ولما كان الكتاب هو الصراط المستقيم المنقذ من الهلاك، وكان قولهم هذا صدًا عنه، فكان - مع كونه ضلالًا - إضلالًا، ومن المعلوم أن من ضل كان عليه إثم ضلاله، ومن أضل كان عليه وزر إضلاله - هذا ما لا يخفى على ذي عقل صحيح، فلما كان هذا بينًا، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بالخفيات فكيف بالجليات، حسن جدًا قوله: ﴿ليحملوا﴾ فإنهم يعلمون أن هذا لازم لهم قطعًا وإن قالوا بألسنتهم غيره، أو يقال: إنه قيل ذلك لأنه - مع أن الجهل أولى لهم منه - أخف أحوالهم لأنهم إما أن يعلموا أنهم فعلوا بهذا الطعن ما ليس لهم أولًا، فعلى الثاني هم أجهل الناس، وعلى الأول فإما أن يكونوا ظنوا أنهم يؤخذون به أو لا، فعلى الثاني يكون الخلق سدى، وليس هو من الحكمة في شيء، فمعتقد هذا من الجهل بمكان عظيم، وعلى الأول فهم يشاهدون كثيرًا من الظلمة لا يجازون في الدنيا، فيلزمهم في الحكمة اعتقاد الآخرة، ليجازى بها المحسن والمسيء، وهذا أخف الأحوال المتقدمة، ولا يخفى ما في الإقدام
[ ١١ / ١٣٦ ]
على مثله من الغباوة المناقضة لادعائهم أنهم أبصر الناس، فقد آل الأمر إلى التهكم بهم لأنهم نُسبوا إلى علم الجهل خير منه ﴿أوزارهم﴾ التي باشروها لنكوبهم عن الحق تكبرًا لا عن شبهة.
ولما كان الله من فضله يكفر عن أهل الإيمان صغائرهم بالطاعات وباجتناب الكبائر فكان التكفير مشروطًا بالإيمان، وكان هؤلاء قد كفروا بالتكذيب بالكتاب، قال تعالى: ﴿كاملة﴾ لا ينقص منها وزر شيء مما أسروا ولا مما أعلنوا، لخفاء ولا ذهول بتكفير ولا غيره من دون خلل في وصف من الأوصاف، فهو أبلغ من «تامة» لأن التمام قد يكون في العدة مع خلل في بعض الوصف ﴿يوم القيامة﴾ الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه ﴿و﴾ ليحملوا ﴿من﴾ مثل ﴿أوزار﴾ الجهلة الضعفاء ﴿الذين يضلونهم﴾ فيضلون بهم كما بين أولئك الذين ضلوا ﴿بغير علم﴾ يحملون من أوزارهم من غير أن يباشروها لما لهم فيها من التسبب من غير أن ينقص من أوزار الضالين بهم شيء وإن كانوا جهلة، لأن لهم عقولًا هي بحيث تهدي إلى سؤال أهل الذكر، وفطرًا أولى تنفر من الباطل «أول» ما يعرض علهيا فضيعوها؛ ثم استأنف التنبيه
[ ١١ / ١٣٧ ]
على عظيم ما يحصل لهم من مرتكبهم من الضرر وعيدًا لهم فقال تعالى: ﴿ألا ساء ما يزرون *﴾ فأدخل همزة الإنكار على حرف النفي فصار إثباتًا على أبلغ وجه.
ولما كان المراد من هذا الاستكبار محو الحق وإخفاء أمره من غير تصريح بالعناد - بل مع إقامة شبه ربما راجت - وإن اشتد ضعفها - على عقول هي أضعف منها، وكأن هذا حقيقة المكر التي هي التغطية والستر كما بين في الرعد عند قوله تعالى:
﴿بل زين للذين كفروا مكرهم﴾ [الرعد: ٢٣] شرع يهدد الماكرين ويحذرهم وقوع ما وقع بمن كانوا أكثر منهم عددًا وأقوى يدًا، ويرجي المؤمنين في نصرهم عليهم، بما له من عظيم القوة وشديد السطوة، فقال تعالى: ﴿قد مكر الذين﴾ ولما كان المقصود بالإخبار ناسًا مخصوصين لم يستغرقوا زمان القبل، أدخل الجار فقال تعالى: ﴿من قبلهم﴾ ممن رأوا آثارهم ودخلوا ديارهم ﴿فأتى الله﴾ أي بما له من مجامع العظمة ﴿بنيانهم﴾ أي إتيان بأس وانتقام ﴿من القواعد﴾ التي بنوا عليها مكرهم ﴿فخر﴾ أي سقط مع صوت عظيم لهدته ﴿عليهم السقف﴾ .
