ولما تقرر بما مضى أن له سبحانه الأمر كله، وأنه متصف بجميع الكمال منزه عن شوائب النقص، أنتج أنه لا إله غيره، فقال تعالى يخاطب الرأس لأن ذلك أوقع في أنفس الأتباع، وإشارة إلى أنه لا يوحده
[ ١١ / ٣٩٩ ]
حق توحيده سواه، ويجوز أن يكون خطابًا عامًا لكل من يصح أن يخاطب به: ﴿لا تجعل مع الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال ﴿إلهًا﴾ وسيأتي قريبًا سر قوله: ﴿ءاخر﴾ أنه مفهوم من المعية ﴿فتقعد﴾ أي فيتسبب عن ذلك أن تقعد أي تصير في الدنيا قبل الآخرة ﴿مذمومًا﴾ .
ولما كان الذم قد يحتمله بعض الناس مع بلوغ الأمل، بين أنه مع الخيبة فقال تعالى: ﴿مخذولًا *﴾ أي غير منصور فيما أردته من غير أن يغني عنك أحد بشفاعة أو غيرها. ولما قرع الأسماع بهذا النهي المحتم لتوحيده، أتبعه الإخبار بالأمر بذلك جمعًا في ذلك بين صريحي الأمر والنهي تصريحًا بعد التنزيه له عن الشريك بالإفراد له في العبادة في أسلوب الخبر، إعلامًا بعظم المقام فقال تعالى: ﴿وقضى﴾ أي نهاك عن ذلك وأمر ﴿ربك﴾ أي المحسن إليك أمرًا حتمًا مقطوعًا به ماضيًا لا يحتمل النزاع؛ ثم فسر هذا الأمر بقوله تعالى: ﴿ألا تعبدوا﴾ أي أنت وجميع أهل دعوتك، وهم جميع الخلق ﴿إلا إياه﴾ فإن ذلك هو الإحسان.
ولما أمر بمعرفة الحق المحسن المطلق منبهًا على وجوب ذلك باسم الرب، أتبعه الأمر بمعرفة الحق لأول المربين من الخلق فقال:
[ ١١ / ٤٠٠ ]
﴿وبالوالدين﴾ أي وأحسنوا، أي أوقعوا الإحسان بهما ﴿إحسانًا﴾ بالإتباع في الحق إن كانا حنيفين شاكرين لأنعمه كإبراهيم ونوح ﵉ فإن ذلك يزيد في حسناتهما، وبالبراءة منهما في الباطل فإن ذلك يخفف من وزرهما واللطف بهما ما لم يجر إلى فساد ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
ولما كان سبحانه عليمًا بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في السن، قال تعالى: ﴿إما﴾ مؤكدًا بإدخال «ما» على الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتمامًا بشأن الأبوين ﴿يبلغن عندك﴾ أي بأن يضطر إليك فلا يكون لهما كافل غيرك ﴿الكبر﴾ ونفى كل احتمال يتعلق به المتعنت بقوله تعالى: ﴿أحدهما أو كلاهما﴾ فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك ﴿فلا تقل لهما أف﴾ أي لا تتضجر منهما، وفي سورة الأحقاف ما ينفع كثيرًا هنا؛ ثم صرح بما ينهى عنه الكلام من باب الأولى تعظيمًا للمقام فقال: ﴿ولا تنهرهما﴾ فيما لا ترضاه؛ والنهر: زجر بإغلاظ وصياح. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي ﵀ في كتابه في أصول الفقه: وقد أولع الأصوليون بأن يذكروا
[ ١١ / ٤٠١ ]
في جملة هذا الباب - أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم والأدنى على الأعلى - قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ بناء على أن التأفيف عندهم أقل شيء يعق به الأب، وذلك حائد عن سنن البيان ووجه الحكمة، لأنه ليس في العقوق شيء أشد من التأفيف لأنه إنما يقال للمستقذر المسترذل، ولذلك عطف عليه ﴿ولا تنهرهما﴾ لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ولا لزوم أحرى، ولا يصلح فيما يقع أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء أو أحرى، كما لو قال قائل: من يعمل ذرة خيرًا يره، ومن يعمل قيراطًا يره، لم يصلح عطفه عليه لإفادة الأول إياه، ولعل ذلك شيء وهل فيه واهل فسلك إثره من غير اعتبار لقوله - انتهى.
