وعن ابن عباس ﵄ أنها مكة ﴿كانت ءامنة﴾ أي ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف ﴿مطمئنة﴾ أي تارة بأهلها، لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد، وكف الله الناس عنها، ووجود ما يحتاج إليه أهلها ﴿يأتيها﴾ أي على سبيل التجدد والاستمرار ﴿رزقها رغدًا﴾ أي واسعًا طيبًا ﴿من كل مكان﴾ برًا وبحرًا بتيسير الله تعالى لهم ذلك.
ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالبًا، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى: ﴿فكفرت﴾ ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة فضلة عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده ﷾ فقال: ﴿بأنعم الله﴾ أي الذي له الكمال كله كما كفرتم ﴿فأذاقها الله﴾
[ ١١ / ٢٦٤ ]
أي المحيط بكل شيئ قدرة وعلمًا ﴿لباس الجوع﴾ بعد رغد العيش ﴿والخوف﴾ بعد الأمن والطمأنينة حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباسًا، وبشدة عركهم ذواقًا، فكأن النظر إلى المستعار له، وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق، ولو نظر إلى المستعار لقال: فكساها، فكان يفوت الذوق، وذلك كما نظر إليه كثيّر في قوله:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكًا غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف لأنه يصون صون الرداء لما يلقى عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا وصف الرداء الذي هو المستعار، ولو نظر إليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلًا كما نظر إليه من قال ذاكرًا السيف الذي يصون به الإنسان نفسه:
ينازعني ردائي عبد عمرو رويدك يا أخا بكر بن عمرو
لي الشطر الذي ملكت يميني ودونك فاعتجر منه بشطر
[ ١١ / ٢٦٥ ]
فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار، فبانت فضيحة ابن الراوندي في زندقته إذ قال لابن الأعرابي: هل يذاق اللباس؟ فقال له: لا بأس يا أيها النسناس! هب أن محمدًا ما كان نبيًا، أما كان عربيًا؟ ﴿بما كانوا﴾ أي بجبلاتهم ﴿يصنعون *﴾ من الكفر والكبر، قد مرنوا عليه بكثرة المداومة مرون الإنسان على صنعته.
ولما كان تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولًا، حقق ذلك بقوله تعالى: ﴿ولقد جاءهم﴾ أي أهل هذه القرية ﴿رسول منهم﴾ كما وقع لكم ﴿فكذبوه﴾ كما فعلتم ﴿فأخذهم العذاب﴾ كما سمعتم، وإن كان المراد بها مكة فالمراد به الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال «اللهم أعني بسبع كسبع يوسف» وأما الخوف فما كان من جهاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم ﴿وهم ظالمون *﴾ أي عريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها، لأنهم استمروا على كفرهم مع الجوع، وسألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإغاثة فدعا لهم.
[ ١١ / ٢٦٦ ]