ولما ذكر تعالى تنازع أولئك الذين هداهم الله بهم، ذكر ما يأتي من إفاضة من علم قريشًا أن تسأل صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم في الفضول الذي ليس لهم إليه سبيل، ولا يظفرون
[ ١٢ / ٤١ ]
فيه بدليل علمًا من أعلام النبوة فقال تعالى: ﴿سيقولون﴾ أي أهل الكتاب ومن وافقهم في الخوض في ذلك بعد اعترافهم بما قصصت عليك من نبأهم بوعد لا خلف فيه: هم ﴿ثلاثة﴾ أشخاص ﴿رابعهم كلبهم﴾ ولا علم لهم بذلك، ولذلك أعراه عن الواو فدل إسقاطها على أنهم ليسوا ثلاثة وليس الكلب رابعًا ﴿ويقولون﴾ أي وسيقولون أيضًا: ﴿خمسة سادسهم كلبهم﴾ .
ولما تغير قولهم حسن جدًا قوله تعالى: ﴿رجمًا بالغيب﴾ أي رميًا بالأمر الغائب عنهم الذي لا اطلاع لهم عليه بوجه ﴿ويقولون﴾ أيضًا دليلًا على أنه لا علم لهم بذلك: ﴿سبعة وثامنهم كلبهم﴾ وتأخير هذا عن الرجم - وإن كان ظنًا - مشعر بأنه حق، ويؤيده هذه الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل الواو حالًا عن المعرفة في نحو ﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر: ٤] فإن فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصاف الموصوف بالصفة أمر ثابت مستقر، فدلت هذه الواو على أن أهل هذا القول قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن، وفي براءة،
[ ١٢ / ٤٢ ]
كلام نفيس عن اتباع الوصف تارة بواو وتارة مجردًا عنها. فلما ظهر كالشمس أنه لا علم لهم بذلك كان كأنه قيل: ماذا يقال لهم؟ فقيل: ﴿قل ربي﴾ أي المحسن إليّ بإعلامي بأمرهم وغيره ﴿أعلم بعدتهم﴾ أي التي لا زيادة فيها ولا نقص، فكان كأنه قيل: قد فهم من صيغة «أعلم» أم من الخلق من يعلم أمرهم فقيل: ﴿ما يعلمهم إلا قليل *﴾ أي من الخلق وهو مؤيد لأنهم أصحاب القول الغالب، وهو، قول ابن عباس ﵄، وكان يقول: أنا من ذلك القليل. ﴿فلا﴾ أي فتسبب عن ذلك أن يقول لك على سبيل البت الداخل تحت النهي عن قفو ما ليس لك به علم: لا ﴿تمار﴾ أي تجادل وتراجع ﴿فيهم﴾ أحدًا ممن يتكلم بغير ما أخبرتك به ﴿إلا مرآء ظاهرًا﴾ أدلته، وهو ما أوحيت إليك به ولا تفعل فعلهم من الرجم بالغيب ﴿ولا تستفت﴾ أي تسأل سؤال مستفيد ﴿فيهم﴾ أي أهل الكهف ﴿منهم﴾ أي من الذين يدعون العلم من بني إسرائيل أو غيرهم ﴿أحدًا *﴾ .
ولما كان نهيه عن استفتائهم موجبًا لقصر همته على ربه سبحانه فكان من المعلوم أنه إذا سئل عن شيء، التفتت نفسه إلى تعرفه من قبله، فربما قال لما يعلم من إحاطة علم الله سبحانه وكرمه لديه: سأخبركم به غدًا، كما وقع من هذه القصص، علمه الله ما يقول في كل أمر
[ ١٢ / ٤٣ ]
مستقبل يعزم عليه بقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيءٍ﴾ أي لأجل شيء من الأشياء التي يعزم عليها جليلها وحقيرها، عزمت على فعله: عزمًا صادقًا من غير تردد وإن كنت عند نفسك في غاية القدرة عليه: ﴿إني فاعل ذلك﴾ أي الشيء وإن كان مهمًا ﴿غدًا *﴾ أي فيما يستقبل في حال من الأحوال ﴿إلا﴾ قولًا كائنًا معه ﴿أن يشاء﴾ في المستقبل ذلك الشيء ﴿الله﴾ أي مقرونًا بمشيئة الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه سبحانه تعظيمًا لله أن يقطع شيء دونه واعترافًا بأنه لا حول ولا قوة إلا به، ولأنه إن قيل ذلك دون استثناء فات قبل الفعل أو عاقه عنه عائق كان كذبًا منفرًا عن القائل.
ولما كان النسيان من شأن الإنسان وهو غير مؤاخذ به قال تعالى: ﴿واذكر ربك﴾ أي المحسن إليك برفع المؤاخذة حال النسيان ﴿إذا نسيت﴾ الاستثناء بالاستعانة والتوكل عليه وتفويض الأمر كله بأن تقول: إن شاء الله، ونحوها في أيّ وقت تذكرت؛ وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط في ترجمة محمد بن الحارث الجبيلي - بضم الجيم وفتح الموحدة - عن ابن عباس ﵄ أن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس لأحد منا أن يستثني إلا بصلة اليمين. ثم عطف
[ ١٢ / ٤٤ ]
على ما أفهمه الكلام وهو: فقل إذا نسيت: إني فاعل ذلك غدًا إن شاء الله - ونحو ذلك من التعليق بالمشيئة المؤذن بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا مشيئة لأحد معه قوله: ﴿وقل عسى أن يهدين ربي﴾ أي المحسن إليّ ﴿لأقرب﴾ أي الى أشد قربًا ﴿من هذا﴾ أي الذي عزمت على فعله ونسيت الاستثناء فيه فقضاه الله ولم يؤاخذني، أو فاتني أو تعسر عليّ لكوني لم أقرن العزم عليه بذكر الله ﴿رشدًا *﴾ أي من جهة الرشد بأن يوفقني للاستثناء فيه عند العزم عليه مع كونه أجود أثرًا وأجل عنصرًا فأكون كل يوم في ترق بالأفعال الصالحة في معارج القدس، و«اقرب» أفعل تفضيل من قرب - بضم الراء - من الشيء، لازم، لا من المكسور الراء المتعدي نحو ﴿ولا تقربوا الزنى﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ [الإسراء: ٣٤] الآية، والأقرب من رشد الاستدلال بقصة أهل الكهف التي الحديث عنها على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحو ذلك الاستدلال على وحدانية الصانع وقدرته على البعث وغيره بالأمور الكلية أو الجزئيات القريبة المتكررة، لا بهذا الأمر الجزئي النادر المتعب ونحو هذا من المعارف الإلهية.
[ ١٢ / ٤٥ ]