ولما ختمت الصف بالإقبال ببعض بني إسرائيل على جنابه الأقدس بعد أن زاغوا فأزاغ الله قلوبهم كلهم أو الشاذ منهم بما أفهمه إطلاق الضمير عليهم ثم تأييدهم على من استمر منهم على الزيغ، فثبت أن له
[ ٢٠ / ٤٤ ]
تمام القدرة المستلزم لشمول العلم اللازم منه التنزه عن كل شائبة نقص، وكان سبحانه قد ذكر التسبيح الذي هو الأعظم الأشهر للتنزيه بلفظ الماضي ثلاث مرات في افتتاح ثلاث سور، وذلك نهاية الإثبات المؤكد، فثبت بذلك أنه وقع تنزيهه من كل ناطق وصامت، أخبر أول هذه السورة أن ذلك التنزيه على وجه التجديد والاستمرار بالتعبير بالمضارع لاستمرار ملكه فقال: ﴿يسبح﴾ أي يوقع التنزيه الأعظم الأبهى الأكمل ﴿لله﴾ أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا، وأكد بذلك لما في التغابن ولم يحتج بعد الإقرار بالوقوع على هذا الوجه إلى التأكيد بأكثر من مرة وجعل بين كل مسبحتين سورة خالية من ذلك ليكون ذلك أدل على قصد التأكيد من حيث شدة الاعتناء بالذكر، وإن وقع فصل ويكون التأكيد أكثر تنبيهًا وأعظم صدعًا وتذكيرًا.
ولما كان تقريع العاقل الناطق بطاعة الصامت أعظم، قال: ﴿ما في السماوات﴾ وإن كان العاقل يدخل في ذلك ما عليه فيكون تسبيحه تارة طوعًا موافقة للأمر، وتارة كرهًا بالانقياد مع الإرادة، وتسبيح الصامت طوعًا في كل حال. ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا، دعا ذلك إلى التأكيد لاحتياجهم إليه فقال: ﴿وما في الأرض﴾ كذلك.
[ ٢٠ / ٤٥ ]
ولما ثبت بالسور الثلاث الماضية أن الموجودات أوقعت له التسبيح، وأخبرت هذه باستمرار ذلك على سبيل التجديد، دل ذلك مع التنزيه عن النقائص على إثبات الكمال الذي لا يكون إلا لملك عظيم الشأن مطاع الأمر، وكان الاقتصار على الصامت بالتعبير بما هو ظاهر فيه ربما أوهم شيئًا، قال مصرحًا بما أفهمه السياق: ﴿الملك﴾ أي الذي ثبتت له جميع الكمالات فهو ينصر من يشاء من جنده ولو كان ذليلًا فيصبح ظاهرًا ﴿القدوس﴾ الذي انتفت عنه جميع النقائص، فلا يكون شيء إلا بإذنه وتنزه عن إحاطة أحد من الخلق بعلمه أو إدراك كنه ذاته فليس في أيدي الخلق إلا التردد في شهود أفعاله، والتدبر لمفاهيم نعوته وجلاله، وأحقهم بالقرب والعداد في حزبه المتخلق بأوصافه على قدر اجتهاده، فينبغي للمؤمن التنزه عن أن يقول ما لا يفعل أو يبني شيئًا من أموره على غير إحكام، وقد مضى شرح الاسمين الشريفين قريبًا وذكر خلاصة شرحهما بما هو خاصة الملك وآية الطهارة للطاهر فقال: ﴿العزيز﴾ أي الذي يغلب كل شيء، لا يغلبه شيء، فلو أراد لجعل العقلاء كلهم أيضًا مع تسبيحهم بالجري تحت مراده طوعًا وكرهًا مسبحين بالموافقة لأمره طوعًا ﴿الحكيم *﴾ الذي يوقع كل ما أراده في أحكم
[ ٢٠ / ٤٦ ]
مواقعه وأتمها وأتقنها.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما ختمت سورة الصف بالثناء على الحواريين في حسن استجابتهم وجميل إيمانهم، وقد أمر المؤمنين بالتشبه بهم في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله﴾ [الصف: ١٤] كان ذلك مما يوهم فضل أتباع عيسى ﵇ على أتباع محمد ﷺ فاتبع ذلك بذكر هذه الأمة، والثناء عليها، فافتتحت السورة بالتنزيه عما أشار إليه قوله: ﴿وكفرت طائفة﴾ [الصف: ١٤] فإنهم ارتكبوا العظيمة وقالوا بالنبوة، فنزه سبحانه نفسه عن ذلك ثم قال: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم﴾ [الجمعة: ٢] إلى قوله: ﴿ذو الفضل العظيم﴾ [الجمعة: ٤] ثم أعلم تعالى بحال طائفة لاح لهم نور الهدى ووضح لها سبيل الحق فعميت عن ذلك وارتبكت في ظلمات جهلها ولم تزدد بما حملت إلا حيرة وضلالة فقال تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا﴾ [الجمعة: ٥] الآيات وهي في معرض التنبيه لمن تقدم الثناء عليه ورحمه الله إياه لئلا يكونوا فيما يتلو عليهم نبيهم من الآيات ويعلمهم من الكتاب والحكمة مثل أولئك الممتحنين، فإنهم مقتوا ولعنوا بعد حملهم التوراة، وزعموا أنهم التزموا حمله والوفاء به فوعظ هؤلاء بمثالهم لطفًا من الله
[ ٢٠ / ٤٧ ]
لهذه الأمة ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ انتهى.
