ولما كان في قولهم أمران، أجاب عن كل منهما على طريق الاستئناف على تقدير سؤال من كأنه قال: ربما إذا أجابهم؟ فقيل: أجاب عن الثاني لأنه أقرب بقوله: ﴿ما نُنزل الملائكة﴾ أي هذا النوع ﴿إلا﴾ تنزلًا ملتبسًا ﴿بالحق﴾ أي بسبب عمل الأمر الثابت، وهو معنى ما قال البخاري في كتاب التوحيد: قال مجاهد: بالرسالة والعذاب، وأما على الرسل فبالحق من الأقوال، وأما على المنذرين فبالحق من الأفعال من الهلاك والنجاة، فلو نزلوا عليهم كما اقترحوا لقضي الأمر بينك وبينهم فهلكوا ﴿وما كانوا﴾ أي الكفار ﴿إذًا﴾ أي إذ تأتيهم الملائكة ﴿منظرين *﴾ أي حاصلًا لهم الإنظار على تقدير من التقادير، لأن الأمر الثابت يلزمه نجاة الطائع وهلاك العاصي في الحال من غير إمهال، وكان حينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم، وأجاب سبحانه عن الأول بقوله مؤكدًا لتكذيبهم: ﴿إنا نحن﴾ أي على ما لنا من العظمة
[ ١١ / ٢٠ ]
لا غيرنا من جن ولا إنس ﴿نزلنا﴾ أي بالتدريج على لسان جبريل ﵇ ﴿الذكر﴾ أي الموعظة والشرف ﴿وإنا له﴾ أي بعظمتنا وإن رغمت أنوف الحاسدين ﴿لحافظون *﴾ أي دائمًا، بقدرتنا وعلمنا، لما في سورة هود من أن ذلك لازم للحفظ فانتفى حينئذ جواز أن ينزل على مجنون مخلط لا سيما وهو على هذه الأساليب البديعة والمناهيج الرفيعة، فكأن المعنى: أرسلناك به حال كونك بشرًا لا ملكًا قويًا سويًا، يعلمون أنك أكملهم عقلًا، وأعلاهم همة، وأيقنهم فكرًا، وأتقنهم أمرًا وأوثقهم رأيًا، وأصلبهم عزيمة؛ روى البخاري في التفسير والفتن عن زيد بين ثابت ﵁ قال: أرسل إليّ أبو بكر ﵁ مقتل أهل اليمامة وعنده عمر ﵁، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس - وفي رواية: بقراء القرآن - وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن
[ ١١ / ٢١ ]
تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير! فلم يزل عمر يراحعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بين ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال أبو بكر: هو والله خير! فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة - أو أبي خزيمة - الأنصاري، لم أجدهما - أي مكتوبتين - عند أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ - إلى آخرها،
[ ١١ / ٢٢ ]
وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم حفصة بنت عمر - ﵃.
وساق هذا الأثر أيضًا في فضائل القرآن، وروي بعده عن أنس ﵁ أن حذيفة بن اليمان ﵁ قدم على عثمان ﵁، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة ﵁ اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان ﵄: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة - ﵄ أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ﵃، فنسخوها في المصاحف؛ وقال عثمان ﵁ للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا
[ ١١ / ٢٣ ]
نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. وله عن خارجه بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت ﵁ قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيرًا أسمع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - وفي رواية: فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهادته شهادة رجلين ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها في المصحف. وفي الأثر الأول دلالة على أنه كان - لما أمره الصديق ﵁ - لا يكتب شيئًا إلا إذا وجد ما كان قد كتب منه بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمره، وقابله مع ذلك على المحفوظ في صدور الرجال؛ وفي الأخير دليل من قوله: نسخنا المصحف في المصاحف - إلى آخره، أنه أعاد التتبع كما فعل أولًا ليصح
[ ١١ / ٢٤ ]
قوله: فقدت آية من سورة الأحزاب.
لأن افتقادها فرع العلم بها، ومن أبعد البعيد أن يكون سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرًا يقرأها ولا يحفظها، ولا سيما وهو مذكور فيمن جمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما رواه البخاري من غير وجه عن أنس ﵁، والظاهر من مثل هذا التتبع الذي لا يجوِّز لمن مارس أمثال هذه الهمم أن يفهم غيره أن يكون لا ينقل آية إلا إذا وجد من حفاظها على حسب ما هي مكتوبة عدد التواتر والله أعلم.
