ولما كانت المقدورات لا تحصر، وأكثرها نعم العباد مذكرة لهم بخالقهم، قال تعالى ممتنًا عليهم بإحسانه من غير سبب منهم: ﴿وإن تعدوا﴾ أي كلكم ﴿نعمة الله﴾ أي إنعام الملك الذي لا رب غيره، عليكم وإن كان في واحدة فإن شعبها تفوت الحصر ﴿لا تحصوها﴾ أي لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كفرها وإعراضكم جملة عن شكرها، فلو شكرتم لزادكم من فضله.
ولما كانوا مستحقين لسلب النعم بالإعراض عن التذكير، والعمى عن التبصر، أشار إلى سبب إدرارها، فقال تعالى: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال بجميع صفات الإكرام والانتقام ﴿لغفور رحيم *﴾ فلذلك هو يدر عليكم نعمه وأنتم منهمكون فيما يوجب نقمه.
ولما جرت العادة بأن المكفور إحسانه يبادر إلى قطعه عند علمه بالكفر، فكان ربما توهم متوهم أن سبب مواترة الإحسان عدم العلم بالكفران، أو عدم العلم بكفران لا يدخل تحت المغفرة، قال
[ ١١ / ١٣٠ ]
مهددًا مبرزًا للضمير بالاسم الأعظم الذي بنيت عليه السورة للفصل بالفرق بين الخالق وغيره ولئلا يتوهم تقيد التهديد بحيثية المغفرة إيماء إلى أن ذلك نتيجة ما مضى: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة بجميع صفات الإكرام والانتقام ﴿يعلم﴾ أي على الإطلاق ﴿ما تسرون﴾ أي كله. ولما كان الإسرار ربما حمل على حالة الخلوة، فلم يكن علمه دالًا على الإعلان، قال تعالى: ﴿وما تعلنون *﴾ ليعلم مقدار المضاعفة لموجبات الشكر وقباحة الكفر، وأما الأصنام فلا تعلم شيئًا فلا أسفه ممن عبدها.
ولما أثبت لنفسه تعالى كمال القدرة وتمام العلم وأنه المنفرد بالخلق، شرع يقيم الأدلة على بعد ما يشركونه به من الإلهية بسلب تلك الصفات فقال تعالى: ﴿والذين يدعون﴾ أي دعاء عبادة ﴿من دون الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿لا يخلقون شيئًا﴾ ولما كان ربما ادعى مدع في شيء أنه لا يخلق ولا يخلق، قال: ﴿وهم يخلقون *﴾ .
[ ١١ / ١٣١ ]
ولما كان من المخلوقات الميت والحي، وكان الميت أبعد شيء عن صفة الإله، قال نافيًا عنها الحياة - بعد أن نفى القدرة والعلم - المستلزم لأن يكون عبدتها أشرف منها المستلزم لأنهم بخضوعهم لها في غاية السفه: ﴿أموات﴾ ولما كان الوصف قد يطلق على غير الملتبس به مجازًا عن عدم نفعه بضده وإن كان قائمًا به عريقًا فيه قال: ﴿غير أحياء﴾ مبينًا أن المراد بذلك حقيقة سلب الحياة على ضد ما عليه الله ﴿ألا له الخلق﴾ من كونه حيًا لا يموت، ولعله اقتصر على وصفهم - مع أنهم موات - بأنهم أموات لأن ذلك مع كونه كافيًا في المقصود من السياق - وهو إبعادهم عن الإلهية - يكون صالحًا لكل مخلوق ادعى فيه الإلهية وإن اتصف بالحياة، لأن حياته زائلة يعقبها الموت، ومن كان كذلك كان بعيدًا عن صفة الإلهية.
ولما كانوا - مع علمهم بأن الأصنام حجارة لا حياة لها - يخاطبون من أجوافها بألسنة الشياطين - كما هو مذكور في السير وغيرها من الكتب المصنفة في هواتف الجان، فصاروا يظنون أن لها علمًا بهذا الاعتبار، ولذلك كانوا يظنون أنها تضر وتنفع، احتيج إلى نفي العلم عنها، ولما كانوا يخبرون على ألسنتها ببعض ما يسترقونه من السمع،
[ ١١ / ١٣٢ ]
فيكون كما أخبروا، لم ينف عنها مطلق العلم، بل نفي ما لا علم لأحد غير الله به، لأنهم لا يخبرون عنه بخبر إلا بان كذبه، فقال تعالى عادًّا للبعث عداد المتفق عليه: ﴿وما يشعرون﴾ أي في هذا الحال كما هو مدلول ما ﴿أيان﴾ أي أيّ حين ﴿يبعثون *﴾ فنفى عنهم مطلق الشعور الذي هو أعم من العلم، فينتفي كل ما هو أخص منه.
[ ١١ / ١٣٣ ]