ولما كانت القدرة على تزكية الجلف الجافي بحمله على التنزيه أدل على القدرة على غيره، وكان قد أسلف عن بني إسرائيل أنهم لم يقبلوا التزكية بل زاغوا، دل على قدرته في عزته وحكمته وملكه وقدسه على تزكية جميع العقلاء بقوله: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿الذي بعث﴾ أي من حضرة غيب غيبه بشرع أوامره ونواهيه ﴿في الأميين﴾ أي العرب لأنهم كانوا معروفين من بين سائر الأمم لا يكتبون بل هم على الخلقة الأولى حين الخروج من بطن الأم، وذكر ظرف البعث وإهمال غايته دال على أنها كل من يتأتى البعث إليه وهم جميع الخلق، ويجوز أن تطلق الأمية على جميع أهل الأرض لأن بعثه ﷺ كان حين ذهب العلم من الناس، ولأن العرب أصل فجميع الباقين تبع لهم، فلا بدع أن يحمل عليهم وصفهم ﴿رسولًا﴾ ولما كان تقويم الشيء بمثله أعجب قال: ﴿منهم﴾ بل الأمية بمعنى عدم الكتابة والتجرد عن كل تكلف وصف لازم له دائمًا وعلمه لما يكن يعلم من غير تطلب، فكانت آثار البشرية عند مندرسة، وأنوار الحقائق عليه لائحة، وذلك يتوهم الافتقار إلى الاستعانة بالكتب لأن منشأ
[ ٢٠ / ٤٨ ]
مشاكلته لحال من بعث فيهم أقرب إلى مساواتهم له لو أمكنهم، فيكون عدم إمكان المساواة أدل على الإعجاز، وذكر بعثه منهم إن خص الوصف بالعرب لا ينفي بعثه إلى غيرهم ولا سيما مع ما ورد فيه من الصرائح وأثبته من الدلائل القواطع، فذكر موضع البعث وابتداءه فتكون الغاية مطلقة تقديرها: إلى عامة الخلق.
ولما كان كونه منهم مفهمًا لأنه لا يزيد عليهم من حيث كونه منهم وإن زاد فبشيء يسير، عجب من أمره ونبه على معجزة عظيمة له بقوله مستأنفًا: ﴿يتلوا﴾ أي يقرأ قراءة يتبع بعضها بعضًا على وجه الكثرة والعلو والرفعة ﴿عليهم﴾ مع كونه أميًا مثلهم ﴿آياته﴾ أي يأتيهم بها على سبيل التجدد والمواصلة آية بينة على صدقه لأنه أمي مثلهم بل فيهم الكاتب والعالم وإن كانوا معمورين في كثرتهم فما خصه عنهم بذلك إلا القادر على كل شيء.
ولما كان المقام للتنزيه ولتأديب من وقع في موادة الكفار ونحو ذلك، قدم التزكية فقال: ﴿ويزكيهم﴾ أي عن الأخلاق الرذيلة والعقائد الزائغة، فكانت تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم وتعليمه لهم وتلاوته عليهم، فربما نظر إلى الإنسان نظرة محبة فزكاه
[ ٢٠ / ٤٩ ]
الله بها، وربما سرت تلك النظرة إلى ثان فأشرقت أنوارها عليه على حسب القابليات كما وقع لعمير بن وهب ثم صفوان بن أمية وكذا ذو النور الطفيل بن عامر الدوسي ﵁ ثم قومه، فأما عمير فكان من أعظم المؤذين للنبي ﷺ ولمن آمن به فتذاكر مع صفوان وقعة بدر في الحجر ومن فقدوا من صناديدهم وأنه ليس في العيش بعدهم خير، ثم تمنوا رجلًا بقتال النبي ﷺ، فقال عمير: لولا فقري وبنات لي وعيال أخشى عليهم الضيعة من بعدي لأتيته بغلة أسيري عندهم فقتلته، فاغتنمها صفوان فعاهده أن يكفي عياله إن مات وأن يواسيه إن عاش، فقال: اكتم عني ثلاثًا، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فهداه الله فحلف صفوان أن لا يكلمه أبدًا، فلما فتحت مكة فر صفوان ليركب البحر من جدة، فاستأذن عمير النبي ﷺ ثم ذهب إليه فلحقه فلم يزل به حتى رجع ثم أسلم فكان من خيار الصحابة ﵁، وأما ذو النور فحين دعاه النبي ﷺ ثم سأل آية يعينه الله بها على قومه فآتاه الله نورًا حين أشرف على الحي الذي هو منه، ثم دعا أباه وأمه فأسلما، ثم صاحبته فكذلك ثم قومه، فما تخلف منهم أحد، وأما غير الصحابة ﵃ فتزكيته لهم بآثاره بحسب القابليات والأمور التي قضى الله أن يكون مهيأ، فمن كان له أعشق كان لاتباعه ألزم، فكان في كتاب الله وسنته أرسخ من
[ ٢٠ / ٥٠ ]
سيرة وغيرها علمًا وعملًا فكان أشد زكاء.
