ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل، وإخراج المرسل، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتًا عن الروح الحسي، وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهمًا عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم الله شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجدًا، وأطهرهم نفسًا، وأعظمهم مولدًا، وأزكاهم عنصرًا، وأعلاهم همة، وختم بتقليل علمهم إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما لا يفهمونه، قال عاطفًا على ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ تنبيهًا لهم على أنه لو شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه، فعمهم الجهل كما كانوا، وعلى أنه لم يكفهم ترك السؤال عما يعنيهم حتى سألوا عما لا يعنيهم، وأرادوا تبديل ما ينفعهم ويعنيهم بما يبيدهم ويفنيهم، فضلوا قولًا وفعلًا: ﴿ولئن شئنا﴾ ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء، ولامه موطئة للقسم، وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال تعالى: ﴿لنذهبن﴾ أي بما لنا من العظمة ذهابًا محققًا ﴿بالذي أوحينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿إليك﴾ مما أرادوا الفتنة
[ ١١ / ٥٠٦ ]
فيه من القرآن على أن فيه من العلم ما يغنيهم - لو أقبلوا على تفهمه - عن شيء من الأشياء فلا تبقى عندك نحن ولا وحينا، ولإفادة هذا لم يقل: لأذهبنا. ﴿ثم﴾ أي بعد الذهاب به ﴿لا تجد لك﴾ ولما كان السياق هنا للروح الذي هو الوحي، فكانت العناية به أشد، قدم قوله: ﴿به﴾ ولما كان السياق لمن يأخذ ما يريد طوعًا وكرهًا، قال تعالى: ﴿علينا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا تعارض ﴿وكيلًا *﴾ يأتيك به أو بشيء منه.
ولما كان لا ملجأ منه سبحانه إلا إليه، قال تعالى: ﴿إلا﴾ أي لكن تجد ﴿رحمة﴾ مبتدئة وكائنة ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباك، ولم يقطع إحسانه قط عنك، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه، وعبر عن أداة الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له - التي اقتضتها صفة إحسانه إليه لعظمها - كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال.
ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا يحصى، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفًا مؤكدًا لأن كون الرحمة هكذا من أغرب الغريب، فهو بحيث لا يكاد
[ ١١ / ٥٠٧ ]
يصدق، وهو مما يتلذذ بذكره ﴿إن فضله كان﴾ أي كونًا ثابتًا ﴿عليك﴾ أي خاصة ﴿كبيرًا *﴾ أي بالغ الكبر، وقد ورد أنه يذهب بالقرآن في آخر الزمان، يسري بما في المصاحف وبما في القلوب، وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن كلام الملوك يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق الشرط.
ولما كان بمعرض أن يقولوا: إن ذهب عليك من شيء فائت بمثله من عند نفسك ومما اكتسبته منه من الأساطير، أمره أن يجيبهم عن هذا بقوله دلالة على مضمون ما قبله: ﴿قل﴾ .
ولما أريد هنا المماثلة في كل التفصيل إلى جميع السور في المعاني الصادقة، والنظوم الرائقة، كما دل عليه التعبير بالقرآن، زاد في التحدي قيد الاجتماع من الثقلين وصرف الهمم للتظاهر والتعاون والتظافر بخلاف ما مضى في السور السابقة، فقال تعالى مؤكدًا باللام الموطئة للقسم لادعائهم أنهم لو شاؤوا أتوا بمثله، والجواب حينئذ للقسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم: ﴿لئن اجتمعت الإنس﴾ الذين تعرفونهم وتعرفون ما أتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم، وقدمهم لسهولة اجتماعهم بهم ولأنهم عندهم الأصل في البلاغة ﴿والجن﴾ الذين يأتون كهانكم ويشجعون لهم ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم،
[ ١١ / ٥٠٨ ]
وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء من كلامهم ﴿على أن يأتوا﴾ أي يجددوا إيتاءً ما في وقت ما في حال اجتماعهم ﴿بمثل هذا القرآن﴾ أي جميعه على ما هو عليه من التفصيل، وخصه بالإشارة تنبيهًا على أن ما يقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الله وحي من الله، ليس فيه شيء من عند نفسه، وأن المراد في هذا السياق المتحدى به الذي اسمه القرآن خاصة ﴿لا يأتون﴾ .
