لما ختمت التغابن بأنه تعالى شكور حليم عزيز حكيم مع تمام العلم وشمول القدرة، بعد التحذير من النساء بالعداوة، وكانت العداوة تجر إلى الفراق، افتتح هذه بزم لأنفس عند ثوران الحظوظ بزمام التقوى، وأعلى الخطاب جدًا بتوجيهه إلى أعلى الخلق تنبيهًا على عظمة الأحكام الواردة في هذه السورة فإنها مبنية على الأسماء الأربعة لتتلقى بغاية الرغبة فقال: ﴿يا أيها النبي﴾ مخصصًا له ﷺ، ذاكرًا الوصف الذي هو سبب التلقي لغرائب العلوم ورغائب الحكم والفهوم.
ولما علم من الإقبال عليه ﷺ عظمة الحكمة، ومن
[ ٢٠ / ١٣٩ ]
التعبير في النداء بأداة التوسط التي لا تذكر في أمر مهم جدًا أن الذي هو أقرب أهل الحضرة غير مقصود بها من كل وجه، وأن القصد التنبيه لجلالة هذه الأحكام، وبذل الجهد في تفهيمها والعمل بها، فلذا أقبل على الأمة حين انتبهوا وألقوا أسماعهم، فقال معبرًا بأداة التحقق لأنه من أعظم مواضعها: ﴿إذا طلقتم﴾ وعلم من ذلك عموم الحكم له ﷺ لكن لما كان للإنسان مع نسائه حالان أحدهما المشاححة، كان غيره أولى بالخطاب فيه، وثانيهما الجود والمصالحة بالحلم والعفو، فكان هو ﷺ أولى بذلك فجاءت له سورة التحريم ﴿النساء﴾ أي أردتم طلاق هذا النوع واحدة منه فأكثر ﴿فطلقوهن﴾ أي إن شئم مطلق طلاق ثلاثًا أو دونها، وكلما قل كان أحب بدليل ما يأتي من لواحق الكلام من الإشارة إلى الرجعة ﴿لعدتهن﴾ أي في وقت أو عند استقبال العدة أي استقبال طهر يحسب منها، وهو الطهر الذي لم يجامع فيه إن كانت مدخولًا بها، ذلك معنى قراءة ابن عباس وابن عمر ﵃ «في قبل عدتهن» فهذا طلاق السنة وغيره طلاق البدعة، فإن الطلاق في الحيض تطويل للعدة لأنه غير محسوب، ولا بد أن يكون الطهر لم يجامع فيه لأنها إذا
[ ٢٠ / ١٤٠ ]
جومعت ربما حملت فطالت العدة، وهذه اللام للوقت مثلها في «كتب هذا لخمس بقين من شهر كذا» واختير التعبير بها لأنها تفهم مع ذلك أن ما دخلت عليه كالعلة الحاملة على متعلقها، فصار كأنه قيل: طلقوا لأجل العدة وإذا كان لأجلها علم أن المراد تخفيفها على المرأة بحسب الطاقة لأن مبنى الدين على اليسر، وذلك دال على أن العدة بالأسهار، وأن الطلاق في الحيض حرام لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا يدل على عدم الوقوع لأن النهي غير مستلزم للفساد، وقد بين ذلك كله «حديث ابن عمر ﵄ في طلاقه زوجته في الحيض الذي كان سبب النزول، فغضب النبي ﷺ وأمره أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس»
وعلم أن من عدتها بغير الأقراء التي يمكن طولها وقصرها وهي غير المدخول بها والتي لم تحض والآئسة والحامل لا سنة في طلاقها ولا بدعة، وكذا للخالعة لأن النبي ﷺ أذن لثابت بن قيس ﵁ في الخلع من غير استفصال عن حال امرأته لأنه إنما يكون في الغالب عن تشاجر وتساؤل من المرأة، ويقع الطلاق البدعي لأن النبي ﷺ أمر ابن عمر ﵄ بالمراجعة منه، ويأثم به
[ ٢٠ / ١٤١ ]
بعد العلم، ولو طلق في الحيض وراجع جاز له أن يطلق حال انقضاء الحيض قبل المجامعة، والأمر بالإمساك إلى كمال الطهر والحيض الذي بعده للندب حتى لا يكون في صورة من راجع للطلاق، ولا بدعة في جمع الثلاثة لأنه لا إشارة إليه في الآية ولا في حديث ابن عمر ﵄ الذي هو سببها، نعم قد يدعي ذلك في آية البقرة في قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩] و«الطلاق أبغض الحلال إلى الله» كما رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر ﵄ فأبغضه إليه أنهاه «وما حلف به ولا استحلف إلا منافق» كما في الفردوس عن أنس ﵁.
