ولما فرغ من هذه التربية في أثناء القصة وختمها بالترجية في الهداية للأرشد، وكان علم مدة لبثهم أدق وأخفى من علم عددهم، شرع في إكمالها مبينًا لهذا الأخفى، عاطفًا على قوله ﴿قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾ [الكهف: ١٩] أو على «فأووا إليه» الذي أرشد إلى تقديره قولهم: ﴿فأووا إلى الكهف﴾ كما مضى، المختوم بنشر الرحمة وتهيئة المرفق بعد قوله ﴿إذ أوى الفتية﴾ المختوم بقولهم ﴿وهيىء لنا من أمرنا رشدًا﴾ فقال بيانًا لإجمال ﴿سنين عددًا﴾ محققًا لقوله تعالى: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾: ﴿ولبثوا في كهفهم﴾ نيامًا ﴿ثلاث﴾ أي مدة ثلاث ﴿مائة سنين﴾ شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا السؤال، وعبر بلفظ السنة إشارة إلى ذمها بما وقع فيها من علو أهل الكفر وطغيانهم بما أوجب خوف الصديقين وهجرتهم وإن كان وقع فيها خصب في النبات وسعة في الرزق، وذلك يدل على استغراق الكفر لمدة نومهم.
ولما كان المباشرون للسؤال هم العرب قال: ﴿وازدادوا تسعًا *﴾ أي من السنين القمرية إذا حسب الكل بحساب القمر، لأن تفاوت ما بين السنة الشمسية والقمرية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في النسيء من براءة، فإذا حسبت زيادة السني القمرية على الثلاتمائة الشمسية باعتبار نقص أيامها
[ ١٢ / ٤٦ ]
عنها كانت تسع سنين، وكأن مدة لبثهم كانت عند اليهود أقل من ذلك أو أكثر، فقال على طريق الجواب لسؤال من يقول: فإن قال أحد غير هذا فما يقال له؟ ﴿قل الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿أعلم﴾ منكم ﴿بما لبثوا﴾ ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿له﴾ أي وحده ﴿غيب السماوات والأرض﴾ يعلمه كله على ما هو عليه، ولا ينسى شيئًا من الماضي ولا يعزب عنه شيء من الحاضر، ولا يعجز عن شيء من الآتي، فلا ريب فيما يخبر به.
ولما كان السمع والبصر مناطي العلم، وكان متصفًا منهما بما لا يعلمه حق علمه غيره، عجب من ذلك بقوله تعالى: ﴿أبصر به وأسمع﴾ ولما كان القائم بشيء قد يقوم غيره مقامه إما بقهر أو شرك، نفى ذلك فانسد باب العلم عن غيره إلا من جهته فقال تعالى: ﴿ما لهم﴾ أي لهؤلاء السائلين ولا المسؤولين الراجمين بالغيب من أصحاب الكهف ﴿من دونه﴾ وأعرق بقوله تعالى: ﴿من ولي﴾ يجيرهم منه أو بغير ما أخبر به ﴿ولا يشرك﴾ أي الله ﴿في حكمه أحدًا *﴾ فيفعل شيئًا بغير أمره أو يخبر بشيء من غير طريقه.
ولما تقرر أنه لا شك في قوله: ولا يقدر أحد أن يأتي بما
[ ١٢ / ٤٧ ]
يماثله فكيف بما ينافيه مع كونه مختصًا بتمام العلم وشمول القدرة، حسن تعقيبه بقوله عطفًا على ﴿قل لله أعلم﴾: ﴿واتل﴾ أي اقرأ على وجه الملازمة ﴿ما أوحي إليك﴾ وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله ﷾ ﴿من كتاب ربك﴾ الذي أحسن تربيتك في قصة أهل الكهف وغيرها، على من رغب فيه غير ملتفت إلى غيره واتبعوا ما فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ونفيه وعلى غيرهم.
