ولما بدأ سبحانه بالوعيد لطفًا بالمكلفين، عطف على «اذهب» قوله ممثلًا حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع بقوم فصوت بهم صوتًا يستفزهم من أماكنهم، ويقلعهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم: ﴿واستفزز﴾ أي استخف، والفز أصله القطع، أي استزله بقطعه عن الصواب - قاله الرماني ﴿من استطعت منهم﴾ وهم الذين سلطناك عليهم ﴿بصوتك﴾ أي دعائك بالغنى والمزامير وكل ما تزينه بالوساس ﴿وأجلب﴾ أي اجمع أو سق بغاية ما يمكنك من الصياح ﴿عليهم بخيلك﴾ أي ركبان جندك ﴿ورجلك﴾ أي ومشاتهم؛ والمعنى: افعل جميع ما تقدر عليه، ولا تدع شيئًا من قوتك، فإنك لا تقدر على شيء لم أقدره لك.
ولما كان الشيطان طالبًا شركة الناس في جميع أمورهم بوساوسه الحاملة
[ ١١ / ٤٦٩ ]
لهم على إفسادها، فإن أطاعوه كانوا طالبين لأن يشركوه وإن كانوا لا شعور لهم بذلك، عبر بصيغة المفاعلة فقال تعالى: ﴿وشاركهم﴾ أي بوثوبك على مخالطتهم عند ما يشاركونك بفعل ما يوافق هواك ﴿في الأموال﴾ أي التي يسعون في تحصيلها ﴿والأولاد﴾ أي التي ينسلونها، إن اقتنوها بوجه محرم أو لم يذكروا اسمي عليها، وكذا قرابينهم لغير الله وإنفاقهم في المحرمات وتعليمهم أولادهم المعاصي والكفر مشاركة فيها ﴿وعدهم﴾ من المواعيد الباطلة ما يستخفهم ويغرهم من شفاعة الآلهة والكرامة على الله تعالى وتسويف التوبة - ونحو ذلك؛ ثم التفت إلى الصالحين من عباده فأخبرهم تثبيتًا لهم وتنبيهًا لغيرهم على أنه ليس بيده شيء، فقال تعالى مظهرًا لضميره بما يدل على تحقيره، تقبيحًا لأمره وتنفيرًا منه: ﴿وما يعدهم الشيطان﴾ أي المحترق المطرود باللعنة، من عدم البعث وطول الأجل وشفاعة الآلهة ونحو ذلك ﴿إلا غرورًا *﴾ والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب، ثم رجع إلى مواجهته بما يحقر أمره، فإن المواجهة بالتحقير أنكأ، مصرحًا بنتيجة ذلك، وهي أنه غير قادر إلا بإذنه سبحانه، وممنوع عنه ما لم يقدره له، دفعًا لما قد يوهمه ما مضى
[ ١١ / ٤٧٠ ]
من أنه يؤثر شيئًا استقلالًا فقال تعالى: ﴿إن﴾ أي اجهد جهدك، لأن أهل الشهوات سلطتك عليهم زيادة في شقائك بما أردته منهم قبل خلقك وخلقهم، لا تقدر أن تتعدى شيئًا منه إلى خالصتي ومن ارتضيته لعبادتي، إن ﴿عبادي﴾ الذين أهّلتهم للإضافة إليّ فقاموا بحق عبوديتي بالتقوى والإحسان ﴿ليس لك﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿عليهم سلطان﴾ أي فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا يغفر، فإني وفقتهم للتوكل عليّ فكفيتهم أمرك ﴿وكفى بربك﴾ أي الموجد لك المدبر لأمرك ﴿وكيلًا *﴾ يحفظ ما هو وكيل فيه من كل ما يمكن أن يفسده.
[ ١١ / ٤٧١ ]