ولما كان الدعاء قد لا يستجاب، قال مبشرًا له بأنه ليس بين دعائه وبين استجابته إلا قوله، ومحققًا لتلك البشرى بالأمر بأن يخبر بها: ﴿وقل﴾ أي لأوليائك وأعدائك: ﴿جاء الحق﴾ وهو كل ما أمرني به ربي وأنزله إليّ ﴿وزهق﴾ أي اضمحل وبطل وهلك ﴿الباطل﴾ وهو كل ما خالفه؛ ثم علل زهوقه بقوله: ﴿إن الباطل كان﴾ في نفسه بجبلته وطبعه ﴿زهوقًا *﴾ قضاء قضاه الله تعالى من الأزل؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن مسعود ﵁
[ ١١ / ٤٩٦ ]
قال: دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾، ﴿جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد﴾ [سبأ: ٤٩] .
ولما كان القرآن الذي نوه به في آية ﴿أقم الصلاة﴾ هو السبب الأعظم في إزهاق الباطل الذي هو كالسحر خيال وتمويه، وهو الجامع لجميع ما مضى من الإلهيات والبعث وما تبع ذلك، قال عاطفًا على ﴿ولقد كرمنا﴾: ﴿وننزل﴾ أي بعظمتنا؛ ثم بين المنزل بقوله تعالى: ﴿من القرءان﴾ أي الجامع الفارق الذي هو أحق الحق ﴿ما هو شفاء﴾ للقلوب والأبدان ﴿ورحمة﴾ أي إكرام وقوة ﴿للمؤمنين﴾ أي الراسخين في الإيمان، لإنارته لقلوبهم من صدإ الجهل، وحمله لهم على سبيل الرشد الذي هو سبب الرحمة، ولحراسته لهم من كل شيطان ومرض ومحنة إذا وقع الصدق في الاستشفاء به، هو كله كذلك وكذا جميع أبعاضه؛ قال الرازي في اللوامع: وهو أنس المحبين، وسلوة المشتاقين، وإنه النور المبين، الذي من
[ ١١ / ٤٩٧ ]
استبصر به انكشف له من الحقائق ما كان مستورًا، وانطوى عنه من البوائق ما كان منشورًا، كما أن الباطل داء ونقمة للكافرين ﴿و﴾ من أعجب العجب أن هذا الشفاء ﴿لا يزيد الظالمين﴾ أي الراسخين في هذا الوصف، وهم الذين يضعون الشيء في غير موضعه، بإعراضهم عما يجب قبوله ﴿إلا خسارًا *﴾ أي نقصانًا، لأنهم إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم، أعرضوا عنه، فكان إعراضهم ذلك زيادة في كفرانهم، كما أن قبول المؤمنين له وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم، وفي الدارمي عن قتادة قال: ما جالس القرآن أحد فقام عنه بزيادة أو نقصان - ثم قرأ هذه الآية؛ ثم عطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ما هو أعم منه وأبين في الفتنة والاجتراء فقال تعالى: ﴿وإذا أنعمنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿على الإنسان﴾ أي هذا النوع هؤلاء وغيرهم بأيّ نعمة كانت، من إنزال القرآن وغيره ﴿أعرض﴾ أي عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه النعمة التي لا نعمة مثلها ﴿ونأ﴾ أي تباعد
[ ١١ / ٤٩٨ ]
تكبرًا ﴿بجانبه﴾ بطرًا وعمى عن الحقائق ﴿وإذا مسه الشر﴾ أي هذا النوع وإن قل ﴿كان يئوسًا *﴾ أي شديد اليأس هلعًا وقلة ثقة بما عنده من رحمة الله إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان.
