ولما قدم سبحانه في هذه السورة حكاية كثير من استهزائهم بوعده ووعيده، وتكذيبهم لرسله على أبشع وجه، والتفتير عن حرقة الحرص عليهم، المفضي إلى شدة التأسف على ضلالهم وغير ذلك مما ربما أيأس منهم فأقعد عن دعائهم، وأتبعه ضرب الأمثال، ونصب الجدال - على تلك المناهيج المعجزة بما يسبق من ظواهرها إلى الفهم عند قرع السمع من المعاني الجليلة، والمقاصد الجميلة - لعامة الخلق ما يجل عن الوصف، وإذا تأملها الخواص وجدوا فيها من دقائق الحقائق، ومشارع الرقائق، ومحكم الدلائل، ومتقن المقاصد والوسائل، ما يوضح - بتفاوت الأفهام وتباين الأفكار - أنه بحر لا ساحل له ولا قرار، ولا منتهى لما تستخرج منه الأنظار، وختم باتباع الأب الأعظم، لما كان ذلك، وأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو السميع المطيع أن يستن بآثاره، ويقتدي بإضماره وإظهاره، فسر
[ ١١ / ٢٧٨ ]
له تلك الملة التي أمره باتباعها فقال تعالى: ﴿ادع﴾ أي كل من تمكن دعوته ﴿إلى سبيل ربك﴾ أي المحسن إليك، بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه، وهو الإسلام الذي هو الملة الحنيفية ﴿بالحكمة﴾ وهي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد، وقيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد وما لا ينبغي أن يختار، فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد - قاله الرماني، وهي في الحقيقة الحق الصريح، فمن كان أهلًا له دعا به ﴿والموعظة﴾ بضرب الأمثال والوعد والوعيد مع خلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة ﴿الحسنة﴾ أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها، ويروق كل نحرير ما ضمنته سرائرها، مع اللين في مقصودها وتأديتها هذا لمن لا يحتمل إلا ذلك ﴿وجادلهم﴾ أي الذين يحتملون ذلك منهم افتلهم عن مذاهبهم الباطلة إلى مذهبك الحق بطريق الحجاج ﴿بالتي هي أحسن﴾ من الطرق بالترفق واللين والوقار والسكينة، ولا تعرض عنهم
[ ١١ / ٢٧٩ ]
يأسًا منهم، ولا تجازهم بسيىء مقالهم وقبيح فعالهم صفحًا عنهم ورفقًا بهم، فهو بيان لأصناف الدعوة بحسب عقول المدعوين، لأن الأنبياء ﵈ مأمورون بأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم، وقيل: الدعوة إن كانت لتقرير الدين وتثبيت الاعتقاد في قلوب أهله - وهي مع ذلك يقينية مطهرة عن احتمال نقيض - فهي الحكمة وهي لطالب الحق المذعن إن كان مستعدًا للقبول بفكره الثاقب، وإن كانت مقارنة لاحتمال النقيض مفيدة للظن والإقناع فهي الموعظة وهي للمذعن الذي لا استعداد له، وإن كانت لإلزام الجاحدين وإفحام المعاندين فهي المجادلة، فإن كانت مركبة من مقدمات مسلمة عند الجمهور أو عند الخصم فقط فهي الحسنة، وإن كانت من مقدمات كاذبة غير مسلمة يراد ترويجها بالحيل الباطلة والطرق الفاسدة فهي السيئة التي لا تليق بمنصف؛ ثم علل الملازمة لدعائهم على هذا الوجه بقوله تعالى: ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك بالتخفيف عنك ﴿هو﴾ أي وحده ﴿أعلم﴾ أي من كل من يتوهم فيه علم ﴿بمن ضل عن سبيله﴾ فكان في أدنى درجات الضلال - وهو أعلم بالضالين الراسخين في الجور عن الطريق -
[ ١١ / ٢٨٠ ]
فلا انفكاك له عن الضلال، وهو أعلم بمن اهتدى لسبيله فكان في أدنى درجات الهداية ﴿وهو﴾ أي خاصة ﴿أعلم بالمهتدين *﴾ أي الذين هم في النهاية منها، فالآية من الاحتباك: ذكر أولًا «من ضل» دليلًا على حذف ضده ثانيًا، و﴿المهتدين﴾ ثانيًا دليلًا على حذف ضدهم أولًا.
