ولما كان جمع الرسل مفهمًا لتوزيعهم على الأمم، كان موضع توقع التصريح بذلك، فقال - دافعًا لكرب هذا الاستشراف، نافيًا لطروق احتمال، دالًا علا أن هذا القول السابق منصب إنكاره بالذات إلى اعتراضهم على الإرسال، ومسليًا لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحاثًا لهم على الاعتبار، عطفًا على ما تقديره: فلقد بعثناك في أمتك هذه لأن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت، فمنهم من هدينا، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فكان من غير شك بعضهم مرضٍ لله وبعضهم مغضب له، فإنه لا يكون حكم المتنافيين واحدًا أبدًا: ﴿ولقد﴾ أي والله لقد ﴿بعثنا﴾ أي على ما لنا من العظمة التي من اعترض عليها أخذ ﴿في كل أمة﴾ من الأمم الذين قبلكم ﴿رسولا﴾ فما بقي في الأرض أحد لم تبلغه الدعوة، ولأجل أن
[ ١١ / ١٥٦ ]
الرسل قد تكون من غير المرسل إليهم كلوط وشعيب ﵉ في أصحاب الأيكة وسليمان ﵇ في غير بني إسرائيل من سائر من وصل إليه حكمه من أهل الأرض لم يقيد ب «منهم» .
ولما كان البعث متضمنًا معنى القول، كان المعنى: فذهبوا إليهم قائلين: ﴿أن اعبدوا الله﴾ أي الملك الأعلى وحده ﴿واجتنبوا﴾ أي بكل جهدكم ﴿الطاغوت﴾ كما أمركم رسولنا ﴿فمنهم﴾ أي فتسبب عن إرسال الرسل أن كانت الأمم قسمين: منهم ﴿من هدى الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة، للحق فحقت له الهداية فأبصر الحق وعمل به باتباع الدعاة الهداة فيما أمروا به عن الله، فحقت له الجنة ﴿ومنهم من حقت﴾ أي ثبتت غاية الثبات ﴿عليه الضلالة﴾ بأن أضله الله فنابذ الأمر فلم يعمل به وعمل بمقتضى الإرادة، فإن الأمر قد لا يكون ما تعلق به، والإرادة لا بد أن يكون ما تعلقت به، وقد يكون موافقها عاملًا بالضلالة فحق عليه عذابها فحقت له النار فهلك، لأنه لم تبق له حجة يدفع بها عن نفسه، فلو كان كل ما شاءه
[ ١١ / ١٥٧ ]
حقًا كان الفريقان محقين فلم يعذب أحدهما، لكنه لم يكن الأمر كذلك، بل عذب العاصي ونجى الطائع في كل أمة على حسب ما قال الرسل، وهذا هو معنى رضي الله، إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم، فدل ذلك قطعًا على صدق الرسل وكذب مخالفيهم، فالآية من الاحتباك: ذكر فعل الهداية أولًا دليلًا على فعل الضلال ثانيًا، وحقوق الضلالة ثانيًا دليلًا على حقوق الهداية أولًا.
ثم التفت إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال: ﴿فسيروا﴾ أي فإن كنتم أيها المخاطبون في شك من إخبار الرسل فسيروا ﴿في الأرض﴾ أي جنسها ﴿فانظروا﴾ أي إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم، وعبر هنا بالفاء المشيرة إلى التعقب دون تراخ لأن المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي تجب المبادرة إلى الإقلاع عنه بخلاف ﴿ثم انظروا﴾ في الأنعام لما تقدم، وأشار بالاستفهام إلى أن أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال: ﴿كيف كان﴾ أي كونًا لا قدرة على الخلاص منه ﴿عاقبة﴾ أي
[ ١١ / ١٥٨ ]
آخر أمر ﴿المكذبين *﴾ أي من عاد ومن بعدهم الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفر من أسلافكم، فإنهم كذبوا الرسل فيما أمرتهم بإبلاغه مخالفة لأمري وعملًا بمشيئتي، فأوقعت بهم لأنهم خالفوا أمري باختيارهم مع جهلهم بإرادتي، فقامت عليهم الحجة على ما يتعارفه الناس بينهم.
