ولما بين ﷾ حال المكرة المتمردين عليه في الدنيا، أخذ يذكر حالهم في الآخرة تقريرًا للآخرة وبيانًا لأن عذابهم غير مقصور على الدنيوي، فقال تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يخزيهم﴾ أي الله تعالى الذي فعل بهم في الدنيا ما تقدم، خزيًا يشهده جميع الخلائق
[ ١١ / ١٤١ ]
الوقوف في ذلك اليوم، فيحصل لهم من الذل - جزاء على تكبرهم - ما يجل عن الوصف، وعطفه ب «ثم» لاستبعادهم له ولما له من الهول والعظمة التي يستصغر لها كل هول ﴿ويقول﴾ أي لهم في ذلك الجمع تبكيتًا وتوبيخًا: ﴿أين شركاءي﴾ على ما كنتم تزعمون، وأضاف سبحانه إلى نفسه المقدس لأنه أقطع في توبيخهم وأدل على تناهي الغضب ﴿الذين كنتم﴾ أي كونًا لا تنفكون عنه ﴿تشاقون فيهم﴾ أوليائي، فتكونون بمخالفتهم في شق غير شقهم، فتخضعون لما لا ينبغي الخضوع له، وتتكبرون على من لا ينبغي الإعراض عنه، ما لهم لا يحضرونكم ويدفعون عنكم في هذا اليوم؟ وقرىء بكسر النون لأن مشاققة المأمور مشاققة الآمر.
ولما كان المقام للجلال والعظمة المستلزم لزيادة الهيبة التي يلزم
[ ١١ / ١٤٢ ]
عنها غالبًا خرس المخزي عن جوابه لو كان له جواب، وكان من أجل المقاصد في تعذيبهم العدل بتفريح الأولياء وإشماتهم بهم، جزاء لما كانوا يعملون بهم في الدنيا، وكانت الشماتة أعلى محبوب للشامت وأعظم مرهوب للمشموت فيه، وأعظم مسلّ للمظلوم، دل على سكوتهم رغبًا عن المبادرة بالجواب بتأخير الخبر عنه وتقديم الخبر عن شماتة أعدائهم فيهم في سياق الجواب عن سؤال من قال: هل علم بذلك المؤمنون؟ فقيل: ﴿قال الذين﴾ ولما كان العلم شرفًا للعالم مطلقًا، بني للمفعول قوله: ﴿أوتوا العلم﴾ أي انتفعوا به في سلوك سبيل النجاة من الأنبياء ﵈ ومن أطاعهم من أممهم، إشارة إلى أن الهالك يصح سلب العلم عنه وإن كان أعلم الناس، وعدل عن أن يقول: أعداؤهم أو المؤمنون ونحوه، إجلالًا لهم بوصفهم بالعلم الذي هو أشرف الصفات لكونه منشأ كل فضيلة، وتعرضًا بأن الحامل للكفار على الاستكبار الجهل الذي هو سبب كل رذيلة ﴿إن الخزي﴾ أي البلاء المذل ﴿اليوم﴾ أي يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة ﴿والسوء﴾ أي كل ما يسوء ﴿على الكافرين *﴾ أي العريقين في الكفر الذين
[ ١١ / ١٤٣ ]
تكبروا في غير موضع التكبر، لا على غيرهم؛ ثم رغبهم في التوبة بقوله: ﴿الذين تتوفّاهم﴾ بالفوقية في قراءة الجمهور لأن الجمع مؤنث، وبالتحتية في قراءة حمزة لأن المجموع غير مؤنث، وكان وفاتهم على وجهين: وجه خفيف - بما أشار إليه التأنيث لخفة كفر صاحبه، وآخر ثقيل شديد لشدة كفر صاحبه، ولم يحذف شيء من التاءين للإشارة إلى نقصان حالهم لأنه لا يمكن خيرها لموتهم على الكفر بخلاف ما تقدم في تارك الهجرة في النساء ﴿الملائكة﴾ أي المؤكلون بالموت، حال كونهم ﴿ظالمي أنفسهم﴾ بوضعها من الاستكبار على الملك الجبار غير موضعها.
فلما تم ذلك على هذا الوجه البديع، والأسلوب الرفيع المنيع، ابتدأ الخبر عن جوابهم على وجه معلم بحالهم فقال: ﴿فألقوا﴾ أي من أنفسهم عقب قول الأولياء وبسبب سؤال ذي الكبرياء ﴿السلم﴾ أي المقادة والخضوع بدل ذلك التكبر والعلو قائلين
[ ١١ / ١٤٤ ]
ارتكابًا للكذب من غير احتشام: ﴿ما كنا نعمل﴾ وأعرقوا في النفي فقالوا: ﴿من سوء﴾ فكأنه قيل: إن هذا لبهتان عظيم في ذلك اليوم الجليل، فماذا قيل لهم؟ فقيل: ﴿بلى﴾ قد عملتم أعظم السوء؛ ثم علل تكذيبهم بقوله: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم من كل وجه ﴿بما كنتم﴾ أي جبلة وطبعًا ﴿تعملون *﴾ أي من الضلال والإضلال، فلا يسعكم الإنكار، أفما آن لكم أن تنزعوا عن الجهل فيما يضركم ولا ينفعكم ويخفضكم ولا يرفعكم!
[ ١١ / ١٤٥ ]