ولما كان هذا الكلام الذي قالوه عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شاقًا وله غائظًا موجعًا، قال تعالى تسلية له على وجه راد عليهم: ﴿ولقد أرسلنا﴾ أي على ما لنا من العظمة والجلال والهيبة؛ ولما كان الإرسال بالفعل غير عام للزمان كله، قال: ﴿من قبلك﴾ أي كثيرًا من الرسل ﴿في شيع﴾ أي فرق، سموا شيعًا لمتابعة بعضهم بعضًا في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن الواحد من مملكة
[ ١١ / ٢٥ ]
أو عمارة أو ديانة أو نحو ذلك من الأمور الجارية في العادة ﴿الأولين *﴾ كلهم، فما أرسلنا إلا رجالًا من أهل القرى مثلك يوحى إليهم، ولم نرسل مع أحد منهم ملائكة تراها أممهم، بل جعلنا مكاشفة الملائكة أمرًا خاصًا بالرسل، فكذبوا رسلهم ﴿وما يأتيهم﴾ عبر بالمضارع تصويرًا للحال، إيذانًا بما يوجب من الغضب، فإن ما تجعل المضارع حالًا والماضي قريبًا منه، وأكد النفي فقال: ﴿من رسول﴾ أي على أي وجه كان ﴿إلا كانوا به﴾ أي جبلة وطبعًا ﴿يستهزئون *﴾ مكررين لذلك دائمًا، فكأنهم تواصوا بمثل هذا، ولم ينقص هذا من عظمتنا شيئًا، فلا تبتئس بما يفعلون بك؛ والاستهزاء في الأصل: طلب الهزوء، والمراد به هنا - والله أعلم - الهزء، وهو إظهار ما يقصد به العيب على إيهام المدح كاللعب والسخرية، ولعله عبر عنه بالسين المفهمة للطلب إشارة إلى أن رغبتهم فيه لا تنقضي كما هو شأن الطالب للشيء، مع أنهم لا يقعون على مرادهم في حق أهل الله أصلًا، لأنهم لا يفعلون من ذلك فعلًا إلا كان ظاهر البعد عما يريدون، لظهور ما يدعو إليه حزب الله وثباته، فكانوا لذلك كطالب
[ ١١ / ٢٦ ]
ما لم يقع، وإنما كان الناس إلى ما يوجبه الجهل من الاستهزاء ونحوه أسرع منهم إلى ما يوجبه العلم من الأخذ بالحزم والنظر في العواقب، لما في ذلك من تعجل الراحة واللذة وإسقاط الكلفة بإلزام النفس الانتقال من حال إلى حال - قاله الرماني.
ولما كانت قلوب أهل الضلال موصوفة بالضيق والحرج، كان الداخل إليها لا يدخل إلا بغاية العسر، فلذلك قال جوابًا لمن كأنه قال: أهذا خاص بهؤلاء؟ فقيل: لا، بل ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا السلك العجيب الشأن، وعبر بالمضارع الدال مع التجدد على الاستمرار، لاقتضاء المقام له كما تقدم في أولها فقال: ﴿نسلكه﴾ أي الذكر ﴿في قلوب المجرمين *﴾ أي العريقين في الإجرام في كل زمن كما يسلك الخيط والرمح ونحوه فيما ينظر فيه من مخيط وغيره بغاية العسر، فلا يتسع له المحل فلا ينفع، حال كونهم ﴿لا يؤمنون به﴾ لشيء من الأشياء، لأن صدورهم لا تنشرح له كما رأيت سنتنا بذلك في قومك ﴿وقد خلت﴾ أي مضت من قبل هذا ﴿سنة﴾ أي طريقة ﴿الأولين *﴾
[ ١١ / ٢٧ ]
بذلك، ونحن قادرون على فعل ما نريد من تلك السنة بهذه الأمة من إهلاك وتيسير إيمان وغير ذلك، فهو ناظر إلى قوله ﴿وقرآن مبين﴾ والغرض بيان أنه تعالى يعمي بعض الأبصار على الجلي، ويبصر بعضها بالخفي، إظهارًا للقدرة والاختيار بإنفاذ الأمر على خلاف القياس.
ولما أخبره بهذه الأسرار منبئة عن أحوالهم، وكانت النفس أشد شيء طلبًا لقطع حجة المتعنت بإجابة سؤله، قال تعالى مخبرًا بتحقيق ما ختم به من أنهم لا يؤمنون للخوارق ولو رأوا أعجب من الإيتان بالملائكة: ﴿ولو فتحنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿عليهم﴾ أي على من قال: لو ما تأتينا بالملائكة ﴿بابًا﴾ يناسب عظمتنا ﴿من السماء﴾ وأشار إلى أن ذلك حالهم - ولو كانوا في أجلى الأوقات وهو النهار - بقوله: ﴿فظلوا﴾ أي الكفار ﴿فيه﴾ أي ذلك الباب العالي ﴿يعرجون *﴾ أي يصعدون ماشين في الصعود مشية الفرح ﴿لقالوا﴾ عنادًا وإبعادًا عن الإيمان: ﴿إنما سكرت﴾ أي سدت وغشيت ﴿أبصارنا﴾ أي حتى ظننا ما ليس بواقع واقعًا ﴿بل نحن قوم﴾ أي وإن كان لنا غاية القوة على ما نريد محاولته ﴿مسحورون *﴾ أي ثابت
[ ١١ / ٢٨ ]
وقوع السحر علينا حتى صرنا نرى الأشياء على خلاف ما هي عليه ونثبت ما لا حقيقة له؛ والسكر: السد بإدخال اللطيف في المسام فيمنع الشيء كمال ما كان عليه، ومنه السكر بالشراب، والسحر: حيلة خفية توهم معنى المعجزة من غير حقيقة.
[ ١١ / ٢٩ ]