ولما كان نظر الشارع إلى العدة شديدًا لما فيها من الحكم بالتأني لاحتمال الندم وبالظن لبراءة الرحم احتياطًا للأنساب وبقطع المنازعات والمشاجرات المفضية إلى ذهاب الأموال والارواح، وقد أفهمه التعبير باللام، صرح به بصيغة الأمر فقال: ﴿وأحصوا﴾ أي اضبطوا ضبطًا كأنه في إتقانه محسوس بعد الحصي ﴿العدة﴾ لتكملوها ثلاثة أقراء كما تقدم الأمر به ليعرف زمان النفقة والرجعة والسكنى وحل النكاح لأخت المطلقة مثلًا ونحو ذلك من الفوائد الجليلة. ولما كان الطلاق على غير هذا الوجه حرامًا للضرار ومخالفة الأمر وكذا التهاون في الضبط حتى يحتمل أن تنكح المرأة قبل الانقضاء، أمر بمجانبة ذلك كله بقوله: ﴿واتقوا﴾ أي في ذلك ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر لذاته
[ ٢٠ / ١٤٢ ]
في الزمن والإحصاء لأن في ذلك ما هو حقه ﴿ربكم﴾ أي لإحسانه في تربيتكم في حملكم على الحنيفية السمحة ودفع جميع الآصار عنكم.
ولما أمر بالتقوى وناط بعضها بصفة الإحسان فسره بقوله: ﴿لا تخرجوهن﴾ أي أيها الرجال في حال العدة ﴿من بيوتهن﴾ أي المساكن التي وقع وهي سكنهن، وكأنه عبر بذلك إشارة إلى أن استحقاقها لإيفاء العدة به في العظمة كاستحقاق المالك، ولأنها كانت في حال العصمة كأنها مالكة له، فليس من المروءة إظهار الجفاء بمنعها منه، ولأنها إن روجعت كانت حاصلة في الحوزة ولم يفحش الزوج في المقاطعة، وإن لم يحصل ذلك فظهر أنها حامل لم تحصل شبهة في الحمل.
ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لحقهن فقط نفاه بقوله: ﴿ولا يخرجن﴾ أي بأنفسهن إن أردن ذلك من غير مخرج من جهة الزوج أو غيره، فعلم من ذلك تحتم استكمال العدة في موضع السكنى وأن الإسكان على الزوج، وتخرج لضرورة بيع الغزل وجذاذ النخل ونحوه. ولما كان منطوق ذلك أنه لا يجوز له إخراجها كارهة، ولا يجوز لها أن تخرج بنفسها فقط وهو كاره فأفهم ذلك أنهما لو اتفقا جاز لأن ذلك خارج عن المنهي، استثنى من كلا شقي المنهي عنه بقوله.
[ ٢٠ / ١٤٣ ]
﴿إلآ أن يأتين﴾ أي جنس المطلقات الصادق بواحدة وأكثر ﴿بفاحشة﴾ أي خصلة محرمة شديدة القباحة ﴿مبينة﴾ أي ظاهرة في نفسها ظهورًا بينًا عند كل من أريد بيانها له، وذلك كالبذاءة منها على الزوج أو أقاربه فإنه كالنشوز يسقط حقها من السكنى، فيجوز له إخراجها لقطع الشر، وهو معنى قراءة أبي ﵁: إلا أن يفحشن عليكم، وكالزنا فتخرج بنفسها ويخرجها غيرها من الزوج وغيره لإقامة الحد عليها وغير ذلك من الفواحش كما أنه يطلقها للنشوز فإنه لا سكنى لها حينئذ.
