ولما بين أنه لا بد من ذلك لسبق الوعد به من القادر، بين حكمته بأمر مبين أنه لا يسوغ تركه بوجه، وهو أنه لا يجوز في عقل عاقل أن أحدًا ملكًا فما دونه يأمر عبيده بشيء ثم يهملهم فلا يسألهم ولا سيما إن اختلفوا ولا سيما إن أدى اختلافهم إلى المقاطعة والمقاتلة
[ ١١ / ١٦٢ ]
فكيف إن كان حاكمًا فكيف إذا كان حكيمًا فكيف وهو أحكم الحاكمين! فقال معلقًا بما دل عليه ﴿بلى﴾: ﴿ليبين﴾ أي فعله ووعد به فهو يبعثهم ليبين ﴿لهم﴾ أي للناس ﴿الذي يختلفون﴾ أي يوجد اختلافهم ﴿فيه﴾ من البعث وغيره، ويجزي كلًاّ بما عمل لأن ذلك من العدل الذي هو فعله ﴿وليعلم الذين كفروا﴾ أي جهلوا الآيات الدالة عليه، فكأنهم ستروها لأنها لظهورها لا تجهل ﴿أنهم كانوا﴾ أي جبلة وطبعًا ﴿كاذبين *﴾ أي عريقين في الكذب في إنكارهم للمعاد وزعمهم أنهم المختصون بالمفاز علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.
ولما بين تحتمه وحكمته، بين إمكانه ويسره عليه وخفته لديه، فقال تعالى: ﴿إنما قولنا﴾ أي بما من العظمة ﴿لشيء﴾ إبداء وإعادة ﴿إذا أردناه﴾ أي أردنا كونه ﴿أن نقول له﴾ ثم ذكر محكى القول النفسي فقال - بانيًا من «كان» التامة ما دل على موافقة الأشياء المرادة موافقة المأمور للآمر المطاع -: ﴿كن﴾ أي أحدث ﴿فيكون *﴾ أي فيتسبب عن ذلك القول أنه يكون حين تعلق القدرة به من غير مهلة أصلًا، فنحن خلقنا الخلق لنأمرهم وننهاهم.
ولما كان التقدير تفصيلًا لفريقي المبين لهم وترغيبًا في الهجرة لأنها بعد الإيمان أوثق عرى الإسلام: فالذين كفروا
[ ١١ / ١٦٣ ]
واغتروا بما شاهدوه من العرض الفاني لنخزينهم في الدنيا والآخرة ولنجازينهم بجميع ما كانوا يعملون، عطف عليه قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا﴾ أي أوقعوا المهاجرة فرارًا بدينهم فهجروا آباءهم وأبناءهم وأقاربهم من الكفار وديارهم وجميع ما نهوا عنه ﴿في الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال، بعدما «تمادى» المكذبون بالبعث على إيذائهم، فتركوا لهم بلادهم.
ولما كانت هجرتهم لم تستغرق زمان البعد لموت بعض من هجروه وإسلام آخرين بعد احتمالهم لظلمهم ما شاء الله، قال تعالى: ﴿من بعد ما ظلموا﴾ أي وقع ظلمهم من الكفار، بناه للمفعول لأن المحذور وقوع الظلم لا كونه من معين ﴿لنبوئنهم﴾ أي نوجد لهم منزلًا هو أهل لأن يرجع إليه، بما لنا من الملائكة وغيرهم من الجنود وجميع العظمة ﴿في الدنيا﴾ مباءة ﴿حسنة﴾ كبيرة عظيمة، جزاء لهم على هدمتنا، بأن نعلي أمرهم وإن كره المشركون، كما يراه من يتدبر بمعني لأوليائي على قلتهم، وسينكشف الأمر عما قريب انكشافًا
[ ١١ / ١٦٤ ]
لا يجهله أحد، فالآية دليل على ما قبلها.
ولما كان التقدير: ولنبوئنهم في الآخرة أجرًا كبيرًا، عطف عليه قوله تعالى: ﴿ولأجر الآخرة﴾ المعد لهم ﴿أكبر﴾ مما جعلته لهم في الدنيا ﴿لو كانوا يعلمون *﴾ أي لو كان الكفار لهم بجبلاتهم علم بأن يكون لهم عقل يتدبرون به لعلموا - بإحساني إلى أوليائي في الدنيا من منعي لهم منهم في عنادهم مع كثرتهم وقلتهم، وإسباغي لنعمي عليهم لا سيما في الأماكن التي هاجروا إليها من الحبشة والمدينة وغيرهما مع اجتهادهم في منعها عنهم - أني أجمع لأوليائي الدارين، وأن إحساني إليهم في الآخرة أعظم - روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أكثر وأفضل - ثم تلا هذه الآية.
[ ١١ / ١٦٥ ]