ولما أخبره بذلك، أعلمه أنه سنته في جميع الرسل فقال تعالى: ﴿سنة﴾ أي كسنة أو سنتنا بك سنة ﴿من قد أرسلنا﴾ أي بما لنا من العظمة.
ولما كان الإرسال قد عمت بركته بهذه العظمة جميع الأزمان بما حفه به من قويم الفطرة، أسقط الجار فقال تعالى: ﴿قبلك﴾ أي في الأزمان الماضية كلها ﴿من رسلنا﴾ بأن جعلنا وجودهم بين ظهراني قومهم رحمة لقومهم، فإذا أخرجوهم عاجلنا من رضي بإخراجهم
[ ١١ / ٤٩٠ ]
بالعقوبة ﴿ولا تجد لسنتنا﴾ أي لما لها من العظمة ﴿تحويلًا﴾ أي بمحول غيرنا يحولها، لكنهم خصوا عن الأمم السالفة بأنهم لا يعذبون عذاب الاستئصال تشريفًا لهم بهذا النبي الكريم.
ولما قرر أمر أصول الدين بالوحدانية والقدرة على المعاد، وقرر أمرهم أحسن تقرير، واستعطفهم بنعمه، وخوفهم من نقمه، وقرر أنه سبحانه عصمه ﵊ من فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرته، وأحسن من علانيته وسريرته، صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة، وتهيأ للمراقبة، فبدأ بأشرفها فوصل بذلك قوله تعالى: ﴿أقم﴾ أي حقيقة بالفعل ومجازًا بالعزم عليه ﴿الصلاة﴾ بفعل جميع شرائطها وأركانها ومبادئها وغاياتها، بحيث تصير كأنها قائمة بنفسها، فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة بالإعراض عن كل غير، وفناء كل سوى، بما أشرق من أنوار الحضرة التي اضمحل لها كل فان، وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون بمكرهم استفزاز الأولياء، وأدفع الأشياء للضراء، وأجلبها لكل سراء، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما تقدم تخريجه في آخر الحجر؛ ثم عين له الأوقات بقوله تعالى:
[ ١١ / ٤٩١ ]
﴿لدلوك الشمس﴾ أي زوالها واصفرارها وغروبها، قال في القاموس: دلكت الشمس: غربت أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء. فحينئذ في هذه اللفظة دلالة على الظهر والعصر والمغرب من استعمال المشترك في معانيه، أما في الظهر والمغرب فواضح، وأما في العصر فلأن أول وقتها أول أخذ الشمس في الاصفرار، وأدل دليل على ذلك أنه غيّا الإقامة بوقت العشاء فقال تعالى: ﴿إلى﴾ حثًا على نية أن يصلي كلما جاء الوقت ليكون مصليًا دائمًا، لأن الإنسان في صلاة ما كان ينتظر الصلاة، فهو بيان لأن وقت المغرب من الدلوك الذي هو الغروب إلى أن يذهب الشفق ﴿غسق الّيل﴾ فالغسق: ظلمة أول الليل، وهو وقت النوم؛ وقال الرازي في اللوامع: وهو استحكام ظلمة الليل، وقال الرماني: ظهور ظلامه؛ ثم عطف عليه بتغيير السياق قوله تعالى: ﴿وقرءان﴾ فكأنه قال: ثم نم وأقم قرآن ﴿الفجر﴾ إشارة إلى الصبح، وقيل: نصب على الإغراء، وكأنه عبر عنها بالقرآن لأنه مع كونه أعظم أركان الصلاة يطول فيها القراءة ما لا يطول في غيرها، ويجهر به فيها دون أختها العصر وتشويقًا بالتعبير به إليها لثقلها بالنوم.
