ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم منكرة استكبارًا وما يتعلق به، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات، والنبوات، والمعاد، وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار، وكان أجل هذه المقاصد الإلهيات، شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاخيتار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار، وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله: ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ قوله جامعًا في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي: ﴿والله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿أنزل من السماء﴾ في الوقت الذي يريده ﴿ماء﴾ بالمطر والثلج والبرد ﴿فأحيا به الأرض﴾ الغبراء. ولما كانت عادته بذلك مستمرة، وكان السياق لإثبات دعائم الدين، وكان الإحياء بالماء لا يزال أثره قائمًا في زرع أو شجر في بعض الأراضي، أعرى الظرف من الجار لأن المعنى به أبلغ فقال: ﴿بعد موتها﴾ باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلًا ورأسًا.
ولما كان ما أقامه على ذلك في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى
[ ١١ / ١٩١ ]
حد لا يحتاج معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع، قال تعالى ﴿إن في ذلك﴾ الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم ﴿لآية لقوم يسمعون *﴾ هذا التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه، فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده فيحيي به أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات بالماء بعد موتها وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها، والحاصل ان هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق، وترك العناد والجهل، فهو من سماع الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة، استعمالًا للشيء في حقيقته ومجازه، ولعله لم يختمها ب «يبصرون» لئلا يظن أن ذلك من البصيرة، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح.
ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي غفل عنه لشدة الألف به، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور، المحتوية على عجائب المقدور، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم، وأكثرها في نفسه وأعظمها منفعة ودخلًا في قوام عيشهم، فقال: ﴿وإن لكم﴾ أي أيها المخاطبون المغمورون في النعم! ﴿في الأنعام﴾ ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل
[ ١١ / ١٩٢ ]
إلى العلم قال: ﴿لعبرة﴾ فكأنه قيل: ما هي؟ فقيل: ﴿نسقيكم﴾ بضم النون في قراءة الجماعة من أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائمًا من نهر أو لبن وغيرهما، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة: من سقاه - إذا ناوله شيئًا فشربه.
ولما كان الأنعام اسم جمع، فكان مفردًا كما نقل ذلك سيبويه، وذكر المسقي وهو اللبن، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت إرادة الإناث لذلك، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير، قال تعالى: ﴿مما﴾ أي من بعض الذي ﴿في بطونه﴾ فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون.
ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره، قدم قوله تعالى: ﴿من بين فرث﴾ وهو الثفل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثًا ﴿ودم لبنًا خالصًا﴾ من مخالط منهما أو من غيرهما
[ ١١ / ١٩٣ ]
يبغي عليه بلون أو رائحة؛ عن ابن عباس ﵄: إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثًا، وأوسطه لبنًا، وأعلاه دمًا. والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش. ﴿سائغًا﴾ أي سهل المرور في الحقل ﴿للشاربين *﴾ ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني المذكورة، فقال تعالى معلقًا ب «نسقيكم» ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب﴾ .
ولما كان لهم مدخل في اتخاذ ما ذكر منه بخلاف اللبن الذي لا صنع لهم يه أصلًا، أسند الأمر إليهم وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر وتوطئة للنهي عنه في قوله مستأنفًا: ﴿تتخذون﴾ أي باصطناع منكم وعلاج، ولأجل استئناف هذه الجملة كان لا بد من قوله: ﴿منه﴾ أي من مائه، وعبر عن السكر
[ ١١ / ١٩٤ ]
بالمصدر إبلاغًا في تقبيحه، وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين وهو المحرك، يقال: سكر سكْرًا وسكَرًا مثل رشد رشْدًا ورشَدًا، ونحل نحْلًا ونحَلًا، فقال تعالى: ﴿سكرًا﴾ أي ذا سكر منشّيًا مطربًا سادًّا لمجاري العقل قبيحًا غير مستحسن للرزق ﴿ورزقًا حسنًا﴾ لا ينشأ عنه ضرر في بدن ولا عقل من الخل والدبس وغيرهما، ولا يسد شيئًا من المجاري، بل ربما فتحها كالحلال الطيب، فإنه ينير القلب، ويوسع العقل، والأدهان كلها تفتح سدد البدن، وهذا كما منحكم سبحانه العقل الذي لا أحسن منه فاستعمله قوم على صوابه في الوحدانية، وعكس آخرون فدنسوه بالإشراك؛ قال الرماني: قيل: السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه - عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي وأبي رزين والحسن ومجاهد وقتادة ﵃. والسكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول ما أسكر. الثاني ما أطعم من الطعام. الثالث السكون.
[ ١١ / ١٩٥ ]
الرابع المصدر من السكر، وأصله انسداد المجاري مما يلقي فيها، ومنه السكر - يعني بكسر ثم سكون، ومن حمل السكر على السكر قال: إنها منسوخة بآية المائدة، والتعبير عنه بما يفهم سد المجاري يفهم كراهته عندما كان حلالًا؛ والآية من الاحتباك: ذكر السكر أولًا دال على الفتح ثانيًا، وذكر الحسن دال القبيح أولًا، فالآية أدل ما في القرآن على المعتزلة في أن الرزق يطلق على الحرام، ولتقارب آيتي الأنعام والأشجار جمعهما سبحانه فقال تعالى: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم من هذه المنافع ﴿لآية﴾ ولوضوح أمرهما في كمال قدرة الخالق ووحدانيته قال تعالى: ﴿لقوم يعقلون *﴾ .
[ ١١ / ١٩٦ ]