ولما كان التقدير: هذه أحكام هذا الفرع، عطف عليه تعظيمًا لها قوله تعالى: ﴿وتلك﴾ أي الأحكام العالية جدًا بما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك الأعلى من هذا الذي ذكر في هذه السورة وغيره ﴿حدود الله﴾ أي الملك الأعظم الذي هو نور السماوات والأرض. ولما كان التقدير: فمن تحاماها فقد أنصف نفسه بأخذه النور المبين، عطف عليه قوله: ﴿ومن يتعد﴾ أي يقع منه في وقت من الأوقات أنه يتعمد أن يعدو ﴿حدود الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿فقد ظلم نفسه﴾
[ ٢٠ / ١٤٤ ]
بأن مشاها في الظلام فصارت تضع الأشياء في غير مواضعها، فصار بمعرض الهلاك بالعقاب كما أن الماشي في الظلام معرض للوقوع في حفرة والدوس على شوكة أو حية أو عقرب أو سبع، أو لأن ينفرد بقاطع، أو أن يضل عن الطريق إلى مهالك لا يمكن النجاة منها، ومثال ذلك الحكيم إذا وصف دواء بقانون معلوم في وقت محدود ومكان مخصوص فخولف لم يضر المخالف ذلك الحكيم وإنما ضر نفسه.
ولما كان له الخلق جميعًا تحت أوامره سبحانه مع أنها كلها خير لا شر فيه بوجه إسرار وإغوار، لا تدرك ولا تحصى، وقد يظهر بعضها لسان الحدثان بيد القدرة، وكان متعديها ظالمًا وكان من أقرب ظلمه وأبينه الإيقاع في مهاوي العشق، فسره سبحانه بقوله مبينًا عظمته بخطاب الإعلاء: ﴿لا تدري﴾ أي يا أيها النبي الكريم ما يكون عن ذلك من الأمور التي يحدثها الله لتشير على المطلق بشيء مما يصلحه فغيرك من باب الأولى.
ولما نفى عنه العلم المغيب لاختصاصه سبحانه به وحذف المتعلق إعراقًا في التعميم، وكان كل أحد فيما يحدث له من الأمور ما بين رجاء وإشفاق، عبر عن ذلك بأداة صالحة لها فقال: ﴿لعل الله﴾ أي الذي
[ ٢٠ / ١٤٥ ]
بيده القلوب ومقاليد جميع الأمور ﴿يحدث﴾ أي يوجد شيئًا حادثًا لم يكن إيجادًا ثابتًا لا يقدر الخلق على التسبب في زواله فيكون مستغرقًا لزمان العمر كما أشار إليه نزع الخافض في قوله تعالى: ﴿بعد ذلك﴾ أي الحادث من الإشارة بالضرار بالإخراج أو تطويل العدة أو غير ذلك ﴿أمرًا *﴾ أي من الأمور المهمة كالرغبة المفرطة في الزوجة فلا يتأتى ذلك إما بأن كان الضرار بالطلاق الثلاث أو بأن كانت من ذوي الأنفة فأثرت فيها الإساءة وفيمن ينتصر لها فمنعت نفسها منه.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ [المنافقين: ٩] وقوله في التغابن: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم﴾ [التغابن: ١٤] وقوله تعالى ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥] والمؤمن قد يعرض له ما يضطره إلى فراق من نبه على فتنته وعظيم محنته، وردت هذه السورة منبهة على كيفية الحكم في هذا الافتراق، وموضحة أحكام الطلاق، وأن هذه العداوة وإن استحكمت ونار هذه الفتنة، إن اضطرمت لا توجب التبرؤ بالجملة وقطع المعروف ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ [الطلاق: ١] ووصى سبحانه بالإحسان المجمل في قوله:
[ ٢٠ / ١٤٦ ]
﴿أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وبين تفصيل ذلك وما يتعلق به، فهذا الرفق المطلوب بإيقاع الطلاق في أول ما تستعده المطلقة في عدتها وتحسبه من مدتها تحذيرًا من إيقاع الطلاق في الحيض الموجب تطويل العدة وتكثير المدة، وأكد هذا سبحانه بقوله ﴿واتقوا الله ربكم﴾ [الطلاق: ١] ثم نبه سبحانه على حقهن أيام العدة من الإبقاء في مستقرهن حين إيقاع الطلاق إلى انقضاء العدة فقال: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ [الطلاق: ١] إلى ما استمرت عليه السورة من بيان الأحكام المتعلقة بالطلاق وتفصيل ذلك كله. ولما كان الأولاد إذا ظهر منهم ما يوجب فراقهم وإبعادهم غير مفترقين إلى ما سوى الرفض والترك بخلاف المرأة، لم يحتج إلى ما احتيج إليه في حقهن فقد وضح وجه ورود سورة الطلاق في هذا الموضع - والله ﷾ أعلم انتهى.
[ ٢٠ / ١٤٧ ]