ولما تم ذلك، سبب عن القضاء دابرهم قوله تعالى: ﴿فأخذتهم﴾ أي أخذ انتقام وغلبة ﴿الصيحة﴾ أي التي هي لعظمها وهولها هي الصيحة، وغيرها عدم بالنسبة إليها؛ والأخذ: فعل يصير به الشيء في جهة الفاعل، والصيحة: صوت يخرج من الفم بشدة؛ وقوله: ﴿مشرقين *﴾ أي داخلين في الإشراق، وهو ضياء الشمس
[ ١١ / ٧٦ ]
عند بزوغها، وتبين به أن وقته يسمى صبحًا لغة، فإن الصبح والصبّاح والإصباح أول النهار، ولعله يطلق عليه إلى وقت الغداء أو الزوال، أو تكون الصيحة وقت الإشراق آخر أمرهم، وقلع المدائن من أماكنها وقت الصبح ابتداء أمرهم؛ ثم بين سبحانه ما تسبب عن الصيحة متعقبًا لها فقال: ﴿فجعلنا عاليها﴾ أي مدائنهم ﴿سافلها وأمطرنا﴾ .
ولما كان الزجر في هذه السورة أعظم من الزجر في سورة هود ﵇، لطلبهم أن يأتي بجميع الملائكة، أعاد الضمير على المعذبين لا على مدنهم - كما مضى في سورة هود ﵇ - لأن هذا أصرح، فقال: ﴿عليهم﴾ أي أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم ﴿حجارة من سجيل﴾ ثم حقق أن ذلك كله شرح لقوله ﴿وليذكر أولوا الألباب﴾ بقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم جدًا ﴿لآيات﴾ أي عدة من جهة غمرها بالماء بعد خسفها، ومن جهة كونه مخالفًا لمياه الأرض بالنتن والخباثة، وعدم عيش الحيوان فيه، وعدم النفع به، ومن جهة فظاعة منظرة - وغير ذلك من أمره ﴿للمتوسمين *﴾ جمع متوسم، وهو الناظر في السمة الدالة - وهي الأثر الدال في الوجه - والقرائن القاضية بالخير
[ ١١ / ٧٧ ]
والشر، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بمثل ذلك، فهو إلهاب لهم وتبكيت؛ ثم بين أن ذلك غير خفي عنهم ولا بعيد عمن أراد الاتعاظ به، فقال جعلًا لهم - لعدم اعتبارهم بها ومع رؤيتهم إياها في كل حين - في عداد المنكرين: ﴿وإنها﴾ أي هذه المدائن ﴿لبسبيل مقيم *﴾ أي ثابت، وهو مع ذلك مبين، فالاعتبار بها في غاية السهولة لقومك، وكانوا يمرون عليها في بعض أسفارهم إلى الشام.
ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال بالتوسم الدال - مما هي عليه من المخالفة لسائر مياه الأرض العذبة الورادة إليها على كثرتها ومع أن البلاد التي هي بها من أبهج البلاد في عذوبة المياه وطراوة الأرض وحسن الأشجار وغير ذلك - على أن لها نبأ هو في غاية الغرابة، وأتبع ذلك سهولة الوصول إليها حثًا على إتيانها بقصد نظرها والاعتبار بها والسؤال عن سبب كونها كذلك، قال تعالى مشيرًا إلى زيادة الحث بالتأكيد: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم من حالها ﴿لآية﴾ أي علامة عظيمة في الدلالة علينا ﴿للمؤمنين *﴾ أي الراسخين في الصدق والتصديق، فإذا أخبروا أن سبب كونها هكذا أن الله أمر بعض جنده فرفعها ثم قلبها ثم أتبعها الحجارة ثم خسف بها وغمرها
[ ١١ / ٧٨ ]
بهذا الماء - الذي هو في القذارة وعدم الثمرة مناسب لأفعال أهلها - لأجل عصيانهم رسوله صلى الله علية وعلى آله وسلم، آمنوا حذرًا من مثل هذا العذاب إيمانًا بالغيب.
ولما ذكر هذه القصة، ضم إليها ما هو على طريقها مما عذب قومه بنوع آخر من العذاب يشابه عذاب قوم لوط في كونه نارًا من السماء، فقال مؤكدًا لأجل إنكار الكفار أن يكون عذابهم لأجل التكذيب، أو عدًّا لهم - لأجل تماديهم على الغواية مع العلم به - عداد المنكرين: ﴿وإن﴾ أي وإنه ﴿كان﴾ أي جبلة وطبعًا ﴿أصحاب الأيكة﴾ وهم قوم شعيب ﵇؛ والأيكة: الشجرة - عن الحسن، وجمعه الأيك كشجرة وشجر، وقيل: الأيكة: الشجر الملتف ﴿لظالمين *﴾ أي العريقين في الظلم ﴿فانتقمنا منهم﴾ أي بسبب ذلك؛ ثم أخبر عن البلدين لتقاربهما في العذاب والمكان وكونهما على طريق واحدة من طرق متاجر قريش فقال: ﴿وإنهما﴾ أي قرى قوم لوط ومحال أصحاب الأيكة ﴿لبإمام﴾ أي طريق يؤم ويتبع ويهتدي به ﴿مبين *﴾ واضح لمن أراده، بحيث إنه من شدة وضوحه موضح لعظمة الله
[ ١١ / ٧٩ ]
وانتصاره لأنبيائه ممن يكذبهم، وهو مع وضوحه مقيم في مكانه لم تندرس أعلامه، ولم تنطمس آثاره، فالآية من الاحتباك: ذكر في الأولى ﴿مقيم﴾ دلالة على حذف مثله ثانيًا، وفي الثانية ﴿مبين﴾ دلالة على حذف مثله أولًا.
[ ١١ / ٨٠ ]