ولما كان المفرد المحلى باللام يعم، كان هذا ربما اقتضى من بعض المتعنتين اعتراضًا بأن يقال: إنا نرى بعض الإنسان إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وكان هذا الاعتراض ساقطًا لا يعبأ به، أما أولًا فلأنه قد تقدم الجواب عنه في سورة يونس ﵇ في قوله تعالى ﴿كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ [يونس: ١٢] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم، وبقوله تعالى في سورة هود ﵇ ﴿إلا الذين صبروا﴾ [هود: ١١] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى أنه لقلة أفراده كأنه عدم، وأما ثانيًا فلأن المحلى باللام سواء كان مفردًا أو جمعًا في قوة الجزئي حتى يرد ما يدل على أنه كلي، فلذلك أعرض تعالى عنه وأمره بالجواب عن القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى: ﴿قل﴾ أي يا أشرف خلقنا! ﴿كل﴾ من الشاكر والكافر ﴿يعمل على شاكلته﴾
[ ١١ / ٤٩٩ ]
أي طريقته التي تشاكل روحه وتشاكل ما طبعنا عليه من خير أو شر ﴿فربكم﴾ أي فتسبب عن ذلك أن الذي خلقكم ودرجكم في أطوار النمو، لا غيره ﴿أعلم﴾ مطلقًا ﴿بمن هو﴾ منكم ﴿أهدى سبيلًا *﴾ أي أرشد وأقوم من جهة المذهب بتقواه وإحسانه، فيشكر ويصبر احتسابًا فيعطيه الثواب، ومن هو أضل سبيلًا، فيحل به العقاب، لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغرزه فيهم من الخلائق، وغيره إنما يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة؛ وقد روى الإمام أحمد - لكن بسند منقطع - عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه» هذا كله الإعراض بالفعل، وإن كان بالقوة التزمنا أنها كلية، والله أعلم بالمهتدي فيحفظه من الإعراض واليأس بالفعل هو فيه بالقوة.
ولما بين سبحانه - بعد التعجيب من إنكارهم البعث - جهل الإنسان، وما هو عليه من الضلال والنسيان، إلا من فضله على أنباء نوعه
[ ١١ / ٥٠٠ ]
كما فضل طينته على سائر الطين، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع، وبان بذلك أنه ﷾ قادر على فعل ما يشاء عالم بكل معلوم، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفًا على ﴿وقالوا إذا كنا عظامًا﴾: ﴿ويسئلونك﴾ أي تعنتًا وامتحانًا ﴿عن الروح﴾ الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديدًا: ما هي؟ هل هي جسم أم لا؟ وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ؟ وهل هي قديمة أم حادثة؟ ولما كان ذلك تعنتًا، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة اعتقاده، أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى: ﴿قل الروح﴾ أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية ﴿من أمر ربي﴾ أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه، تشريفًا لها وإشارة إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين أمره، بل هو يبدعها من العدم، أو يقال - وهو أحسن: إن الخلق قسمان: ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير، وهو الذي يترجم في القرآن بالخلق، والثاني ما كان إخراجًا من العدم بلا تسبيب ولا تطوير، وهو المعبر عنه بالأمر، ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن، وكذا ما هو للحفظ والتدبير
[ ١١ / ٥٠١ ]
كالأديان، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في البقرة، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة، وأنها غير مطورة ولا مسببة، وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على الصحيح عند أهل السنة، وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح أدبًا، لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن السكوت عنه أولى لهم؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة بتركهم الإقبال على ما لا يفهمونه بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا الروح المعنوي وهو القرآن، وإقبالهم على ما لا يفهمونه من الروح المحسوس لقلة علمهم، ومن فهمه منهم لا يفهمه إلا بعسر عظيم، وفيه أسئلة كثيرة جدًا لا برهان على أجوبتها، منها أنه متحيز أم لا؟ وأنه مغاير للنفس أم لا؟ وهل تبقى بعد الموت أم لا؟ فعلمنا به أنه إنما هو على الإجمال، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الأشياء مجهولة، وهي موجودة.
