ولما نبه سبحانه على التفكر، وكان داعيًا للعاقل إلى تجويز الممكن والبعد من الخطر، سبب عنه إنكار الأمن من ذلك فقال تعالى: ﴿أفأمن﴾ أي أتفكروا فتابوا، أو استمروا على عتوهم؟ أفأمن ﴿الذين مكروا﴾ بالاحتيال في قتل الأنبياء وإطفاء نور الله الذي أرسلهم به، المكرات ﴿السيئات أن﴾ يجازوا من جنس عملهم بأن ﴿يخسف الله﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿بهم﴾ أي خاصة ﴿الأرض﴾ فإذا هم في بطنها، لا يقدرون على نوع تقلب بمدافعة ولا غيرها، كما فعل بقارون وأصحابه وبقوم لوط ﵇ من قبلهم ﴿أو يأتيهم العذاب﴾ على غير تلك الحال ﴿من حيث لا يشعرون *﴾ به في حالة من هاتين الحالتين شعورًا ما، هم في حال سكون ودعة بنوم أو غفلة ﴿أو يأخذهم﴾
[ ١١ / ١٦٩ ]
أي الله بعذابه ﴿في﴾ حال ﴿تقلبهم﴾ وتصرفهم ومشاعرهم حاضرة وقواهم مستجمعة.
ولما كانت هذه الأحوال الثلاثة مفروضة في حال أمنهم من العذاب وكان الأمن من العدو يكون عن ظن عدم قدرته عليه، علل ذلك بقوله تعالى: ﴿فما هم بمعجزين *﴾ أي في حالة من هذه الأحوال، سواء علينا غفلتهم ويقظتهم، ولم يعلل ما بعده بذلك لأن المتخوف مجوّز للعجز، فقال تعالى: ﴿أو يأخذهم﴾ أي الله أخذ غضب ﴿على تخوف﴾ منهم من العذاب وتحفظ من أن يقع بهم ما وقع بمن قبلهم من عذاب الاستئصال، ويجوز أن يراد بما مضى عذاب الاستئصال، وبهذا الأخذ شيئًا فشيئًا، فإن التخوف التنقص عند هذيل، روي أن عمر ﵁ سأل الناس عنها فسكتوا فأجابه شيخ من هذيل بأنه التنقص، فقال عمر ﵁: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم! قال شاعرنا
[ ١١ / ١٧٠ ]
أبو كثير الهذلي يصف ناقة:
تخوف الرحل منها تامكًا قردًا كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر ﵁: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.
ولما كان التقدير: لم يأمنوا ذلك في نفس الأمر، ولكن جهلهم بالله - لطول أناته وحلمه - غرهم سبب عنه قوله التفاتًا إلى الخطاب استعطافًا: ﴿فإن ربكم﴾ أي المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد ﴿لرءوف﴾ أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة، وكذا لمن قاطعه أتم مقاطعة، وإليه أشار بقوله تعالى:
[ ١١ / ١٧١ ]
﴿رحيم *﴾ أي فتسبب عن إمهاله لهم في كفرهم وطغيانهم مع القدرة عليهم العلم بأن تركه لمعاجلتهم ما هو إلا لرأفته ورحمته.