ولما كان الحامل على الكف عن إبلاغ رسالة المرسل وجدان من ينقضها أو عمي على المرسل، قال تعالى: ﴿لا مبدل لكلماته﴾ فلا شك في وقوعها فلا عذر في التقصير في إبلاغها، والنسخ ليس بتبديل بهذا المعنى بل هو غاية لما كان ﴿ولن تجد﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿من دونه﴾ أي أدنى منزلة من رتبته الشماء إلى آخر المنازل ﴿ملتحدًا *﴾ أي ملجأ ومتحيزًا تميل إليه فيمنعك منه إن قصرت في ذلك.
ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم كثير الأسف على توليهم عنه يكاد يبخع نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له إذا رأوا مثل هذا الحق الذي لا يجدون له مدفعًا:
[ ١٢ / ٤٨ ]
لو طردت هؤلاء الفقراء وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلال فإنه يؤذينا ريح جبابهم ونأنف من مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن نتبعك، قال يرغبه في أتباعه مزهدًا فيمن عداهم كائنًا من كان، معلمًا أنه ليس فيهم ملجأ لمن خالف أمر الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله فسيذلهم عن قريب ولا يجدون لهم ملتحدًا: ﴿واصبر نفسك﴾ أي احبسها وثبتها في تلاوته وتبيين معانيه ﴿مع الذين يدعون ربهم﴾ شكرًا لإحسانه، واعترافًا بامتنانه، وكنى عن المداومة بما يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف دليلًا عليه فقال تعالى: ﴿بالغداة﴾ أي التي الانتقال فيها من النوم إلى اليقظة كالانتقال من الموت إلى الحياة ﴿والعشي﴾ أي التي الانتقال فيها من اليقظة إلى النوم كالانتقال من الحياة إلى الموت؛ ثم مدحهم بقوله تعالى معللًا لدعائهم: ﴿يريدون﴾ أي بذلك ﴿وجهه﴾ لا غير ذلك في رجاء ثواب أو خوف عقاب وإن كانوا في غاية الرثاثة، وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال مؤكدًا للمعنى لقصر الفعل وتضمينه فعلًا آخر: ﴿ولا تعد عيناك﴾ علوًا ونبوءًا وتجاوزًا
[ ١٢ / ٤٩ ]
﴿عنهم﴾ إلى غيرهم، أي لا تعرض عنهم، حال كونك ﴿تريد زينة الحياة الدنيا﴾ التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها الأرض لنبلوهم بذلك، فإنهم وإن كانوا اليوم عند هؤلاء مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون، وليكونن عن قريب - إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ الجهل - في الطبقة العليا من أهل العز، وأما بعد البعث الحقيقي فلتكونن لهم مواكب يهاب الدنو منها كما كان لأهل الكهف بعد بعثهم من هذه الرقدة بعد أن كانوا في حياتهم قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل، وأما إن عدّت العينان أحدًا لما غفل عنه من الذكر، وأحل به من الشكر، فليس ذلك من النهي في شيء لأنه لم يرد به الإ الآخرة.
ولما بلغ في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين، نهاه عن الالتفات إلى الغافلين، وأكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا﴾ بعظمتنا ﴿قلبه﴾ أي جعلناه غافلًا، لأن الفعل فيه لنا لا له ﴿عن ذكرنا﴾ بتلك الزينة.
[ ١٢ / ٥٠ ]
ولما كان التقدير: فغفل، لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا يكون إلا ما نريد، عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى: ﴿واتبع هواه﴾ بالميل إلى ما استدرجناه به منها والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين أكرمناهم بالحماية منها لأن ذكر الله مطلع الأنوار، فإذا أفلت الأنوار تراكمت الظلمة فجاء الهوى فأقبل على الخلق ﴿وكان أمره فرطًا *﴾ أي متجاوزًا للحد مسرفًا فيه متقدمًا على الحق، فيكون الحق منبوذًا به وراء الظهر مفرطًا فيه بالتقصير فإن ربك سبحانه سينجي أتباعك على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب الكهف، ويزيدك بأن يعليهم عليهم ويدفع الجبابرة في أيديهم لأنهم مقبلون على الله معرضون عما سواه، وغيرهم مقبل على غيره معرض عنه.
[ ١٢ / ٥١ ]