لما ختمت الحديد بعث إثبات عجز الخلق بعظيم الفضل له سبحانه، وكان سماع أصوات جميع الخلائق من غير أن يشغل صوت عن صوت وكلام عن كلام من الفضل العظيم، وكان قد تقدم ابتداع بعض المتعبدين من الرهبانية بما لم يصرح لهم بالإذن فيه، فكان سببًا للتضييع، وكان الظهار على نوعين: موقت ومطلق، وكان الموقت مما يدخل في الرهبانية لأنه من التبتل وتحريم ما أحل الله من الطيبات، وكان بعض الصحابة ﵃ قد منع نفسه بالموقت منه من مرغوبها مما لم يأت عن الله، فظاهر من امرأته محافظة على كمال التعبد خوفًا
[ ١٩ / ٣٣٢ ]
من الجماع في نهار رمضان، وكان ذلك مما لم يأذن به بل نهى عنه كما روى أبو داود عن أنس ﵁ والطبراني في الأوسط على سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ: «لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات» وكان بعض الصحابة - ﵃ أجمعين - قد ظاهر مطلقًا فشكت امرأته ما لحقها من الضرر إلى رسول الله ﷺ وهتفت باسم الله، وكان علمه سبحانه بخصوص شكاية هذه المرأة المسكينة وإزالة ضررها بحكم عام لها ولغيرها من عباده حتى صارت واقعتها رخصة عامة للمسلمين إلى يوم القيامة معلمًا بأنه ذو الفضل العظيم، وأنه الظاهر الباطن، ذو الملك كله، وكان قد أمر بالإيمان به وبرسوله ووعد على ذلك بالنور، كان السامع لذلك جديرًا بتوقع البيان الذي هو النور في هذه الرهبانية التي ابتدعت في هذه الأمة، وتخفيف الشديد الذي وقع عن بعضهم ليعلم أهل الكتاب ما لهذه الأمة من الكرامة على ربها وأنه يختص برحمته من يشاء فقال: ﴿قد سمع الله﴾ أي أجاب بعظيم فضله الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع سمعه الأصوات ﴿قول﴾ وعبر بالوصف دون الاسم
[ ١٩ / ٣٣٣ ]
تعريفًا برحمته الشاملة فقال: ﴿التي تجادلك﴾ أي تبالغ في أن تقبلك إلى مرادها ﴿في زوجها﴾ أي في الأمر المخلص له من ظهاره رحمة لها ﴿وتشتكي﴾ أي تتعمد بتلك المجادلة الشكوى، منتهية ﴿إلى الله﴾ أي الملك العظيم الرحيم الذي أحاط بكل شيء علمًا، ولصدقها في شكواها وقطع رجائها في كشف ما بها من غير الله كانت هي والنبيُّ ﷺ متوقعين أن الله يكشف ضرها ﴿والله﴾ أي والحال أن الذي وسعت رحمته كل شيء لأنه له الأمر كله ﴿يسمع تحاوركما﴾ أي مراجعتكما التي يحور - أي يرجع فيها إلى كل منكما جواب كلامه من الآخر كأنها لثقل ما قدح في أمرها ونزل من ضرها ناشئة عن حيرة.