ولما نهاه عن عقوقهما تقديمًا لما تدرأ به المفسدة، أمره ببرهما جلبًا للمصلحة، فقال تعالى: ﴿وقل لهما﴾ أي بدل النهر وغيره ﴿قولًا كريمًا *﴾ أي حسنًا جميلًا يرضاه الله ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين والرقة والشفقة وجبر الخاطر وبسط النفس، كما يقتضيه حسن الأدب وجميل المروءة،
[ ١١ / ٤٠٢ ]
ومن ذلك أنك لا تدعوهما بأسمائهما، بل بيا أبتاه ويا أمتاه - ونحو هذا ﴿واخفض لهما﴾ ولما كان الطائر يخفض جناحه عند الذل، استعار لتعطفه عليهما رعيًا لحقوقهما قوله تعالى: ﴿جناح الذل﴾ أي جناح ذلّك، وبين المراد بقوله تعالى: ﴿من الرحمة﴾ أي لا من أجل امتثال الأمر والنواهي وما تقدم لهما من من أجل الرحمة لهما، بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وما تقدم لهما من الإحسان إليك، فصارا مفتقرين إليك وقد كنت أفقر خلق الله إليهما، حتى يصير ذلك خلقًا لازمًا لك فإن النفس لأمارة بالسوء، وإن لم تقد إلى الخير بأنواع الإرغاب والإرهاب والإمعان في النظر في حقائق الأمور وعجائب المقدور، ولذلك أتبعه قوله تعالى آمرًا بأن لا يكتفي برحمته التي لا بقاء لها، فإن ذلك لا يكافىء حقهما بل يطلب لهما الرحمة الباقية: ﴿وقل رب﴾ أي أيها المحسن إليّ بعطفهما عليّ حتى ربياني وكانا يقدماني على أنفسهما ﴿ارحمهما﴾ بكرمك برحمتك الباقية وجودك كما رحمتهما أنا برحمتي القاصرة مع بخلي وما فيّ من طبع اللوم ﴿كما ربياني﴾ برحمتهما لي ﴿صغيرًا *﴾ وهذا مخصوص
[ ١١ / ٤٠٣ ]
بالمسلمين بآية ﴿ما كان للنبي﴾ لا منسوخ، ولقد أبلغ سبحانه في الإيصاء بهما حيث بدأه بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ونظمه في سلكه، وختمه بالتضرع في نجاتهما، جزاء على فعلهما وشكرًا لهما، وضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى شيء من امتهانهما، مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يدخل الصبر إليها في حد الاستطاعة إلا بتدريب كبير.
ولما كان ذلك عسرًا جدًا حذر من التهاون به بقوله تعالى: ﴿ربكم﴾ أي المحسن إليكم في الحقيقة، فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي أعانهم على ذلك ﴿أعلم﴾ أي منكم ﴿بما في نفوسكم﴾ من قصد البر بهما وغيره، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن، فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سببًا لرحمتهما ﴿إن تكونوا﴾ أي كونًا هو جبلة لكم ﴿صالحين﴾ أي متقين أو محسنين في نفس الأمر؛ والصلاح: استقامة الفعل على ما يدعو إليعه الدليل، وأشار إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بهد فرة بقوله تعالى: ﴿فإنه كان للأوابين﴾ أي الرجاعين
[ ١١ / ٤٠٤ ]
إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه ﴿غفورًا *﴾ أي بالغ الستر، تنبيهًا لمن وقع منه تقصير، فرجع عنه على أنه مغفور.
[ ١١ / ٤٠٥ ]