ولما كان القيام من المنام صعبًا، علل مرغبًا مظهرًا غير مضمر
[ ١١ / ٤٩٢ ]
لأن المقام مقام تعظيم فقال تعالى: ﴿إن قراءن الفجر كان مشهودًا *﴾ يشهده فريقا الملائكة، وهو أهل لأن يشهده كل أحد، لما له من اللذة في السمع، والإطراب للقلب، والإنعاش للروح، فصارت الآية جامعة للصلوات؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة ﵁ قال: فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، يقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿إن قرءان الفجر﴾ - الآية. قالوا: وهذا دليل على وجوب الصلاة بأول الوقت، وأن التغليس بصلاة الفجر أفضل؛ ثم حث بعدها على التهجد لأفضليته وأشديته فقال تعالى: ﴿ومن﴾ أي وعليك بعض، أو قم بعض ﴿الّيل فتهجد﴾ أي اترك الهجود - وهو النوم - بالصلاة ﴿به﴾ أي بمطلق القرآن، فهو من الاستخدام الحسن ﴿نافلة لك﴾ أي زيادة مختصة بك؛ قال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب: وأصل النفل الزيادة، ومنه الأنفال الزائدة على الغنائم التي أحلها الله لهذه الأمة، وقال أبو عبد الله القزاز: النوافل: الفواضل، ومن هذا يقولون: فلان ممن ترجى نوافله - انتهى. فهو زيادة للنبي
[ ١١ / ٤٩٣ ]
صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الفرض وللأمة في التطوع، وخص به ترغيبًا للأمة لأنهم يعلمون أنه لا يخص إلا بخير الخير، لأنه الوقت الذي كني فيه عن استجابة الدعاء بالنزول إلى السماء الدنيا اللازم منه القرب الوارد في الأحاديث الصحيحة أنه يكون في جوف الليل، لأن من عادة الملوك في الدنيا أن يجعلوا فتح الباب والقرب منه ورفع الستر والنزول عن محل الكبرياء أمارة على قضاء الحوائج، وكل ما يعبر به عن الله تعالى مما ينزه سبحانه عن ظاهره يكون كناية عن لازمه، وبين ذلك حديث رويناه في جزء العبسي عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن في الليل ساعة يفتح فيها أبواب السماء فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له؟» إلى آخره، فهذا شاهد عظيم لهذا التأويل.
ولما أمره سبحانه بالتهجد والتذلل، وكان السياق للعظمة رجاء في النوال بما يليق بالسياق فقال تعالى: ﴿عسى أن﴾ أي لتكون بمنزلة الراجي لأن ﴿يبعثك﴾ ولما كان السياق قد انصرف للترجية، عبر بصفة الإحسان فقال تعالى: ﴿ربك﴾ أي المحسن إليك بعد الموت الأكبر وقبله، كما بعث نفسك من الموت الأصغر إلى خدمته ﴿مقامًا﴾ نصب على الظرف ﴿محمودًا *﴾ وذلك لأن «عسى» للترجي
[ ١١ / ٤٩٤ ]
في المحبوب والإشفاق في المكروه، وقد يضعف ذلك فيلزم الشك في الأمر، وقد يقوى فيأتي اليقين، وهي هنا لليقين، قالوا: إن عسى تفيد الإطماع، ومن أطمع أحدًا في شيء ثم حرمه كان عارًا، والله تعالى أكرم من أن يفعل ذلك، وعبر بها دون ما يفيد القطع لأن ذلك أقعد في كلام الملوك لأنه أدل على العظمة، وللبخاري في التفسير عن ابن عمر ﵄ قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع! يا فلان اشفع! حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.
أي فيظهر ما له من الحظ من اسمه أحمد ومحمد في ذلك الحين بحمد كل ذي روح بإيصال الإحسان إلى كل منهم بالفعل، وله في التفسير وغيره عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة! آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» يعني - والله أعلم - الشفاعة الخاصة، وأما العامة فللكل بغير شرط.
ولما كان هذا المقام صالحًا للشفاعة ولكل مقام يقومه، وكان كل مقام يحتاج إلى التوفيق في مباشرته والانفصال عنه، تلاه حاثًا
[ ١١ / ٤٩٥ ]
على دوام المراقبة واستشعار الافتقار بقوله مقدمًا المدخل لأنه أهم: ﴿وقل رب﴾ أي أيها الموجد لي، المدبر لأمري، المحسن إليّ ﴿أدخلني﴾ في كل مقام تريد إدخالي فيه حسي ومعنوي دنيا وأخرى ﴿مدخل صدق﴾ يستحق الداخل فيه أن يقال له: أنت صادق في قولك وفعلك، فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا ﴿وأخرجني﴾ من كل ما تخرجني منه ﴿مخرج صدق﴾ .
ولما كان الصدق في الأمور قد لا يقارنه الظفر، قال تعالى: ﴿واجعل لي﴾ أي خاصة ﴿من لدنك﴾ أي عندك من الخوارق التي هي أغرب الغريب ﴿سلطانًا﴾ أي حجة وعزًا ﴿نصيرًا *﴾ وفيه إشعار بالهجرة وأنها تكون على الوجه الذي كشف عنه الزمان من العظمة التي ما لأحد بها من يدان.
[ ١١ / ٤٩٦ ]