ولما كانت هذه السورة مكية، فكان أكثر ما يمكن في هذه الآية أن يكون آخر المكي فيختص التحدي به، وكان المظهر إذا أعيد مضمرًا أمكن فيه الخصوص، وكان المراد إنما هو الشمول، ومتى أريد الشمول استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط كما يأتي عن الحرالي في أواخر سورة الكهف، لم يقل هنا «به» لذلك، ولئلا يظن أنه يعود على القرآن لا على مثله، بل أظهر فقال دالًا على أن المراد جميع المكي والمدني: ﴿بمثله﴾ أي لا مع التقيد بمعانيه الحقة الحكيمة حتى يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة، مبينًا لأحسن المعاني بأوضح المباني، ولا مع الانفكاك عنها إلى معانٍ مفتراة؛ ثم أوضح أن المراد الحكم لعجزهم مجتمعين ومنفردين متظاهرين وغير متظاهرين فقال تعالى: ﴿ولو﴾ ولما كان المكلفون مجبولين على المخالفة
[ ١١ / ٥٠٩ ]
وتنافي الأغراض قال تعالى: ﴿كان﴾ أي جبلة وطبعًا على خلاف العادة ﴿بعضهم لبعض ظهيرًا *﴾ أي معينًا بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه، وقد تقدم في السور المذكور فيها التحدي ما يتم هذا المعنى.
ولما تمت هذه الجمل على هذا الوجه الجميل، والوصف الجليل، نبه على ذلك سبحانه بقوله عطفًا على نحو: صرفنا هذه الأمثال كما ترون على أعلى منهاج وأبلغ سياق في أبدع انتظام: ﴿ولقد صرفنا﴾ أي رددنا وكررنا تكريرًا كثيرًا بما لنا من العظمة، ولما كان مبنى السورة على بيان العناية بالناس الذين اتقوا والذين هم محسنون، اقتضى المقام لمزيد الاهتمام تقديم قوله تعالى: ﴿للناس﴾ أي الذين هم ناس ﴿في هذا القرءان﴾ الهادي للتي هي أقوم ﴿من كل مثل﴾ أي من كل ما هو في غرابته وسيره في أقطار الأرض وبلاغته ووضوحه ورشاقته كالمثل الذي يجب الاعتبار به؛ والتصريف: تصيير المعنى دائرًا في الجهات المختلفة بالإضافة والصفة والصلة ونحو ذلك ﴿فأبى﴾ أي فتسبب عن ذلك الذي هو سبب للشفاء والشكر والهدى، تصديقًا لقولنا ﴿ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا﴾ أنه أبى
[ ١١ / ٥١٠ ]
﴿أكثر الناس﴾ وهم من هم في صورة الناس وقد سلبوا معانيهم.
ولما كان «أبى» متأولًا بمعنى النفي، فكان المعنى: فلم يرضوا مع الكبر والشماخة، استقبله بأداة الاستثناء فقال تعالى: ﴿إلا كفورًا *﴾ لما لهم من الاضطراب.