ولما كانت العرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا حائط -
[ ١١ / ١٣٨ ]
إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه كما نقله أبو حيان عن ابن الأعرابي، قال تعالى صرفًا عن هذا إلى حقيقة السقوط المقيد بالجار: ﴿من قولهم﴾ وكانوا تحته فهلكوا كما هو شأن البنيان إذا زالت قواعده.
ولما كان المكر هو الضر في خفية، لأنه القتل بالحيلة إلى جهة منكرة، بين أن ما حصل لهم من العذاب هو من باب ما فعلوا بقوله: ﴿وأتاهم العذاب﴾ أي الذي اتفقت كلمة الرسل على الوعيد به لمن أبى ﴿من حيث لا يشعرون *﴾ لأن السبب الذي أعدوه لنصرهم كان بعينه سبب قهرهم، وهذا على سبيل التمثيل، وقيل: إنه على الحقيقة فيما بناه نمرود من الصرح.
ذكر قصته من التوراة:
قال في السفر الأول منها في تعداد أولاد نوح ﵇: وكوش - يعني ابن حام بن نوح - ولد نمرود، وكان أول جبار في الأرض، وهو كان مخوفًا ذا صيد بين يدي الرب، ولذلك يقال:
[ ١١ / ١٣٩ ]
هذا مثل نمرود الجبار القناص، فكان مبدأ ملكه بابل والكوش والأهواز والكوفة التي بأرض شنعار، ومن تلك الأرض خرج الموصلي فابتنى نينوى ورحبوت القرية - وفي نسخة: قرية الرحبة - والإيلة والمدائن؛ ثم قال بعد أن عد أحفاد نوح ﵇ وممالكهم: هؤلاء قبائل بني نوح وأولادهم وخلوفهم وشعوبهم، ومن هؤلاء تفرقت الشعوب في الأرض بعد الطوفان، وإن أهل الأرض كلهم كانت لغتهم واحدة، ومنطقهم واحدًا، فلما ظعنوا في المشرق انتهوا إلى قاع في أرض شنعار - وفي نسخة: العراق - فسكنوه، فقال كل امرىء منهم لصاحبه: هلم بنا نلبن اللبن ونحرقه بالنار، فيصير اللبن مثل الحجارة ويصير الجص بدل الطين للملاط، ثم قال: هلموا! نبن لنا قرية نتخذها، وصرحًا مشيدًا لاحقًا بالسماء، ونخلف لنا شيئًا نذكر به، لعلنا ألا نتفرق على الأرض كلها، فنظر الرب القرية والصرح الذي يبينه الناس، فقال الرب: إني أرى هذا الشعب رأيهم واحد ولغتهم واحدة
[ ١١ / ١٤٠ ]
وقد هموا أن يصنعوا هذا الصنيع فهم الآن غير مقصرين فيما هموا أن يفعلوه، فلأورد أمرًا أشتت به لغتهم حتى لا يفهم المرء منهم لغة صاحبه، ثم فرقهم الرب من هنالك على وجه الأرض كلها، ولم يبنوا القرية التي هموا ببنائها، ولذلك سميت بابل لأن هنالك فرق الرب لغة أهل الأرض كلها - انتهى.
قال لي بعض علماء اليهود: إن بابل معرب بوبال، ومعنى بوبال بالعبراني الشتات - هذا ما في التوراة، وأما المفسرون فإنهم ذكروا أن الصرح بني على هيئة طويلة في الطول والإحكام، وأن الله تعالى هدمه، فكانت له رجة تفرقت لعظم هولها لغة أهل الأرض إلى أنحاء كثيرة لا يحصيها إلا خالقها فالله أعلم.
[ ١١ / ١٤١ ]