ولما قرر سبحانه بهذه الجمل ما يسر لهم من البر، وسهل من شدائد البحر في معرض التهديد، أتبعه أنه فعل ذلك تكريمًا لهم على سائر مخلوقاته، كما هو شأنه في القدرة على ما يريد في المفاوتة بين الأمور التي كانت متساوية عند أول خلقه لها، ليستدلوا بذلك على سهولة الإعادة، مشيرًا إلى أنه ركب جوهر الإنسان من نفس هي أشرف النفوس بما فضلها على قوى النفس النباتية من الاغتذاء والنمو والتوليد بالحس ظاهرًا وباطنًا وبالحركة بالاختيار، وخصه على سائر الحيوان بالقوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي، ويتجلى بها نور معرفة الله، ويشرق فيها ضوء كبريائه وتطلع على عالمي الخلق والأمر، وتحيط بأقسام المخلوقات من الأرواح
[ ١١ / ٤٧٥ ]
والأجسام كما هي، فكانت بذلك النفس الإنسانية أشرف نفوس هذا العالم، وبدنه كذلك باختصاصه باعتدال القامة وامتدادها والتناول باليد وغير ذلك، فقال تعالى عاطفًا على ما يرشد إليه السياق من مثل أن يقال: فلقد كرمناكم بذلك من إزجاء الفلك وإنجائكم في وقت الشدائد، أو على: ولقد فضلنا: ﴿ولقد كرمنا﴾ أي بعظمتنا تكريمًا عظيمًا ﴿بني ءادم﴾ أي على سائر الطين بالنمو، وعلى سائر النامي بالحياة، وعلى سائر الحيوان بالنطق، فكان حذف متعلق التكريم دالًا على عمومه لجميع الخلق، وذلك كله تقديرًا للقدرة على البعث ﴿وحملناهم في البر﴾ على الدواب وغيرها ﴿والبحر﴾ على السفن وغيرها ﴿ورزقناهم﴾ أي رزقًا يناسب عظمتنا ﴿من الطيبات﴾ أي المستلذات من الثمرات والأقوات التي يأكل غيرهم من الحيوان قشّها ﴿وفضلناهم﴾ في أنفسهم بإحسان الشكل، وفي صفاتهم بالعلم المنتج لسعادة الدارين، وفي رزقنا لهم بما تقدم.
ولما حذف متعلق التكريم دلالة على التعميم، وكان أغلب أفراده ضالًا، قال لذلك: ﴿على كثير ممن خلقنا﴾ أي بعظمتنا التي خلقناهم بها وأكد الفعل بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى: ﴿تفضيلًا *﴾ هذا ما للمجموع، وأما الخلص فهم أفضل الخلائق لما علمنا من معالجتهم بالإخلاص وجهادهم لأهويتهم، لما طبعت عليه نفوسهم من النقائص،
[ ١١ / ٤٧٦ ]
ولما لها من الدسائس حتى امتطوا بعد رتبة الإيمان درجتي التقوى والإحسان، وتقديم الأمر للملائكة بالسجود لآدم ﵇ توطئة لهذه الآية أدل دليل على هذا.
ولما قرر سبحانه قدرته على التفضيل في الحياة الحسية والمعنوية، والمفاضلة بين الأشياء في الشيئين فثبت بذلك قدرته على البعث، وختم ذلك بتفضيل البشر، وكان يوم الدين أعظم يوم يظهر في التفضيل، أبدل من قوله ﴿يوم يدعوكم﴾ مرهبًا من سطواته في ذلك اليوم، ومرغبًا في اقتناء الفضائل في هذا اليوم قوله تعالى: ﴿يوم ندعوا﴾ أي بتلك العظمة ﴿كل أناس﴾ أي منكم ﴿بإمامهم﴾ أي بمتبوعهم الذي كانوا يتبعونه، فيقال: يا أتباع نوح! يا أتباع إبراهيم! يا أتباع عيسى! يا أتباع محمد! فيقومون فيميز بين محقيهم ومبطليهم، ويقال: يا أتباع الهوى! يا أتباع النار! يا أتباع الشمس! يا أتباع الأصنام! ونحو هذا، أو يكون المراد بسبب أعمالهم التي ربطناهم بها ربط المأموم بإمامه كما قال تعالى ﴿وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه﴾ وسماها إمامًا لكونهم أموها واجتهدوا في قصدها، وندفع إليهم الكتب التي أحصت
[ ١١ / ٤٧٧ ]
حفظتنا فيها تلك الأعمال ﴿فمن أوتي﴾ منهم من مؤتٍ ما ﴿كتبه بيمينه﴾ فهم البصراء القلوب لتقواهم وإحسانهم، وهم البصراء في الدنيا، ومن كان في هذه الدنيا بصيرًا فهو في الآخرة أبصر وأهدى سبيلًا ﴿فأولئك﴾ أي العالو المراتب ﴿يقرءون كتابهم﴾ أي يجددون قراءته ويكررونها سرورًا بما فيه كما هو دأب كل من سر بكتاب ﴿ولا يظلمون﴾ بنقص حسنة ما من ظالم ما ﴿فتيلًا *﴾ أي شيئًا هو في غاية القلة والحقاره، بل يزادون بحسب إخلاص النيات وطهارة الأخلاق وزكاء الأعمال، ومن أوتي كتابه بشماله فهو لا يقرأ كتابه لأنه أعمى في هذه الدار ﴿ومن كان﴾ منهم ﴿في هذه﴾ الدار ﴿أعمى﴾ أي ضالًا يفعل في الأعمال فعل الأعمى في أخذ الأعيان، لا يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضره، ولا يميز بين حسن وقبح ﴿فهو في الآخرة﴾ لأن كل أحد يقوم على ما مات عليه ﴿أعمى﴾ أي أشد عمى مما كان عليه في هذه الدار، لا ينجح له قصد، ولا يهتدي لصواب، ولا يقدر على قراءة كتاب، لما فيه من موجبات العذاب، ولم يقل: أشد عمى، كما يقولونه في الخلق اللازمة لحالة واحدة من العور والحمرة والسواد ونحوها، لأن هذا مراد به عمى القلب الذي من شأنه التزايد والحدوث في كل لحظة شيئًا بعد شيء، فخالف
[ ١١ / ٤٧٨ ]
ما لا يزيد؛ ولم يمله أبو عمرو مع إمالة الأول ليدل على أن معناه: أفعل من كذا، فهو وسط، والإمالة إنما يحسن في الأواخر، ولأن هذا معناه، عطف عليه قوله تعالى: ﴿وأضل سبيلًا *﴾ لأن هذه الدار دار الاكتساب والترقي بالأسباب، وأما تلك فليس فيها شيء من ذلك؛ فالآية من الاحتباك: أثبت الإيتاء باليمين والقراءة أولًا دليلًا على حذف ضدهما ثانيًا، وأثبت العمى ثانيًا دليلًا على حذف ضده أولًا.
[ ١١ / ٤٧٩ ]