ولما تقرر بما مضى من أدلة التوحيد، فثبت ثباتًا لا يتطرق إليه شك أن الله هو الإله وحده كما أنه هو الرازق وحده، ونبههم على دقائق في تقديره للأرزاق تدل على عظمته وشمول علمه وقدرته واختياره، فثبت أنهم ظالمون فيما جعلوا للأصنام من رزقه، وأنه ليس لأحد أن يتحرك إلا بأمره سبحانه، وختم ذلك بهذا المثل المحذر من كفران النعم، عقبه بقوله تعالى صادًا لهم عن أفعال الجاهلية: ﴿فكلوا﴾ أي فتسبب عن جميع ما مضى أن يقال لهم: كلوا ﴿مما رزقكم الله﴾ أي الذي له الجلال والجمال مما عده لكم في هذه السورة وغيرها، حال كونه ﴿حلالًا طيبًا﴾ أي لا شبهة فيه ولا مانع بوجه ﴿واشكروا نعمت الله﴾ أي الذي له صفات الكمال حذرًا من أن يحل بكم ما أحل بالقرية الممثل بها ﴿إن كنتم إياه﴾ أي وحده ﴿تعبدون *﴾ كما اقتضته هذه الأدلة، لأن وحده هو الذي يرزقكم وإلا عاجلكم بالعقوبة لأنه ليس بعد العناد عن البيان إلا الانتقام، فصار الكلام في الرزق والتقريع على عدم الشكر مكتنفًا الأمثال قبل وبعد.
[ ١١ / ٢٦٧ ]
ولما كان الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى معرفته، وكانت المباحات أكثر من المحظورات، حصر القليل ليعلم منه الكثير، لأن كل ضدين معروفين إجمالًا عُين أحدهما، عرف من تعيينه الآخر، فقال تعالى: ﴿إنما حرم﴾ أي الله الذي لا أمر لأحد معه ﴿عليكم الميتة﴾ التي بينت على لسان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت ﴿والدم ولحم الخنزير﴾ خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين ﴿وما أهل﴾ أي بأيّ إهلال كان من أي مهل كان. ولما كان مقصود السورة لبيان الكمال، كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى فقال تعالى: ﴿لغير الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه ﴿به﴾ .
ولما كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كلّ ما يمكن أكله، بين لهم أنه رفق بهم فأباح لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى: ﴿فمن اضطر﴾ أي كيفما وقع له الاضطرار ﴿غير باغ﴾ على مضطر آخر ﴿ولا عاد﴾ سدَّ الرمق.
ولما كان الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة
[ ١١ / ٢٦٨ ]
إنما هو رخصة، وكانت الشهوة داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى: ﴿فإن الله﴾ أي المختص بصفات الكمال، بسبب تناوله منها على ما حده ﴿غفور رحيم *﴾ فمن زاد على ما أذن له فيه فهو جدير بالانتقام.
[ ١١ / ٢٦٩ ]