ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها العجائب، والغرائب التي تخضع لديها الغرائب، وإن صارت مألوفة بكثرة التكرار، والتجلي على الأبصار، هذا إلى ما له من الآيات التي تزيد على العد، ولا يحصر بحد، من خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب - وغير ذلك، حقر آية أصحاب الكهف - وإن كانت من أعجب العجب - لاضمحلالها في جنب ذلك، لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ألفه فلم يعد عجبًا، فنبه على ذلك بقوله تعالى عطفًا على ما تقديره: أعلمت أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا؟: ﴿أم حسبت﴾ على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين ﴿أن أصحاب الكهف﴾ أي الغار الواسع المنقور في الجبل كالبيت ﴿والرقيم﴾ أي القرية أو الجبل ﴿كانوا﴾ هم فقط ﴿من ءاياتنا عجبًا *﴾ على ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب، والواقع أنهم - وإن كانوا من العجائب - ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا، وبالنسبة إلى هذا العجب النباتي الذي أعرضتم عنه بإلفكم له من كثرة تكرره فيكم، فإنه سبحانه أخرج نبات الأرض على تباين
[ ١٢ / ١٥ ]
أجناسه، واختلاف ألوانه وأنواعه، وتضاد طبائعه، من مادة واحدة، يهتز بالينبوع، يبهج الناظرين ويروق المتأملين، ثم يوقفه ثم يرده باليبس والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه عن بقية التراب، ثم يرسل الماء فيختلط بالتراب فيجمعه أخضر يانعًا يهتز بالنمو على أحسن ما كان، وهكذا كل سنة، فهذا بلا شك أعجب حالًا ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير ثم ردت أرواحهم فيها، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس أكثر من مقدار ما لبثوا، وهذا الكهف - قيل: هو في جبال بمدينة طرسوس وهو المشهور، وقال أبو حيان: قيل: هو في الروم، وقيل: في الشام، وقيل: في الأندلس، قال: في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه، وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من عرف شأنهم، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، ونقل عن ابن عطية قال: دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، وهو في فلاة من الأرض، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس، ونقل أبو حيان
[ ١٢ / ١٦ ]
عن أبيه أنه حين كان بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلبًا، قال: وأما ما ذكرت من مدينة دقيوس التي بقبلي غرناطة، فقد مررت عليها مرارًا لا تحصى، قال: ويترجح كون أصحاب الكهف بالأندلس - انتهى ملخصًا.
قلت: وفيه نظر، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: غزونا مع معاوية بحر الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فإن معاوية لم يصل إلى بلاد الأندلس والله أعلم.
ولما صغر أمرهم بالنسبة إلى جليل آياته وعظيم بيناته وغريب مصنوعاته، لخص قصتهم التي عدوها عجبًا وتركوا الاستبصار على وحدانية الواحد القهار بما هو العجب العجيب، والنبأ الغريب، فقال تعالى: ﴿إذ أوى﴾ أي كانوا على هذه الصفة حين أووا، ولكنه أبرز الضمير لبيان أنهم شبان ليسوا بكثيري العدد فليست لهم أسنان استفادوا بها من التجارب والتعلم ما اهتدوا إليه من الدين والدنيا، ولا كثرة حفظوا بها ممن يؤذيهم أيقاظًا ورقودًا
[ ١٢ / ١٧ ]
فقال تعالى: ﴿الفتية﴾ وهو أصحاب الكهف المسؤول عنهم، والشبان أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ ﴿إلى الكهف﴾ المقارب لقريتهم المشهور ببلدتهم فرارًا بدينهم كما أويت أنت والصديق إلى غار ثور فرارًا بدينكما ﴿فقالوا﴾ عقب استقرارهم فيه: ﴿ربنا ءاتنا﴾ ولما كانت الموجودات - كما مضى عن الحرالي في آل عمران - على ثلاث رتب: حكميات جارية على قوانين العادات، وعنديات خارقة للمطردات ولدنيات مستغرقة في الأمور الخارقات، طلبوا أعلاها فقالوا: ﴿من لدنك﴾ أي من مستبطن الأمور التي عندك ومستغربها ﴿رحمة﴾ أي إكرامًا تكرمنا به كما يفعل الراحم بالمرحوم ﴿وهيىء لنا﴾ أي جميعًا لا تخيب منا أحدًا ﴿من أمرنا رشدًا *﴾ أي وجهًا ترشدنا فيه إلى الخلاص في الدارين، لا جرم صارت قصتهم على حسب ما أجابهم ربهم بديعة الشأن فردة في الزمان، يتحدث بها في سائر البلدان، في كل حين وأوان.
ولما أجابهم سبحانه، عبر عن ذلك بقوله تعالى: ﴿فضربنا﴾ أي عقب هذا القول وبسببه ﴿على ءاذانهم﴾ أي سددناها وأمسكناها عن
[ ١٢ / ١٨ ]
السمع، وكان أصله؛ ضربنا عليها حجابًا بنوم ثقيل لا تزعج منه الأصوات، لأن من كان مستيقظًا أو نائمًا نومًا خفيفًا وسمعه صحيح سمع الأصوات ﴿في الكهف﴾ أي المعهود.
ولما كانت مدة لبثهم نكرة بما كان لأهل ذلك الزمان من الشرك، عبر بما يدل على النكرة فقال تعالى: ﴿سنين﴾: ولما كان ربما ظن أنه ذكر السنين للمبالغة لأجل بعد هذا النوم عن العادة، حقق الأمر بأن قال مبدلًا منها معرفًا لأن المراد بجمع القلة هنا الكثرة: ﴿عددًا﴾ أي متكاثرة؛ قال الزجاج كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقدار عدده بدون التقدير فلم يحتج إلى أن يعد. ﴿ثم بعثناهم﴾ أي نبهناهم من ذلك النوم ﴿لنعلم﴾ علمًا مشاهدًا لغيرنا كما كنا نعلم غيبًا ما جهله من يسأل فيقول: ﴿أي الحزبين﴾ هم أو من عثر عليهم من أهل زمانهم ﴿أحصى﴾ أي حسب وضبط ﴿لما﴾ أي لأجل علم ما
[ ١٢ / ١٩ ]
﴿لبثوا أمدًا *﴾ أي وقع إحصاءه لمدة لبثهم فإنهم هم أحصوا لبثهم فقالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، ثم تبرؤوا من علم ذلك وردوه إلى عالمه وأهل البلد، أحصوا ذلك بضرب النقد الذي وجد معهم أو غير ذلك من القرائن التي دلتهم عليه، ولكنهم وإن صادق قولهم ما في نفس الأمر أو قريبًا منه فعلى سبيل الظن والتقريب، لا القطع والتحديد، بقوله تعالى
﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ [الكهف: ٢٦] فإذا علم بجهل كل من الحزبين بأمرهم أن الله هو المختص بعلم ذلك، علم أنه المحيط بصفات الكمال، وأنه لم يتخذ ولدًا، ولا له شريك في الملك، وأنه أكبر من كل ما يقع في الوهم.
[ ١٢ / ٢٠ ]