لما ختم أمر الطامة الكبرى في الحاقة حتى ثبت أمره، وتساوى سره وجهره، ودل عليها حتى لم يبق هناك نوع لبس في وجوب التفرقة في الحكمة بين المحسن والمسيء، وختم بأن ترك ذلك مناف للكمال فيما نتعارقه من أمور العمال بعد أن أخبر أنه يعلم أن منهم مكذبين، وكان السائل عن شيء يدل على أن السائل ما فهمه حق فهمه، ولا اتصف بحقيقة علمه، عجب في أول هذه ممن سأل عنها فقال: ﴿سأل﴾ ودل على أنه لو لم يسأل عنها إلا واحد من العباد لكان جديرًا بالتعجب منه والإنكار عليه بالإفراد في قوله: ﴿سائل﴾ وهو من السؤال في قراءتي من خفف بإبدال الهمزة ألفًا ومن همز.
ولما كان سؤالهم من وقت مجيء الساعة والعذاب وطلبهم تعجيل ذلك إنما هو استهزاء، ضمن «سأل» استهزاء ثم حذفه ودل عليه بحال انتزعها منه وحذفها ودل عليها بما تعدى به فقال، أو أنه حذف مفعول السؤال المتعدي «بعن» ليعم كل مسؤول عنه إشارة إلى أن من تأمل الفطرة الأولى وما تدعو إليه من الكمال فأطاعها فكان مسلمًا فاضت عليه العلوم، وبرقت له متجليه أشعة الفهوم، فبين المراد من دلالة النص بقوله: ﴿بعذاب﴾ أي عن يوم القيامة بسبب
[ ٢٠ / ٣٨٩ ]
عذاب أو مستهزئًا بعذاب عظيم جدًا ﴿واقع *﴾ وعبر باللام تهكمًا منهم مثل ﴿فبشرهم بعذاب﴾ فقال: ﴿للكافرين﴾ أي الراسخين في هذا الوصف بمعنى: إن كان لهم في الآخرة شيء فهو العذاب، وقراءة نافع وابن عامر بتخفيف الهمزة أكثر تعجيبًا أي اندفع فمه بالكلام وتحركت به شفتاه لأنه مع كونه يقال: سال يسأل مثل خاف يخاف لغة في المهموز يحتمل أن يكون من سأل يسأل، قال البغوي: وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي ﷺ بالعذاب قالوا: من أهل هذا العذاب ولمن هو؟ سلوا عنه، فأنزلت.
ولما أخبر بتحتم وقوعه علله بقوله: ﴿ليس له﴾ أي بوجه من الوجوه ولا حيلة من الحيل ﴿دافع *﴾ مبتدىء ﴿من الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له فلا أمر لأحد معه، وإذا لم يكن له دافع منه لم يكن دافع من غيره وقد تقدم الوعد به، ودلت الحكمة عليه فتحتم وقوعه وامتنع رجوعه.
ولما كان القادر يوصف بالعلو، والعاجز يوصف بالسفول والدنو، وكان ما يصعد فيه إلى العالي يسمى درجًا، وما يهبط فيه إلى السافل يسمى دركًا، وكانت الأماكن كلها بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، اختير التعبير بما يدل على العلو الذي يكنى به عن القدرة والعظمة، فقال واصفًا بما يصلح كونه مشيرًا إلى التعليل: ﴿ذي المعارج *﴾
[ ٢٠ / ٣٩٠ ]
أي الدرج التي لا انتهاء لها أصلًا - بما دلت عليه صيغة منتهى الجموع وهي كناية عن العلو، وسميت بذلك لأن الصاعد في الدرج يشبه مشية الأعرج، وروي عن ابن عباس ﵄ أنها السماوات، ودل على ما دلت عليه الكثرة مع الدلالة على عجيب القدرة في تخفيفها على الملائكة بقوله: ﴿تعرج الملائكة﴾ أي وهم أشد الخلق وأقدره على اختراق الطباق، والإسراع في النفوذ حتى يكونوا أعظم من لمح البرق الخفاق ﴿والروح﴾ أي جبريل ﵇، خصه تعظيمًا له، أو هو خلق هو أعظم من الملائكة، وقيل: روح العبد المؤمن إذا قبض ﴿إليه﴾ أي محل مناجاته ومنتهى ما يمكن من العلو لمخلوقاته، وعلق بالعروج أو بواقع قوله: ﴿في يوم﴾ أي من أيامكم، فيه آدميًا ﴿خمسين ألف﴾ وبين المشقة في صعوده أو الكون فيه إن أريد القيامة بأن قال: ﴿سنة *﴾ ولم يقل: عامًا - مثلًا، ويجوز أن يكون هذا اليوم ظرفًا للعذاب فيكون المراد به يوم القيامة، وأن يكون طوله على الكافر باعتبار ما يلحقه من الغم لشدة المخاوف عليه لأنه ورد أنه يخفف على المؤمن
[ ٢٠ / ٣٩١ ]
حتى يكون بمقدار صلاة واحدة - انتهى.
وروي عن ابن عباس ﵄ أن المعنى أنه لو ولي الحساب غير الله لم يفرغ منه إلا في هذا المقدار، ويفرغ منه هو سبحانه في نصف يوم من أيام الدنيا، وقال مجاهد والحكم وعكرمة: هو عمر الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم مضى وكم بقي إلا الله، وقد مضى في سورة ﴿ألم السجدة﴾ ما ينفع ههنا.
ولما كان هذا كله تسلية للنبي ﷺ عن استعجالهم إياه بالعذاب استهزاء وتكذيبًا سواء أريد تصوير العظمة أو العذاب، سبب عنه قوله: ﴿فاصبر﴾ أي على أذاهم ولا ينفك ذلك عن تبليغهم فإنك شارفت وقت الانتقام منهم أيها الفاتح الخاتم الذي لم أبين لأحد ما بينت على لسانه، والصبر: حبس النفس على المكروه من الإقدام أو الإحجام، وجماله بسكون الظاهر بالتثبت والباطن بالعرفان ﴿صبرًا جميلًا *﴾ أي لا يشوبه شيء من اضطراب ولا استثقال، ولا شكوى ولا استعجال، فإن عذابهم ونصرك عليهم لعظمة من أرسلك، فلا بد من وقوعه لأن القدح فيه والتكذيب به قدح فيها، وهذا قبل الأمر بالقتال.
[ ٢٠ / ٣٩٢ ]