لما قدم سبحانه في «نون» الإنكار الشديد لأن يسوي المسيء بالمحسن، وذكر القيامة وبينها بيوم كشف الساق وزيادة المشاق، وهدد التهديد العظيم بآية الاستدراج الذي لا يدفع بعلاج، وختم بأن القرآن ذكر - أي شرف - وتذكير، ومواعظ للعالمين في شمولهم كلهم
[ ٢٠ / ٣٣٧ ]
برحمته، أما من بعد إنزاله فبوعيده ووعده ووعظه وقصه وأمره ونهيه، وأما من قبل إنزاله فبالشهادة لهم وعليهم، وكان تأويل ذلك وجميع آثاره إنما يظهر ظهورًا تامًا يوم الجمع الأكبر، وكان ذلك اليوم أعظم مذكر للعالمين وواعظ لهم وزاجر، تنبني جميع الخيرات على تذكره وتذكر العرض على الملك الديان، والسر في إنزال القرآن هو التذكير بذلك اليوم الذي هو نظام الوجود، قال واصفًا للقيامة واليوم الذي يكشف فيه عن ساق، واعظًا بذكرها ومحذرًا من أمرها: ﴿الحاقة *﴾ أي الساعة التي يكذب بها هؤلاء وهي أثبت الأشياء وأجلاها فلا كاذبة لها ولا لشيء عنها، فلا بد من حقوقها فهي ثابتة في نفسها، ومن إحضار الأمور فيها بحقائقها، والمجازاة عليها بالحق الذي لا مرية فيه لأحد من الخلق، فهي فاعلة بمعنى مفعول فيها، وهي فاعلة أيضًا لأنها غالبة لكل خصم، من حاققته فحققته أحقه أي غالبته في الحق فغلبته فيه، فهي تحق الحق ولا بد فتعلو الباطل فتدمغه وتزهقه فتحق العذاب للمجرمين والثواب للمسلمين، وكل ما فيها داثر على الثبات والبيان، لأن ذلك مقتضى الحكمة ولا
[ ٢٠ / ٣٣٨ ]
يرضى لأحد من الحكام ترك رعيته بغير إنصاف بينهم على زعمه فكيف بالحكيم العليم، وقصة صاحب الحوت ﵇ أدل دليل على القدرة عليها.
ولما كان ذلك كله أمرًا رائعًا للعقول، هازًا للقلوب، مزعجًا للنفوس، وكان ربما توقف فيه الجلف الجافي، أكد أمره وزاد في تهويله، وأطنب في تفخيمه وتبجيله، إشارة إلى أن هوله يفوت الوصف بقوله، معلمًا أنه مما يحق له أن يستفهم عنه سائقًا له بأداة الاستفهام مرادًا بها التعظيم للشأن، وأن الخبر ليس كالعيان: ﴿ما الحاقة *﴾ فأداة الاستفهام مبتدأ أخبر عنه بالحاقة وهما خبر عن الأولى، والرابط تكرير المبتدأ بلفظه نحو زيد أي ما هو، وأكثر ما يكون ذلك إذا أريد معنى التعظيم والتهويل.
ولما كان السياق لترجمة المراد بكشف الساق، عظم التهويل بقوله: ﴿وما أدراك﴾ أي في الزمن الماضي، وقصره لتذهب النفس فيه كل مذهب، أي وأي شيء أعلمك بشيء من الأشياء مع تعاطيك للبحث والمداورة، ثم زاد التحذير منها بقوله على النهج الأول مستفهمًا والمراد به التفخيم ومزيد التعظيم: ﴿ما الحاقة *﴾ أي إنها بحيث
[ ٢٠ / ٣٣٩ ]
لا يعلم كنهها أحد ولا يدركها ولا يبلغها درايته وكيف ما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، فلا تعلم حق العلم إلا بالعيان.
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما بنيت سورة ﴿ن والقلم﴾ على تقريع مشركي قريش وسائر العرب وتوبيخهم وتنزيه نبي الله ﷺ عن شنيع قولهم وقبيح بهتهم، وبين حسدهم وعداوتهم ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم﴾ [القلم: ٥١] أتبعت بسورة الحاقة وعدًا لهم وبيانًا أن حالهم في سوء ذلك المرتكب قد سبق إليه غيرهم ﴿كذبت ثمود وعاد بالقارعة﴾ [الحاقة: ٤] ﴿فهل ترى لهم من باقية﴾ [الحاقة: ٨] ﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن﴾ [الأنعام: ٦] ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ [يونس: ١٠٢]، و﴿كم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا﴾ [مريم: ٩٨] فسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد مشركي العرب ليتعظ بها من رزق التوفيق لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية.
ولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم، أتبع ذلك بذكر الوعيد الأخراوي ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾ [الحاقة: ١٨] ثم عاد الكلام إلى ما بنيت عليه سورة ﴿ن والقلم﴾
[ ٢٠ / ٣٤٠ ]
من تنزيهه ﷺ وتكريمه مقسمًا على ذلك ﴿إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر - ولا بقول كاهن قليلًا ما تذكرون﴾ [الحاقة: ٤١، ٤٢] وانتهى نفي ما تقوله منصوصًا على نزاهته عن كل خلة منها في السورتين ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ [القلم: ٢] وما الذي جئت به بقول شاعر ولا بقول كاهن بل هو تنزيل من رب العالمين، وأنه لتذكرة للمتقين وإنه لحق اليقين، فنزه ربك وقدسه من عظيم ما ارتكبوه - انتهى. فلما بلغ التهويل حده، وكان سبب الإنكار للساعة ظن عدم القدرة عليها مطلقًا أو لعدم العلم بالجزئيات، قال دالًا على تمام القدرة والعلم بالكليات والجزئيات، محذرًا من أنكرها بأنه قادر على تعجيل الانتقام ولكنه لإكرامه لهذه الأمة أخر عذابها إلى الآخرة إلى لمن كان منهم من الخواص فإنه يظهرهم في الدنيا ليتم نعيمهم بعد الموت بادئًا بأشد القبائل تكذيبًا بالبعث لكون ناقتهم أول دليل على القدرة عليه، وقالوا مع ذلك ﴿أبشر منا واحدًا نتبعه﴾ [القمر: ٢٤] إلى أن قالوا: ﴿بل هو كذاب أشر﴾ [القمر: ٢٥] وقالوا في التكذيب بها ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن
[ ٢٠ / ٣٤١ ]
هي إلا حياتنا الدنيا نموت﴾ [المؤمنون: ٣٥، ٣٦، ٣٧]- الآية، فإن الامر فيهم دائر بين عاد وثمود: ﴿كذبت ثمود﴾ وتقديمهم أيضًا من حيث أن بلادهم أقرب إلى قريش، وواعظ القرب أكبر وإهلاكهم بالصيحة وهي أشبه بصيحة النفخ في الصور المبعثر لما في القبور ﴿وعاد﴾ وكان الأصل أن يقال: بها، ولكنه أظهرها بوصف زادها عظمًا وهولًا فقال: ﴿بالقارعة *﴾ أي التي تقرع، أي تضرب ضربًا قويًا وتدق دقًا عنيفًا شديدًا للأسماع وجميع العالم بانفطار السماوات وتناثر النيرات ونسف الجبال الراسيات، فلا يثبت لذلك الهول شيء.
ولما جمعهم في التكذيب، فصلهم في التعذيب لأجل ذلك التكذيب فقال: ﴿فأما ثمود﴾ وهم قوم صالح ﵇.
ولما كان الهائل لهم لتقيدهم بالمحسوسات إنما هو العذاب، لا كونه من معين، بنى للمجهول قوله: ﴿فأهلكوا﴾ أي بأيسر أمر من أوامرنا ﴿بالطاغية *﴾ أي الصيحة التي جاوزت الحد في الشدة فرجفت منها الأرض والقلوب.
ولما ذكر المهلكين بالصيحة لأجل التكذيب بالقارعة تحذيرًا لمن يكذب بها، أتبعه المهلكين بما هو سبب لإنفاذ الصيحة وتقويتها دلالة على تمام القدرة على كل نوع من العذاب بالاختيار
[ ٢٠ / ٣٤٢ ]
فقال تعالى: ﴿وأما عاد﴾ وهم قوم هود ﵇ ﴿فأهلكوا﴾ أي بأشق ما يكون عليهم وأيسر ما يكون في قدرتنا ﴿بريح صرصر﴾ أي هي في غاية ما يكون من شدة البرد والصوت كأنه كرر فيها البرد حتى صار يحرق بشدته والصوت حتى صار يصم بقوته، وقال الملوي: أصله صر وهو البرد الشديد أو الحر الشديد ﴿عاتية *﴾ أي مجاوزة للحد من شدة عصفها وعظمة قصفها تفعل أفعال المستكبر الذي لا يبالي بشيء فلم يستطع خزانها ضبطها، ولم يملك المعذب بها ردها ولا ربطها، بل كانت تنزعهم من مكامنهم التي احتفروها ومصانعهم التي أتقنوها واختاروها فتهلكهم، قال الملوي: قال علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄: «لم ينزل قط ماء ولا ريح إلا بمكيال على يد ملك إلا يوم الطوفان فإن الله تعالى أذن للماء فطغى على الخزان ويوم عاد أذن للريح فعتت على خزانها» انتهى.
