ولما حث على الإحسان إليهما بالخصوص، عم بالأمر به لكل ذي رحم وغيره، فقال تعالى: ﴿وءات ذا القربى﴾ من جهة الأب أو الأم وإن بعد ﴿حقه و﴾ آت ﴿المسكين﴾ وإن لم يكن قريبًا ﴿وابن السبيل﴾ وهو المسافر المنقطع عن ماله لتكون متقيًا محسنًا.
ولما رغب في البذل، وكانت النفس قلما يكون فعلها قوامًا بين الإفراط والتفريط، أتبع ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تبذر﴾ بتفريق المال سرفًا، وهو بذله فيما لا ينبغي، وفي قوله ﴿تبذيرًا *﴾ تنبيه على أن الارتقاء نحو ساحة التبذير أولى من الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير؛ والتبذير: بسط اليد في المال على حسب الهوى جزافًا، وأما الجود فبمقدار معلوم، لأنه اتباع أمر الله في الحقوق المالية، ومنها معلوم بحسب القدر، ومنها معلوم بحسب الوصف كمعاضدة أهل الملة وشكر أهل الإحسان إليك ونحو ذلك، وقد سئل ابن مسعود ﵁ عن التبذير فقال: إنفاق المال من غير حقه، وعن مجاهد ﵁: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرًا، ولو أنفق مدًا في باطل كان تبذيرًا. ثم علل ذلك بقوله:
[ ١١ / ٤٠٥ ]
﴿إن المبذرين﴾ أي جبلة وطبعًا ﴿كانوا﴾ أي كونًا هم راسخون فيه ﴿إخوان الشياطين﴾ أي كلهم، البعيدين من الرحمة، المحترقين في اللعنة، فإن فعلهم فعل النار التي هي أغلب أجزائهم، وهو إحراق ما وصلت إليه لنفع وغير نفع، فإذا لم يجدوا أخذوا ما ليس لهم، والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم وتابع أمرهم: هو أخوهم.
ولما كان الاقتصاد أدعى إلى الشكر، والتبذير أقود إلى الكفر، قال تعالى: ﴿وكان الشيطان﴾ أي هذا الجنس البعيد من كل خير، المحترق من كل شر ﴿لربه﴾ أي الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته ﴿كفورًا *﴾ أي ستورًا لما يقدر على ستره من آياته الظاهرة، ونعمه الباهرة، مع الحجة.
ولما أمر بما هو الأولى في حالة الوجدان، أمر بمثل ذلك حالة العدم، فقال مؤكدًا تنبيهًا على أنه ينبغي أن يكون الإعراض عنهم في حيز الاستبعاد والاستنكار: ﴿وإما تعرضن عنهم﴾ أي عن جميع من تقدم ممن أمرت بالبذل له، لأمر اضطرك إلى ذلك لا بد لك منه، لكونك لا تجد ما تعطيه، فأعرضت حياء لا لإرادة المنع، بل ﴿ابتغاء﴾ أي طلب ﴿رحمة﴾ أي إكرام وسعة ﴿من ربك﴾ الكثير الإحسان ﴿ترجوها﴾ فإذا أتتك واسيتهم فيها ﴿فقل لهم﴾ في حالة الإعراض ﴿قولًا ميسورًا *﴾ أي ذا يسر يشرح صدورهم، ويبسط رجاءهم، لأن ذلك أقرب إلى طريق المتقين المحسنين الذين أنا
[ ١١ / ٤٠٦ ]
معهم؛ قال أبو حيان: وروي أنه ﵊ كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله - انتهى.
وقد وضع هنا الابتغاء موضع الفقر لأنه سببه، فوضع المسبب موضع السبب.
ولما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم، نهى عن البخل الذي هو لازم اللوم، في سياق ينفر منه ومن الإسراف، فقال ممثلًا بادئًا بمثال الشح: ﴿ولا تجعل يدك﴾ بالبخل ﴿مغلولة﴾ أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل ﴿إلى عنقك﴾ لا تستطيع مدها ﴿ولا تبسطها﴾ بالبذل ﴿كل البسط﴾ فتبذر ﴿فتقعد﴾ أي توجد كالمقعد، بالقبض ﴿ملومًا﴾ أي بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند الله، لأن ذلك مما نهى عنه، وعند الناس، وبالبسط ﴿محسورًا *﴾ منقطعًا بك لذهاب ما تقوى به وانحساره عنك، وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال.
[ ١١ / ٤٠٧ ]