ولما أبلغ في تأكيد ما أفهمه الجمع، استثنى فقال: ﴿إلا إبليس﴾ قيل: هو من قوم من الملائكة، وقيل: بل - لكونه كان واحدًا بينهم منضافًا إليهم عاملًا بأعمالهم - كان معمورًا فيهم، فكان كأنه منهم، فصح استثناءه لذلك، فكأنه قيل: ما فعل. فقيل استعظامًا لمخالفته: ﴿أبى أن يكون﴾ أي لشكاسة في جبلته ﴿من الساجدين *﴾ أو إنه لم يقل: فأبى - بالعطف، لأن الاستثناء منقطع، فإن إبليس من نار والملائكة من نور، وهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون بخلافه، فكأنه قيل: فما فعل به الملك؟ فقيل: لم يعاجله بالعقوبة، بل
[ ١١ / ٥٤ ]
أخره إلى أجله المحكوم به في الأزل كما أنه لم يعاجلكم لذلك، فكأنه قيل: فما قال له؟ فقيل: ﴿قال﴾ له ليقيم الحجة عليه عند الخلائق ظاهرًا كما قدمت عليه الحجة في العلم باطنًا: ﴿يا إبليس﴾ اختار هذا الاسم هنا لأن الإبلاس معناه اليأس من كل خير، والسكون والانكسار، والحزن والتحير، وانقطاع الحجة والندم ﴿مالك﴾ أي شيء لك من الأعذار في ﴿ألا تكون﴾ أي بقلبك وقالبك ﴿مع الساجدين *﴾ لمن أمرتك بالسجود له وأنت تعلم مما أنا عليه من العظمة والجلال ما لا يعلمه كثير من الخلق ﴿قال لم أكن﴾ وأكد إظهارًا للإصرار والإضرار بالكبر فقال: ﴿لأسجد لبشر﴾ أي ظاهر البدن، لا قدرة له على التشكل والتطور ﴿خلقته من صلصال﴾ أي طين يابس لا منعة فيه، بل إذا نقر أجاب بالتصويت ﴿من حمإ﴾ أي طين متغير أسود كدر ﴿مسنون *﴾ أي مصور بصورة الفخار متهيىء للدلك، لا يرد يد لامس، وأنا خير منه لأنك خلقتني من نار نافعة بالإشراق، ممتنعة ممن يريدها بالإحراق، فخضوعي له منافٍ لحالي وممتنع مني، وإلزامي به جور، فكأنه قيل: فماذا أجيب؟ فقيل: ﴿قال فاخرج﴾ أي تسبب عن كبرك
[ ١١ / ٥٥ ]
أني أقول لك: اخرج ﴿منها﴾ أي من دار القدس، قيل: السماء، وقيل: الجنة ﴿فإنك رجيم *﴾ أي مطرود إذ الرجم لا يكون إلا لمن هو بعيد يراد الزيادة في إبعاده بل إهلاكه، وعلة الإخراج أنها دار لا يقيم بها متكبر عاصٍ بمخالفة أمري، فإن لي الحاكم النافذ والعظمة التامة المقتضية لوجوب الطاعة، لا ينبغي لمن أمرته بما مر أن يتخلف عن أمري فضلًا عن أن يضرب لي الأمثال، ويواجهني بالجدال، طاعنًا فيما لي من الجلال والجمال؛ ثم أكد بُعده بالإخبار باستمراره فقال: ﴿وإن عليك﴾ أي خاصة ﴿اللعنة﴾ أي الكاملة للقضاء بالمباشرة لأسباب البعد ﴿إلى يوم الدين *﴾ أي إلى يوم انقطاع التكليف وطلوع صبح الجزاء بفناء الخلق أجمعين وفوات الأمد التي تصح فيه التوبة التي سبب القرب، فذلك إيذان بدوام الطرد، وتوالي البعد والمقت، فلا يتمكن في هذا الأمد من عمل يكون سببًا للقرب من حضرة الأنس، وجناب القدس، ومن منع من التوبة عن الكفر في وقتها يعلم قطعًا أنه لا يغفر له، فهو معذب أبدًا.
[ ١١ / ٥٦ ]