ولما وصفها بالعتو على الخلق والغلبة لهم بحيث كانت خارقة للعادة لم يأت مثلها قبل ولا بعد، دل على صغارها بالنسبة إلى عظمته، وأنه هو الذي أوجدها لا الطبيعة ولا غيرها، بل إنما كانت بقدرته واختياره قهرًا لمن طعن في ملكه وكذب رسله فيما أخبروا به من أمر الساعة
[ ٢٠ / ٣٤٣ ]
التي هي موضع الحكمة وإظهار جميع العظمة، فقال مستأنفًا دلالة على ذلك: ﴿سخرها﴾ أي قهرها على أن سلطها، والتسخير: استعمال الشيء بالاقتدار، ودل على أنه تسخير تعذيب لا رحمة وتأديب بأداة الاستعلاء، فقال: ﴿عليهم﴾ وكلفها ذلك وذللها له فلم يمكنها مع عتوها إلا أن كانت طوع أمره وصنيعة عظمته وقهره.
ولما كانت هذه السورة لتحقيق الأمور، وكشف المشكل وإيضاح الخفي، حقق فيها زمن عذابهم تحقيقًا لم يتقدم مثله، فذكر الأيام والليالي، وقدم الليالي لأن المصايب فيها أفظع وأقبح وأشنع لقلة المغيث والجهل بالمأخذ والخفاء في المقاصد والمنافذ، ولأن عددها مذكر في اللفظ، وتذكير اللفظ أدل على قوة المعنى ولذلك جعل المميز جمع كثرة، ولأنها سبع، والسبع مبالغ فيه وهو أجمع العدد كما يأتي تحقيقه قريبًا في حملة العرش ولا يمكن أن يظن بتقديمها أن ابتداء العذاب كان فيها لأنه يلزم حينئذ أن يكون بعدد الأيام فلذلك قال: ﴿سبع ليال﴾ أي لا تفتر فيها الريح لحظة لأنه بولغ في شدتها مبالغة لم يكن مثلها قط ولا يكون بعدها أبدًا ﴿وثمانية أيام﴾ كذلك حال كونها ﴿حسومًا﴾ جمع حاسم أي بحس مانع من التصرف دائم متتابع لا فترة له، من حسم الكي - إذا تابع فيه بالمكواة،
[ ٢٠ / ٣٤٤ ]
قاطع لكل خير، مستأصل له، فأتت عليهم من غير فترة أصلًا في جميع الوقت فاستأصلتهم لم تبق منهم أحد حتى أن عجوزًا منهم توارت في سرب فانتزعتها وأهلكتها، وبها سميت أيام العجوز، أو لأنها عجز الشتاء وهي ذات برد ورياح شديدة وهي من صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر وهو آخر الشهر، وقد لزم من زيادة عدد الأيام أن الابتداء كان بها قطعًا وإلا لم تكن الليالي سبعًا - فتأمل ذلك.
ولما كان الحاسم المهلك، سبب عنه قوله مصورًا لحالهم الماضية: ﴿فترى القوم﴾ أي الذين هم في غاية القدرة على ما يحاولونه: ﴿فيها﴾ أي في تلك المدة من الأيام والليالي لم يتأخر أحد منهم عنها ﴿صرعى﴾ أي مجدلين على الأرض موتى معصورين مجهزة على كل منهم من شدة ضغطها باد عليهم الذل والصغار، جمع صريع ﴿كأنهم أعجاز﴾ أي أصول ﴿نخل﴾ قد شاخت وهرمت فهي في غاية العجز والهرم ﴿خاوية *﴾ أي متآكلة الأجواف ساقطة، من
[ ٢٠ / ٣٤٥ ]
خوي النجم - إذا سقط للغروب، ومن خوي المنزل - إذا خلا من قطانه، قالوا: كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم، فالوصف بذلك لعظم أجسامهم وتقطيع الريح لهم وقطعها لرؤوسهم وخلوهم من الحياة وتسويدها لهم.
[ ٢٠ / ٣٤٦ ]