فالسكنجبين خاصيته قمع الصفراء، وحقيقة تلك الخاصية مجهولة، وهي معلومة الوجود، وليس وراء العلم بما سألوا عنه من الروح بعد فهمه من الفائدة ما لذلك الذي تركوه ولا قريب منه، فقال تعالى دالًا على حدوثه بتغيره، فإنه يكون في المبدإ جاهلًا ثم يحدث له العلم شيئًا بعد شيء،
[ ١١ / ٥٠٢ ]
وكل متغير حادث: ﴿وما أوتيتم﴾ أي من أيّ مؤت كان بعد أن كنتم لا تعلمون شيئًا ﴿من العلم﴾ أي مطلق هذه الحقيقة، فكيف بالمشكل منها ﴿إلا قليلًا *﴾ ومما تجهلونه أمور ضرورية لكم، لأن تماديكم على الجهل بها سبب لهلاككم في الدارين، فمن أجهل الجهل وأضل الضلال أن تسألوا عما لا يضركم الجهل به، ويتوقف إثباته على أمور دقيقة، ومقدمات صعبة، وتتركوا ما يضركم الجهل به في الدين والدنيا، مع كونه في غاية الوضوح، لكثرة ما قام عليه من الأدلة، وله بحضرتكم من الأمثلة، والذي سألتموه منزه عن الغش والضيق، فهو ينبهكم على عبثكم نصيحة لكم ويعدل عن جوابكم عنه إلى ما ينفعكم رفقًا بكم، ولفهم هذا سكت السلف عن الخوض في أمره، والخطاب لليهود والعرب، أما العرب فواضح، وأما اليهود فإنهم وإن كانوا أهل الكتاب فذلك إشارة إلى تلاشي علمهم في جنب علم الله؛ كما ستأتي الإشارة إليه بقول الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام في العصفور الذي نقر من البحر نقرة أو نقرتين، فحيث ورد تعظيم على أحد وتكثره فهو بالنسبة إلى غيره من الخلق، وحيث ورد تقليله - كما في هذه الآية - فهو من حيث إضافته إلى
[ ١١ / ٥٠٣ ]
علم الله تعالى، وهذه الآية ورد في سبب نزولها ما يظن أنه متناقض، فإنه روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة، فسأله اليهود عن الروح فأوحى إليه، فلما انجلى عنه الوحي تلا عليهم - الآية.
وفي السيرة الهشامية والدلائل للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير عن ابن عباس ﵄ أن قريشًا أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة تسألهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش، فأمروهم أن يسألوه عن الروح، وعن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أخبركم بما سألتم عنه غدًا» - ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث فيما يذكرون خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحيًا، حتى أرجف به أهل مكة، وحتى حزن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، وروي أيضًا أن لبث الوحي كان أربعين ليلة. وروي: اثنتي عشرة
[ ١١ / ٥٠٤ ]
ليلة، وفي مسند أبي يعلى عن ابن عباس ﵄ قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، ونزلت ﴿ويسئلونك﴾ - الآية. وليس ذلك وأمثاله بحمد الله بمشكل، فإنه محمول على أنه نزل للسبب الأول، فلما سئل عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانيًا لم يجب فيه بالجواب الأول، إما لرجاء أن يؤتى بأوضح منه، أو خشية أن يكون نسخ - أو نحو ذلك لأمر رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعيد الله سبحانه إنزاله عليه تثبيتًا له وإعلامًا بأنه هو الجواب، وفيه مقنع، وفي تأخير الجواب في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند الله، لا يقدر عليه غيره، لأنه لو كان قادرًا على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند أحد من الخلق لبذل جهده في ذلك، تنزيهًا لنفسه الشريفة، وهمته المنيفة، وعرضه الطاهر، عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم.
ولما كانت الروح من عالم الأمر الذي هو من سر الملكوت، ضمت إلى سورة الإسراء الذي هو من أبطن سر الملكوت لاسيما بما علا به من المعراج الذي جعل لغرابته كالرؤيا
[ ١١ / ٥٠٥ ]
﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ ولذلك فصلت عن السؤالين الآخرين، لأنهما من عالم الملك، وسيأتي بقية الكلام على هذا في سورة الكهف إن شاء الله تعالى.
[ ١١ / ٥٠٦ ]