ولما كان الكبر والأنفة أعظم موقف عن العلم الداعي إلى كل خير، ومرض بمرض الجهل الحامل على كل شر، قال تعالى: ﴿ولا تمش﴾ أي مشيًا ما، وحقق المعنى بقوله تعالى: ﴿في الأرض﴾ أي جنسها ﴿مرحًا﴾ وهو شدة الفرح التي يلزمها الخيلاء، لأن ذلك من رعونات النفس بطيش الهوى وداعي الشهوة وما طبعت عليه من النقائص، فإنه لا يحسن إلا بعد بلوغ جميع الآمال التي تؤخذ بالجد ولن يكون ذلك لمخلوق، ولذلك علله بقوله تعالى: ﴿إنك لن تخرق﴾ أي ولو بأدنى الوجوه ﴿الأرض﴾ أي تقطعها سيرًا من مكانك إلى طرفها ﴿ولن تبلغ﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿الجبال طولًا *﴾ أي طول الجبال كلها بالسير فيها، فإذا كنت تعجز في قدرتك وعلمك عن خط مستقيم من عرض الأرض
[ ١١ / ٤١٥ ]
مع الجد والاجتهاد وعن التطاول على أوتادها فبماذا تفخر؟ وبأيّ شيء تتكبر حتى تتبختر؟ وذلك من فعل من بلغ جميع ما أمل؛ ثم عظم جميع ما مضى من المنهيات وأضداد المأمورات بقوله تعالى: ﴿كل ذلك﴾ أي الأمر البعيد من المكارم ﴿كان﴾ أي كونًا غير مزايل.
ولما كانت السيئة قد صارت في حكم الأسماء كالإثم والذنب وزال عنها حكم الصفات، حملها على المذكر ووصفها به فقال تعالى: ﴿سيئه﴾ وزاد بشاعته بقوله تعالى: ﴿عند ربك﴾ أي المحسن إليك إحسانًا لا ينبغي أن يقابل عليه إلا بالشكر ﴿مكروهًا *﴾ أي يعامله معاملة المكروه من النهي عنه والذم لفاعله والعقاب، والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن إليه حياء منه، فإن لم يكن فخوفًا من قطع إحسانه، وخضوعًا لعز سلطانه، ويجوز أن يكون المراد بهذا الإفراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى أنه لا يقدر أحد غيره على امتثال هذا المعنى على ما ينبغي، لأنه لا يعلم أحد العلم على ما هو عليه سواء، ولأن الرأس إذا خوطب بشيء
[ ١١ / ٤١٦ ]
كان الأتباع له أقبل وبه أعنى.
ولما تمت هذه الأوامر والزواجر على هذا الوجه الأحكم والنظام الأقوم، أشار إلى عظيم شأنه ومحكم إتقانه بقوله على طريق الاستئناف، تنبيهًا للسامع على أن يسأل عنه: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي جدًا ﴿مما أوحى﴾ أي بعث في خفية ﴿إليك ربك﴾ أي المحسن إليك ﴿من الحكمة﴾ التي لا يستطاع نقضها ولا الإتيان بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر، ومن حكمة هذه الأشياء المشار إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في شريعة من الشرائع، بل كانت هكذا في كل ملة.
ولما بين أن الجهل سبب لكل سوء، وكان الشرك أعظم جهل، أتبعه - ليكون النهي عنه بدءًا وختامًا، دلالة على فرط شناعته عطفًا على ما مضى من النواهي - قوله تعالى: ﴿ولا تجعل﴾ أو يقدر له ما يعطف عليه نحو: فالزمه ولا تجعل ﴿مع الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله ﴿إلهًا﴾ .