ولما كان هذا أمرًا معجبًا، عجب منهم تعجيبًا آخر، عاطفًا له على ﴿ويسئلونك﴾ إن كان المراد بالناس في قوله ﴿فأبى أكثر الناس﴾ الكل، وعلى «فأبى» إن كان المراد بهم قريشًا فقال تعالى: ﴿وقالوا﴾ أي كفار قريش ومن والاهم تعنتًا بعد ما لزمهم من الحجة ببيان عجزهم عن المعارضة ولغير ذلك فعل المبهوت المحجوج المعاند، مؤكدين لما لزمهم من الحجة التي صاروا بها في حيز من يؤمن قطعًا من غير توقف: ﴿لن نؤمن﴾ أي نصدق بما تقول مذعنين ﴿لك حتى تفجر﴾ أي تفجيرًا عظيمًا ﴿لنا﴾ أي أجمعين ﴿من الأرض ينبوعًا *﴾ أي عينًا لا ينضب ماءها ﴿أو تكون لك﴾ أي أنت وحدك ﴿جنة من نخيل و﴾ أشجار ﴿عنب﴾ عبر عنه بالثمرة لأن الانتفاع منه بغيرها قليل ﴿فتفجر﴾ أي بعظمة زائدة ﴿الأنهار﴾ الجارية ﴿خلالها تفجيرًا *﴾ وهو تشقيق عما يجري من ماء أو ضياء أو نحوهما؛ فالفجر: شق الظلام من عمود الصبح، والفجور:
[ ١١ / ٥١١ ]
شق جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد ﴿أو تسقط السماء﴾ أي نفسها ﴿كما زعمت﴾ فيما تتوعدنا به ﴿علينا كسفًا﴾ أي قطعًا جمع كسفه وهي القطعة، ويجوز أن يكون المراد بذلك الحاصب الآتي من جهة العلو وغيره مما توعدوا به في نحو قوله ﴿أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ [الأنعام: ٦٥] وتسمية ذلك سماء كتسمية المطر بل والنبات سماء:
إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
﴿أو تأتي﴾ معك ﴿بالله﴾ أي الملك الأعظم ﴿والملائكة قبيلًا *﴾ أي إتيانًا عيانًا ومقابلة ينظر إليه لا يخفى على أحد منا شيء منه، وكان أصله الاجتماع الذي يلزم منه المواجهة بالإقبال من قبائل الرأس الجامعة ﴿أو يكون لك﴾ أي خاصًا بك ﴿بيت من زخرف﴾ أي ذهب كامل الحسن والزينة ﴿أو ترقى﴾ أي تصعد ﴿في السماء﴾ درجة درجة ونحن ننظر إليك صاعدًا ﴿ولن نؤمن﴾ أي نصدق مذعنين ﴿لرقيك﴾ أي أصلًا ﴿حتى تنزل﴾ وحققوا معنى كونه ﴿من السماء﴾ بقولهم: ﴿علينا كتابًا﴾ ومعنى كونه، ﴿في رق﴾ أو نحو قولهم: ﴿نقرؤه﴾ يأمرنا فيه باتباعك.
فلما تم تعنتهم فكان لسان الحال طالبًا من الله تعالى الجواب عنه، أمره الله تعالى بجوابهم بقوله: ﴿قل سبحان ربي﴾ أي تنزه عن أن
[ ١١ / ٥١٢ ]
يكون له شريك في ملكه يطلب منه ما لا يطلب إلا من الإله، فهو تنزيه لله وتعجيب منه لوضوح عنادهم بطلبهم ما لا قدرة عليه إلا للإله ممن لا قدرة له على شيء منه إلا بإذن الله، ولم يدّع قط أنه قادر على شيء منه، فحسن الاستفهام جدًا في قوله تعالى: ﴿هل كنت إلا بشرًا﴾ لا يقدر على غير ما يقدر عليه البشر ﴿رسولًا *﴾ كما كان من قبلي من الرسل، لا أتعدى ما أمرت به من التبليغ، فلا آتي بشيء إلا بإذن الله، ولم أقل: إني إله، حتى يطلب مني ما يطلب من الإله ورتبوا أنفسهم هذا الترتيب لأنهم حصروا حاله في دعوى أن يكون عظيمًا بالرسالة أو غيرها ليتبعه الناس، فإن كان الأول كان مقبول القول عند مرسله، وحينئذ فإما أن يسأله في نفع عام بالينبوع، أو خاص به بالجنة إن بخل بالعام، أو ضر بالكشف أو يسأله في الإتيان مع جنده لأن يصدقه، وإن كانت عظمته بغير ذلك فإما أن يكون ملكًا ليكون له البيت المذكور بما جرت العادة أن يكون تابعًا له، أو يكون ممن يجتمع بالملك الذي أرسله فيرقى على ما قالوا.
[ ١١ / ٥١٣ ]