ولما خوفهم، دل على تمام قدرته على ذلك وغيره بقوله: عاطفًا على ما تقديره: أو لم يروا إلى عجزهم عما يريدون وقسره لهم على ما لا يريدون، فيعلموا بذلك قدرته وعجزهم، فيعلموا أن عفوه عن جرائمهم إحسان منه إليهم ولطف بهم: ﴿أولم﴾ ولما كان حقهم المبادرة بالتوبة فلم يفعلوا، أعرض عنهم في قراءة الجماعة تخويفًا فقال تعالى: ﴿يروا﴾ بالياء التحتية، وقرأ حمزة والكسائي بالخطاب على نسق ما قبله، أي ينظروا بعيون الأبصار متفكرين بالبصائر، وبين بعدهم عن المعارف الإلهية بحرف الغاية فقال تعالى: ﴿إلى ما خلق الله﴾ أي الذي له جميع الأمر ﴿من شيء﴾ أي له ظل ﴿يتفيؤا﴾ أي تترجع إلى جهة الشاخص ﴿ظلاله﴾ وهو ما ستره الشاخص عن الشمس متجاوزة له ﴿عن اليمين﴾ وهي ما على يمين المستدير للشمال، المستقبل للجنوب، الذي هو ناحية الكعبة لمن في بلاد الشام التي هي مسكن الأنبياء ﵈، وأفراد لأن
[ ١١ / ١٧٢ ]
الظل يكون أول ما تشرق الشمس مستقيمًا إلى تلك الجهة على استواء، وجمع في قوله: ﴿والشمائل﴾ لأن الشمس كلما ارتفعت تحول ذلك الظل راجعًا إلى جهة ما وراء الشاخص، ولا يزال كذلك إلى أن ينتصب عند الغروب إلى جهة يساره قصدًا على ضد ما كان انتصب إليه عند الشروق، فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين طالبًا في تفيئه جهة اليسار، سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو طالبه تنبيهًا على ذلك، وفيه إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف الرديء.
ولما كانت كثرة الخاضعين أدل على القهر وأهيب، جمع بالنظر إلى معنى «ما» في قوله: ﴿سجدًا﴾ أي حال كونهم خضعًا ﴿لله﴾ أي الملك الأعلى بما فيهم من الحاجة إلى مدبرهم.
ولما كان امتداد الظل قسريًا لا يمكن أحدًا الانفصال عنه، قال جامعًا بالواو والنون تغليبًا: ﴿وهم داخرون *﴾ ذلًا وصغارًا، لا يمتنع شيء منهم على تصريفه، وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره، والتغير دال على المغير.
ولما حكم على الظلال بما عم أصحابها من جماد وحيوان، وكان الحيوان
[ ١١ / ١٧٣ ]
أشرف من الجماد، رقي الحكم إليه بخصوصه فقال تعالى: ﴿ولله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿يسجد﴾ أي يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية، وعبر بما هو ظاهر في غير العقلاء مع شموله لهم فقال تعالى: ﴿ما في السماوات﴾ ولما كان المقام للمبالغة في إثبات الحكم على الطائع والعاصي، أعاد الموصول فقال تعالى: ﴿وما في الأرض﴾ ثم بين ذلك بقوله تعالى: ﴿من دآبة﴾ أي عاقلة وغير عاقلة.
ولما كان المقرب قد يستهين بمن يقربه، قال مبينًا لخضوع المقربين تخصيصًا لهم وإن كان الكلام قد شملهم: ﴿والملائكة﴾ .
ولما كان الخاضع قد يحكم بخضوعه وإن كان باطنه مخالفًا لظاهره، قال - دالًا على أن في غيرهم من يستكبر فيكون انقياده للإرادة كرهًا، وعبر عن السجودين: الموافق للأمر والإدارة طوعًا، والموافق للارداة المخالف للأمر كرهًا، بلفظ واحد، لأنه يجوز الجمع بين مفهومي المشترك والحقيقة والمجاز بلفظ: ﴿وهم﴾ أي الملائكة ﴿لا يستكبرون *﴾ ثم علل خضوعهم بقوله دلالة على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء: ﴿يخافون ربهم﴾ أي الموجد لهم، المدبر لأمورهم، المحسن إليهم، خوفًا مبتدئًا ﴿من فوقهم﴾ إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم، أو حال كون ربهم مع إحسانه إليهم له العلو والجبروت، فهو المخوف المرهوب،
[ ١١ / ١٧٤ ]
فهم عما نهوا عنه ينتهون ﴿ويفعلون﴾ أي بداعية عظيمة علمًا منهم بما عليهم لربهم من الحق مع عدم منازع من حظ أو شهوة أو غير ذلك، ودل على أنهم مكلفون بقوله تعالى: ﴿ما يؤمرون *﴾ فهم لرحمته لهم يرجون؛ فالآية من الاحتباك: ذكر الخوف أولًا دال على الرجاء ثانيًا، وذكر الفعل ثانيًا دال على الانتهاء أولًا.
[ ١١ / ١٧٥ ]