وأما أنت فلا علم لك بشيء من ذلك إلا بإعلامنا، وقد ألزمناك البلاغ المبين، فلا تفتر عنه معرضًا عن الحرص المهلك واليأس فإنه ليس عليك هداهم.
ولما بين أمر الدعوة وأوضح طرقها وقدم أمر الهجرة والإكراه في الدين والفتن فيه المشير إلى ما سبب ذلك من المحن والبلاء من الكفار ظلمًا، وختم ذلك بالأمر بالرفق بهم، عم - بعد ما خصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من الأمر بالرفق، بالأمر لأشياعه بالعدل والإحسان كما تقدم ولو مع أعدى الأعداء، والنهي عن مجازاتهم إلا على وجه العدل - فقال تعالى: ﴿وإن عاقبتم﴾ أي كانت لكم عاقبة عليهم تتمكنون فيها من أذاهم ﴿فعاقبوا بمثل ما﴾
[ ١١ / ٢٨١ ]
ولما كان الأمر عامًا في كل فعل من المعاقبة من أيّ فاعل كان فلم يتعلق بتعيين الفاعل غرض، بنى للمفعول قوله تعالى: ﴿عوقبتم به﴾ وفي ذلك إشارة - على ما جرت به عوائد الملوك في كلامهم - إلى إدالتهم عليهم وإسلامهم في يديهم، وجعله بأداة الشك إقامة بين الخوف والرجاء.
ولما أباح لهم درجة العدل، رقاهم إلى رتبة الإحسان بقوله تعالى: ﴿ولئن صبرتم﴾ بالعفو عنهم ﴿لهو﴾ أي الصبر ﴿خير للصابرين *﴾ وأظهر في موضع الإضمار تعميمًا وتعليقًا بالوصف.
ولما كان التقدير: فاصبروا، عطف عليه إفرادًا له صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر، إجلالًا له وتسلية فيما كان سبب نزول الآية من التمثيل بعمه حمزه ﵁، وتنويهًا بعظم مقام الصبر زيادة في حث الأمة، لأن أمر الرئيس أدعى لامتثال أتباعه، فقال تعالى: ﴿واصبر﴾ ثم اتبع ذلك بما يحث على دوام الالتجاء إليه المنتج للمراقبة والفناء عن الأغيار ثم الفناء عن الفناء، لئلا يتوهم أن لأحد فعلًا مستقلًا فقال تعالى: ﴿وما صبرك﴾ أي أيها الرسول
[ ١١ / ٢٨٢ ]
الأعظم! ﴿إلا بالله﴾ أي الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم وأنت قائم في نصره، ولقد قابل هذا الأمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى مقامات الصبر، وذلك أنهم مثلوا بقتلى المسلمين في غزوة أحد إلا حنظلة الغسيل ﵁ فإن أباه كان معهم فتركوه له، فلما وقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عمه حمزة ﵁ فوجدهم قد جدعوا أنفه وقطعوا أذنيه وجبوا مذاكيره وبقروا بطنه، نظر إلى شيء لم ينظر قط إلى أوجع لقلبه منه فقال:
«رحمة الله عليك، فإنك كنت فعالًا للخير وصولًا للرحم، ولولا أن تحزن صفيه لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى، أما والله! لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم»، وقال الصحابة ﵃: لنزيدن على صنيعهم، فلما نزلت الآية بادر صلى الله عليه وعلى آله وسلم الامتثال، وكان لا يخطب خطبة إلا نهى عن المثلة، وأحسن يوم الفتح بأن نهى عن قتالهم بعد أن صاروا في قبضته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائمًا أبدًا.