ولما كان المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال إلى الأمر المحسوس إلا العناد، أعرض عنهم ملتفتًا إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم، فقال مسليًا له صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿إن تحرص على هداهم﴾ فتطلبه بغاية جدك واجتهادك ﴿فإن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لا يهدي﴾ أي هو بخلق الهداية في القلب - هذا على قراءة الكوفيين بفتح الياء وكسر الدال، ومن هاد ما بوجه من الوجوه على قراءة الجمهور بالبناء للمفعول ﴿من يضل﴾ أي من يحكم بضلاله، وهو الذي أضلهم فلا يمكن غيره أن يهديهم لأنه لا غالب لأمره؛ وقرىء شاذًا بفتح الياء من ضل بمعنى نسي، أي فلا تمكن هداية من نسيه، أي
[ ١١ / ١٥٩ ]
تركه من الهداية ترك المنسي فإنه ليس في يد غيره شيء، ونقل الصغاني في مجمع البحرين أنه يقال: ضل فلان البعير أي أضله، والضلال عند العرب سلوك غير سبيل القصد، فالمعنى أنه كان سببًا لسلوك البعير غير المقصود، فمعنى الآية: لا تهدي من يضله الله - بفتح الياء، أي يكون سببًا لسلوكه غير سبيل القصد، فلا تحزن ولا يضيق صدرك من عدم تأثرهم بنصحك وإخلاصك في الدعاء، ولا يقع في فكرك أن في دعائك نقصًا، إنما النقص في مرائيهم العمياء، وليس عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى -: ﴿وما لهم﴾ أي هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من يضله ﴿من ناصرين *﴾ أي ينصرونهم عند مجازاتهم على الضلال، لينقذوهم مما لحقهم عليه من الوبال، كما فعل بالمكذبين من قبلهم - عطف على نتيجة ما قبله، وهو فلا هادي لهم ما أراد الله ضلالهم، وتبكيت لهم وتقريع وحث وتهييج على أن يقوموا بأنفسهم ويستعينوا بمن شاؤوا على نصب دليل ما يدعونه من أنهم أتبع الناس للحق، إما بأن يبرهنوا على صحة معتقدهم أو يعينوهم على الرجوع عنه عند العجز عن ذلك، أو يكفوا عنهم العذاب إذا حاق بهم.
[ ١١ / ١٦٠ ]
ولما كان من حقهم - بعد قيام الأدلة على كمال قدرته وشمول علمه وبلوغ حكمته في إبداع جميع المخلوقات مما نعلم وما لا نعلم على أبدع ترتيب وأحسن نظام - تصديق الهداة في إعلامهم بأنه سبحانه يعيدهم للبعث وأنهم لم يفعلوا ولا طرقوا لذلك احتمالًا، بل حلفوا على نفيه من غير شبهة عرضت لهم ولا إخبار عن علم وصل إليهم فعل الجلف الجافي الغبي العاسي، أتبع ذلك سبحانه تعجيبًا آخر من حالهم، فقال - عاطفًا على ﴿وقال الذين أشركوا﴾ لأن كلًاّ من الجملتين لبيان تكذيبهم الرسل والتعجيب منهم في ذلك، دالًا على ان اعتقادهم مضمون هذه الجملة هو الذي جرأهم على قول الأولى وما تفرع منها -: ﴿وأقسموا بالله﴾ أي الملك الأعظم ﴿جهد أيمانهم﴾ جعلت الأيمان جاهدة لكثرة ما بالغوا فيها: ﴿لا يبعث الله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿من يموت﴾ أي يحيي أحدًا بعد موته، استنادًا منهم إلى مجرد استبعاد مالم تجر به نفسه عندهم عادة، جمودًا منهم عن حلها بأن النشأة الأولى كانت من غير عادة، مع ادعائهم أنهم أعقل الناس وأحدهم أذهانًا وأثقبهم أفهامًا.
ثم رد عليهم بقوله تعالى: ﴿بلى﴾ أي ليبعثهم لأنه لا مانع له
[ ١١ / ١٦١ ]
من ذلك وقد وعد به ﴿وعدًا﴾ وبين أنه لا بد منه بقوله: ﴿عليه﴾ وزاده تأكيدًا في مقابلة اجتهادهم في أيمانهم بقوله: ﴿حقًا﴾ أي لأنه قادر عليه وهو لا يبدل القول لديه، فصار واجبًا في الحكمة كونه، وأمر البعث معلوم عند كل عاقل سمع أقوال الهداة تاركًا لهواه ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي بما لهم من الاضطراب ﴿لا يعلمون *﴾ أي لا علم لهم يوصلهم إلى ذلك لأنه من عالم الغيب لا يمكن عقولهم الوصول إليه بغير إرشاد من الله، ولا هم يقبلون أقوال الدعاة إليه الذين أيدهم بروح منه لتقيدهم بما توصلهم إليه عقولهم، وهي مقصورة على عالم الشهادة لا يمكنها الترقي منه إلى عالم الغيب بغير وساطة منه سبحانه تعالى، فلذلك ترى الإنسان منهم يأبى ذلك استعبادًا لأن يكون شيء معقول لا يصل إليه بمجرد عقله وهو خصيم مبين.
[ ١١ / ١٦٢ ]