ولما كان ذلك في غاية ما يكون من خرق العادة بحيث إن الصديقة عائشة ﵂ قالت عند نزول الآية: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت رسول الله ﷺ وأنا في جانب البيت ما أسمع كثيرًا مما تقول» أكده تنبيهًا على شدة غرابته ولأنه ربما استبعده من اشتد جهله لعراقته في التقيد بالعادات فقال: ﴿إن الله﴾ أي الذي أحاط بجميع صفات الكمال فلا كفؤ له ﴿سميع بصير *﴾ أي بالغ السمع لكل مسموع، والبصر لكل ما يبصر والعلم لكل ما يصح أن يعلم أزلًا وأبدًا، وقد مضى نحو هذا التناسب
[ ١٩ / ٣٣٤ ]
في المائدة حين أتبع تعالى آية القسيسين والرهبان قوله تعالى ﴿يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧] غير أن هذا خاص وذاك عام، فهذا فرد منه، فالمناسبة واحدة لأن الأخص في ضمن الأعم، والحاصل أنه سبحانه امتنَّ عليهم بما جعل في قلوبهم من الرهبانية وغيرها، وأخبر أنهم لم يوفوها حقها، وأنه آتى مؤمنيهم الأجر، وأمر المسلمين بالتقوى واتباع الرسول ﷺ ليحصل لهم من فضله العظيم ضعف ما حصل لأهل الكتاب، ونهاهم عن التشديد على أنفسهم بالرهبانية، فصاروا مفضلين من وجهين: كثرة الأجر وخفة العمل، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء - والله أعلم، روى البزار من طريق خصيف عن عطاء من غيرهما أيضًا عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا قال: يا رسول الله! إني ظاهرت من امرأتي ورأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر، قال «كفِّر ولا تعد» وروى أبو داود عن عكرمة أن رجلًا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: «ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيت بياض ساقيها في القمر، قال: فاعتزلها حتى تكفر عنك» قال المنذري: وأخرجه أيضًا عن عكرمة عن النبي ﷺ وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بمعناه،
[ ١٩ / ٣٣٥ ]
وأخرجه النسائي وابن ماجة والترمذي - وقال: حديث حسن غريب صحيح - وقال النسائي: المرسل أولى بالصواب من المسند، وقال أبو بكر المعافري: ليس في الظهار حديث صحيح يعول عليه، قال المنذري: وفيما قاله نظر، فقد صححه الترمذي كما ترى، ورجال إسناده ثقات، وسماع بعضهم من بعض مشهور، وترجمة عكرمة عن ابن عباس ﵃ احتج بها البخاري في غير موضع - انتهى. وللترمذي - وقال حسن غريب - عن سلمة بن صخر ﵁ في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: «كفّار واحدة»
«وروى أحمد والحاكم وأصحاب السنن إلا النسائي وحسنه الترمذي، قال ابن الملقن: وصححه ابن حبان والحاكم - من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي ﵁ قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا يتابع بي حتى أصبح فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة تكشف لي منها شيء فما لبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت
[ ١٩ / ٣٣٦ ]
خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت: امشوا معي إلى رسول الله ﷺ، قالوا: لا والله: فانطلقت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال» أنت بذاك يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله، فاحكم فيّ بما أراك الله، وفي رواية: فأمض فيَّ حكم الله فإني صابر لذلك، قال حرر رقبة. قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها - وضربت صفحة رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام، قال: فاطعم وسقًا من تمر بين ستين مسكينًا، قال: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا وحشين ما لنا طعام، قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها «فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند النبي ﷺ السعة وحسن الرأي، وفي رواية: والبركة وقد أمرني - أو أمر لي - بصدقتكم، وفي رواية: فادفعوها إليّ، فدفعوها إليّ) . وأعله عبد الحق بالانقطاع، وأن سليمان لم يدرك سلمة، حكى ذلك الترمذي عن البخاري، وقال الترمذي: إن سلمة بن صخر يقال له سلمان أيضًا، ورواه الإمام أحمد أيضًا من طريق أخرى قال» حدثنا عبد الله بن إدريس - هو الأودي - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن
[ ١٩ / ٣٣٧ ]
عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي ﵁ قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت فتظاهرت من امرأتي في الشهر فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال «حرر رقبة، فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أملك غير رقبتي، قال: صم شهرين متتابعين، قلت: وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكينًا» وهذا سند حسن متصل إن شاء الله إن سلم من تدليس ابن إسحاق، وروى الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق، وروى الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن
«أن سلمة بن صخر البياضي ﵁ جعل امرأته عليه كظهر أنه إن غشيها حتى يمضي رمضان، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اعتق رقبة» وقصة سلمة هذه أصل الظهار المؤقت، وقد دلت على أنه لا عود فيه لا كفارة عليه إلا بوطئها في مدة الظهار، «وروى أبو داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة ﵂ قال:» ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت ﵁ فجئت رسول الله ﷺ أشكوا إليه ورسول الله ﷺ يجادلني فيه
[ ١٩ / ٣٣٨ ]
ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قد سمع الله﴾ إلى الفرض، فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال فليطعم ستين مسكينًا، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به قالت: فأتي ساعتئذ بعرق منّ تمر، قلت: يا رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت أذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك «قال: والعرق ستون صاعًا، وفي رواية: والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعًا،» وروى الدارقطني أن أنس بن مالك ﵁ قال: «إن أوس بن الصامت ﵁ ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة ﵂ فشكت إلى النبي ﷺ فقالت: ظاهر مني حين كبر سني ورق عظمي، فأنزل الله آية الظهار، فقال رسول الله ﷺ لأوس اعتق رقبة، قال: مالي بذلك يدان، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: أما إني إذا أخطأني أن آكل في اليوم مرتين يكل بصري، قال فأطعم ستين مسكينًا»، قال: ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة، فأعانه رسول الله ﷺ
[ ١٩ / ٣٣٩ ]
بخمسة عشر صاعًا حتى جمع الله له، والله رحيم «قال: وكانوا يرون أن عنده مثلها، وذلك لستين مسكينًا، وللدراقطني أيضًا والبيهقي» أن خولة بنت ثعلبة ﵂ رآها زوجها وهو أوس بن الصامت أخو عبادة ﵄ وهي تصلي فراودها فأبت فغضب، وكان به لمم وخفة فظاهر منها، فأتت رسول الله ﷺ فقالت إن أوسًا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ، فلما خلا سني ونثرت له بطني جعلني عليه كأمه «وللطبراني من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال:» كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت وكان به لمم، فقال في بعض هجراته: أنت عليّ كظهر أمي، قال: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ، فجاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أوس بن الصامت أبو ولديَّ وأحب الناس إليّ والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا، قال: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله لا تقل كذلك والله ما ذكر طلاقًا، فرادّت النبي ﷺ
[ ١٩ / ٣٤٠ ]
مرارًا، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك فاقتي ووحدتي وما يشق عليّ من فراقه «
الحديث، ومن طريق أبي العالية قال: فجعل كلما قال لها «حرمت عليه» هتفت وقالت: أشكو إلى الله، فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية، وروى أبو داود عن هشام بن عروة أن جميلة كانت تحت أوس ابن الصامت وكان رجلًا به لمم فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من امرأته فأنزل الله ﷿ فيه كفارة الظهار، وأخرجه من حديث عروة عن عائشة ﵂ مثله. وقال القشيري: وفي الخبر أنها قالت: يا سول الله إن أوسًا تزوجني شابة غنية ذات أهل ومال كثير، فلما كبر عنده سني، وذهب مالي وتفرق أهلي، جعلني عليه كظهر أمه، وقد ندم وندمت، وإن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، يعني ففرج الله عنها، وقد حصل من هذا مسألة، وهو أن كثيرًا من الأشياء ظاهر العلم يحكم فيه بشيء ثم الضرورة تغير ذلك الحكم لصاحبها، قال البغوي: وكان هذا أول ظهار في الإسلام، وقال أبو حيان: وكان عمر ﵁ يكرم خولة ﵂ إذا دخلت عليه ويقول: سمع الله لها، فالمظاهرة في حديث
[ ١٩ / ٣٤١ ]
سلمة ﵁ ومن نحا نحوه رهبانية مبتدعة لم ترع حق رعايتها كرهبانية النصارى، ولم يتبع النبي ﷺ في ابتداعها حق الاتباع، وأما في قصة خولة ﵂ فهي مصيبة كأن ينبغي فيها التسليم وعدم الحزم كما في آية ﴿لكيلا تأسوا﴾ [الحديد: ٢٣] الآية على أن امتناعها من زوجها حين راودها فيه إلمام بالرهبانية، وإزالة شكايتها مع أنها امرأة ضعيفة من عظيم الفضل، وزاده عظمًا جعله حكمًا عامًا لمن وقع فيه من جميع الأمة.
[ ١٩ / ٣٤٢ ]