ولما كانوا بعد التزكية التي هي تخلية عن الرذائل أحوج ما يكون إلى تحلية بالفضائل قال: ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي في الأولى والأخرى ﴿والحكمة﴾ وهي غاية الكتاب في قوة فهمه والعمل به، فهي العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم معقوله ومنقوله ليضعوا كل شيء منه في أحكم مواضعه فلا يزيغوا عن الكتاب كما زاغ بنو إسرائيل، فيكون مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا ولو لم يكن له ﷺ معجزة إلا هذه لكانت غاية.
ولما كان الوصف بالأمية مفهمًا للضلال، وكان كثير منهم حال إنزال هذه السورة يعتقد أنهم على دين متين وحال جليل مبين، وكانوا بعد هدايته لهم بعد الأمية سيضلون لأن الإرسال من حضرة غيب الغيب في العلوم المنافية للأمية إلى ما لم تصل إليه أمة من الأمم قبلهم، وكان ذلك موجبًا للتوقف في كونهم كانوا أميين، أكد هذا المفهوم بقوله:
[ ٢٠ / ٥١ ]
﴿وإن﴾ أي والحال أنهم ﴿كانوا﴾ أي كونًا هو كالجبلة لهم. ولما كان كونهم ذلك في بعض الزمن الماضي، أدخل الجار فقال: ﴿من قبل﴾ أي قبل إرساله إليهم من حين غيروا دين أبيهم إسماعيل ﵊ وعبدوا الأصنام ﴿لفي ضلال﴾ أي بعد عن المقصود ﴿مبين *﴾ أي ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال باعتقادهم الأباطيل الظاهرة وظنهم أنهم على شيء وعموم الجهل لهم ورضاهم به واختيارهم له وعيبهم من يميل إلى التعلم وينحو نحو التبصر كما وقع لهم مع زيد بن عمرو بن نفيل وغيره، فوصفهم بهذا غاية في نفي التعلم من مخلوق عن نبيهم إعظامًا لما جاء به من الإعجاز وتقريرًا لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم إلى الهدى، وينقذهم مما كانوا فيه من العمى والردى.
ولما كانت تزكيته لهم مع أميتهم وغباوتهم لوصف الأمية في الجهل أمرًا باهرًا في دلالته على تمام القدرة، زاد في الدلالة على ذلك بإلحاق كثير ممن في غيرهم من الأمم مثلهم في الأمية بهم
[ ٢٠ / ٥٢ ]
فقال: ﴿وآخرين﴾ أي وبعثه في آخرين ﴿منهم﴾ في الأمية لا في العربية ﴿لما يلحقوا بهم﴾ أي في وقت من الأوقات الماضية في صفة من الصفات، بل هم أجلف الناس كعوام المجوس واليهود والنصارى والبرابر ونحوهم من طوائف العجم الذين هم ألكن الناس لسانًا وأجمدهم أذهانًا وأكثفهم طبعًا وشأنًا، وسيلحقهم الله بهم في العلم والتزكية.
ولما كان عدم إلحاقهم بهم في الماضي ربما أوهم شيئًا في القدرة، وإلحاقهم بهم في المستقبل في غاية الدلالة على القدرة، قال: ﴿وهو﴾ أي والحال أنه وحده ﴿العزيز﴾ الذي يقدر على كل شيء ولا يغلبه شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ما أراد من أيّ طائفة كان، ولو كان أجمد أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها بيده ﴿الحكيم *﴾ فهو إذا أراد شيئًا موافقًا لشرعه وأمره جعله على أتقن الوجوه وأوثقها فلا يستطاع نقضه، ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه فلا يطلق رده بوجه، ويكون المراد بالآخرين العجم، وأن الله تعالى سيلحقهم بالعرب، قال ابن عمر ﵄ وسعيد بن جبير أيضًا ﵁ وهو رواية ليث عن مجاهد ويؤيده ما:
«روي عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا سأل عنهم لما نزلت سورة
[ ٢٠ / ٥٣ ]
الجمعة فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان ﵁ وقال:» لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء «» .
ولما كان هذا أمرًا باهرًا، عظمه بقوله على وجه الاستثمار من قدرته: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه وجعلهم متبوعين بعد أن كان العرب أتباعًا لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف ﴿فضل الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال، والفضل ما لم يكن مستحقًا بخلاف الفرض ﴿يؤتيه من يشاء﴾ بحوله وقوته بأن يهيئه له ولو كان أبعد الناس منه ﴿والله﴾ أي الملك الأعظم ﴿ذو الفضل﴾ ولما كانت «آل» دالة على الكمال دل على ذلك بقوله: ﴿العظيم *﴾ أي الذي يحقر دونه كل عطاء من غيره.
[ ٢٠ / ٥٤ ]