ولما كانوا لتعنتهم ربما جعلوا تعداد الأسماء تعدادًا للمسميات كما ورد في سبب نزول ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ قال تعالى مع إفهام المعية للغيرية: ﴿ءاخر﴾ فإن ذلك أعظم الجهل الذي نهى
[ ١١ / ٤١٧ ]
عن قفوه ﴿فتلقى﴾ أي فيفعل بك في الآخرة في الحبس ﴿في جهنم﴾ من الإسراع فيه وعدم القدرة على التدارك فعل من ألقى من عالٍ، حال كونك ﴿ملومًا﴾ أي معنفًا على ما فعلت بعد الذم ﴿مدحورًا *﴾ أي مطرودًا بعد الخذلان، فهذان الوصفان أشنع من وصفي الذم والخذلان في الآية الأولى كما هي سنته تعالى أن يبدأ بالأخف تسليكًا لعباده، وإنما كان الشرك أجهل الجهل لأن من الواضح أن الإله لا يكون إلا واحدًا بالذات فلا ينقسم، وبالاعتبار فلا يجانس؛ وعن ابن عباس ﵄ أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى ﵇ أولها ﴿لا تجعل مع الله إلهًا ءاخر﴾ وهي عشر آيات في التوراة، جعل فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء، وحك بيافوخه السماء، ما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم.
ولما كان ادعاءهم أن الملائكة بنات الله ادعاء لأن له مناسبًا ومجانسًا في أخص الصفات وهي الإلهية، وكانت عبادتهم لهم تحقيقًا لذلك، وكان ذلك أزيد من مجرد الشرك في الجهل، ساقه مساق التقريع والتوبيخ تنبيهًا على ظهور فساده متصلًا بما مضى من النهي عن الشرك
[ ١١ / ٤١٨ ]
بالعطف بفاء السبب على ﴿ما﴾ بعد الاستئناف بهمزة الإنكار، فكان كأنه قيل: لا تفعل ذلك كما فعل هؤلاء الذين أفرطوا في الجهل فنسبوا إليه من خلقه أدنى الجزءين كما تقدم في النحل في قوله تعالى ﴿ويجعلون لله البنات﴾ [النحل: ٥٤] ثم عبدوا ذلك الجزء وهم لا يرضونه لأنفسهم؛ ثم التفت إليهم مخاطبًا بما دل على تناهي الغضب فقال: ﴿أفأصفاكم ربكم﴾ أي أخلق المحسن إليكم بنين وبنات فأصفاكم إحسانًا إليكم وأنتم تكفرون به ﴿بالبنين﴾ الذين هم أفضل صنفي الأولاد، ﴿و﴾ لم يحسن إلى نفسه بأن شارككم في البنين، بل ﴿اتخذ﴾ عبر بالافتعال لأن من عدل إلى أحد الصنفين مع التمكن من الآخر لا يكون إلا شديد الرغبة فيما عدل إليه ﴿من الملائكة﴾ الذين هم أقرب عباده أولادًا، ثم ما كفاه نقص الولدية ومعالجة أسبابها حتى جعل ما اتخذه ﴿إناثًا﴾ فرضي لنفسه - وهو إلهكم الخالق الرازق - با لا ترضونه لأنفسكم، ووصلتم في كراهته في بعض الحالات إلى القتل، فصار مشاركًا لكم في البنات مخصصًا لكم دونه بالبنين، وذلك خلاف
[ ١١ / ٤١٩ ]
عادتكم، فإنه العبيد لا يؤثرون بالأجود ويكون الأدون للسادات، وعبر أولًا بالبنين دون الذكور لأن اسم الابن ألذ في السمع، مرض لمن بشر به من غير نظر في العاقبة، وقد يكون أنثى الأفعال، ولأن اسم الذكر مشترك المعنى، وعبر في الثاني بالإناث لإفهام الرخاوة بمدلول اللفظ، ولأنهن بنات بالمعادلة، ويمكن أن تنزل الآية على الاحتباك، فيكون التقدير: بالبنين ورضي لنفسه بالبنات، وخصكم في نوعكم الذي هو أضعف ما يكون بالذكور، واتخذ من الملائكة الذين منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثًا في غاية الرخاوة، ولذلك استأنف الإنكار عليهم معظمًا لذلك بقوله تعالى: ﴿إنكم لتقولون﴾ وأكده لما لهم من التهاون له والاجتراء عليه بقوله تعالى: ﴿قولًا﴾ وزاد في ذلك بقوله: ﴿عظيمًا *﴾ أي في الجهل والإفك، عليه وعلى ملائكة الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فتضيفون إليه الأولاد وهم من خصائص الأجسام ثم تفضلون أنفسكم عليه
[ ١١ / ٤٢٠ ]
فتجعلون له ما تكرهون.
[ ١١ / ٤٢١ ]