[ ١١ / ٢٨٣ ]
ولما كان - بعد توطين النفس على الصبر وتفريغ القلب من الأحنة - يرجع إلى الأسف على إهلاكهم أنفسهم بتماديهم على العتو على الله تعالى، قال سبحانه: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ أي في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس.
ولما كان سبحانه في مقام التبشير، بالمحل الكبير والموطن الخطير، الذي ما حازه قبل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير، وذلك هو الإسراء إلى الملكوت الأعلى، والمقام الأسمى من السماوات العلى، في حضرات القدس، ومحال الأنس، ووطأ لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب الوصول إليه، أوجز في العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال: ﴿ولا تك﴾ بحذف النون أشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة:
وأبرح ما يكون الشوق يومًا إذا دنت الديار من الديار
وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى ﴿في ضيق﴾ ولو قل - كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون، فإن أذى الكفار الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله، وهو إظهار الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه ﴿مما يمكرون *﴾ أي من استمرار مكرهم بك ﴿واعبد ربك حتى
[ ١١ / ٢٨٤ ]
يأتيك اليقين﴾ وكأنك به، وقد أتى فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه ﴿مع الذين اتقوا﴾ أي وجد منهم الخوف من الله تعالى، فكانوا في أول منازل التقوى، وهو مع المتقين الذين كانوا في النهاية منها، فعدلوا في أفعالهم من التوحيد وغيره عملًا بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء، وهو مع الذين أحسنوا وكانوا في أول درجات الإحسان ﴿والذين هم﴾ أي بضمائرهم وظواهرهم ﴿محسنون *﴾ أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم، فهم في حضرات الرحمن، وأنت رأس المتقين المحسنين، فالله معك، ومن كان الله معه كان غالبًا، وصفقته رابحة، وحالته صالحة، وأمره عال، وضده في أسوإ الأحوال، فلا تستعجلوا قلقًا كما استعجل الكفار استهزاء، تخلقًا في التأني والحلم بصفة من تنزه عن نقص الاستعجال، وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال، فقد عانق آخرها أولها، ووافق مقطعها، وآخرها احتباك: ذكر ﴿الذين اتقوا﴾ أولًا دليلًا على حذف ﴿الذين أحسنوا﴾ ثانيًا، ﴿والمحسنين﴾ ثانيًا دليلًا على حذف المتقين أولًا - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ١١ / ٢٨٥ ]
سورة الإسراء
وتسمى سبحان وبني إسرائيل
المقصود بها الإقبال على اله وحده، وخلع كل ما سواه، لأنه وحده المالك لتفاصيل الأمور، وتفضيل بعض الخلق على بعض، وذلك هو العمل بالتقوى التي أدناها التوحيد الذي افتتحت به النحل، وأعلاها الإحسان الذي اختتمت به، وهو الفناء عما سوى الله، وهي من أوائل ما أنزل، روى البخاري في فضائل القرآن وغيره عن ابن مسعود رض الله عنه قال: بنو إسائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي.
وكل من أسمائها واضح الدلالة على ما ذكر أنه مقصودها، أما (سبحان)، الذي هو علم للتنزيه فمن أظهر ما يكون فيه، لأن من كان على غاية النزاهة عن كل نقص، كان جديرًا بأن لا نعبد إلا إياه، وأن نعرض عن كل ما سواه، لكونه متصفًا بما ذكر، وأما بنو إسرائيل فمن أحاط أيضًا بتفاصيل
[ ١١ / ٢٨٦ ]
أمرهم في سيرهم إلى الأرض المقدسة الذي هو كالإسراء وإيتائهم الكتاب وما ذكر مع ذلك من أمرهم في هذه السورة عرف ذلك) باسم الله (الملك المالك لجميع الأمر) الرحمن (لكل ما أوجده بما رباه) الرحيم (لمن خصه بالتزام العمل بما يرضاه.
[ ١١ / ٢٨٧ ]