لما ختم سبحانه الطلاق بإحاطة علمه وتنزل أمره بين الخافقين في تدبيره، دل عليه أول هذه بإعلاء أمور الخلق بأمر وقع بين خير خلقه وبين نسائه اللاتي من خير النساء واجتهد كل في إخفاء ما تعلق به منه فأظهره سبحانه عتابًا لأزواج نبيه ﷺ في صورة عقابه لأنه أبلغ رفقًا به لأنه يكاد من شفقته أن يبخع نفسه الشريفة
[ ٢٠ / ١٧٩ ]
رحمة لأمته تارة لطلب رضاهم وأخرى رغبة في هداهم، لأنه ﷺ بالغ في تهذيب أخلاقه مع ما طهره الله به من نزاهتها عن كل دنس حتى ضيق عليها بالامتناع عن بعض ما أبيح له حفظًا لخاطر الغير، فقال تعالى مناديًا له بأداة البعد وهو أقرب أهل الحضرة مع أنها معدة لما يكون ذا خطب جليل ومعنى جسيم جليل، وفيها إيماء إلى تنبيه الغير وإسماعه إرادة لتأديبه وتزكيته وتهذيبه: ﴿يا أيها النبي﴾ مخاطبة بالوصف الذي يعلم بالعصمة ويلائمه أشد الملاءمة خلو البال وسرور القلب وانشراح الصدر لأنه للتلقي عن الله تعالى فيحث كل سامع على البعد عن كل ما يشوش عليه ﷺ أدنى تشويش ﴿لم تحرم﴾ أي تفعل فعل المحرم بمنع نفسك الشريفة ﴿ما أحل الله﴾ أي الملك الذي لا أمر لأحد معه ﴿لك﴾ بالوعد لبعض أمهات المؤمنين ﵅ بالامتناع من شرب العسل الذي كان عند حفصة أو زينب ﵄ والامتناع من ملامسة سريتك مارية رضي الله تعالى عنها فتضيق على نفسك لإحسان العشرة مع نسائك ﵅ أجمعين، فإن النبي ﷺ كان يشرب عسلًا عند حفصة بنت عمر أو زينت بنت جحش ﵄ على اختلاف
[ ٢٠ / ١٨٠ ]
الروايتين في ذلك في الصحيح، وفي رواية «أنه ﷺ كان إذا صلى الغداة دخل على نسائه ﵅ امرأة امرأة، وكانت قد أهديت لحفصة بنت عمر ﵄ عكة من العسل، فكانت إذا دخل عليها فسلم حبسته وسقته منها، وأن عائشة ﵂ أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها خصرة: إذا دخل رسول الله ﷺ على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا يصنع فأخبرتها الخبر فوصت صواحباتها فنفرنه من شربه بإخباره بأنه يوجد منه ريح كريهة لأن نحلة جرست العرفط، فقال: لن أعود له،» وروى الطبري وابن مردوية «أنه ﷺ خلا بمارية ﵂ أم ولده إبراهيم ﵇ في بيت حفصة ﵂ فتوجعت من ذلك حفصة ﵂ فقال هي علي حرام ولا تذكري ذلك لأحد وأبشرك على ذلك بشارة، وهي أن أبا بكر يلي هذا الأمر من بعدي وأباك يليه من بعد أبي بكر ﵄، لا تخبري بذلك أحدًا، فأخبرت عائشة ﵂»
ويروى أن حفصة ﵂ قالت في يومها من النبي ﷺ: «إن بي إلى أبي حاجة نفقة له عنده فأذن لي أن
[ ٢٠ / ١٨١ ]
أزوره وآتي بها، فأذن لها فلما خرجت أرسل إلى جاريته مارية القبطية ﵂ فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقًا فجلست عنده فخرج رسول الله ﷺ ووجهه يقطر عرقًا وحفصة تبكي فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقًا ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، فقال ﷺ: أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي اسكتي فهي علي حرام ألتمس بذاك رضاك فلا تخبري بهذا أحدًا، فلما خرج أخبرت عائشة ﵂ فحلفته على ترك مارية ﵅» ثم علل ذلك سبحانه بقوله: ﴿تبتغي﴾ أي تريد إرادة عظيمة من مكارم أخلاقك وحسن صحبتك ﴿مرضات أزواجك﴾ أي الأحوال والمواضع والأمور التي يرضين بها ومن أولى بأن تبتغين رضاك وكذا جميع الخلق لتفرغ لما يوحى إليك من ربك لكن ذلك للزوجات آكد.
ولما كان أعلى ما يقع به المنع من الأشياء من جهة العباد الإيمان، وكان تعالى قد جعل من رحمته لعباده لإيمانهم كفارة قال: ﴿والله﴾ أي تفعل ذلك لرضاهن والحال أن الله الملك الأعلى ﴿غفور رحيم *﴾
[ ٢٠ / ١٨٢ ]
أي محاء ستور لما يشق على خلص عباده مكرم لهم، ثم علل أو بين بقوله: ﴿قد فرض الله﴾ أي قدر ذو الجلال والإكرام الذي لا شريك له ولا أمر لأحد معه، وعبر بالفرض حثًا على قبول الرخصة إشارة إلى أن ذلك لا يقدح في الورع ولا يخل بحرمة اسم الله لأن أهل الهمم العوالي لا يحبون النقلة من عزيمة إلى رخصة بل من رخصة إلى عزيمة، أو عزيمة إلى مثلها.
ولما كان التخفيف على هذه الأمة إنما هو كرمًا منه وتعظيمًا لهذا النبي ﷺ قال: ﴿لكم﴾ أي أيتها الأمة التي أنت رأسها، وعبر بمصدر حلل المزيد مثل كرمه وتكرمه إظهارًا لمزيد الغاية فقال: ﴿تحلة﴾ أي تحللة ﴿أيمانكم﴾ أي شيئًا يحللكم مما أوثقتم به أنفسكم منها تارة بالاستثناء وتارة بالكفارة تحليلًا عظيمًا بحيث يعيد الحال إلى ما كان عليه قبل اليمين، وقد بين ذلك في سورة المائدة فحلل يمينك واخرج من تضييقك على نفسك واشرح من صدرك لتتلقى ما يأتيك من أنباء الله تعالى وأنت متفرغ له بطيب النفس وقرة العين، وهذا يدل على أن قوله «أنت علي حرام» كاليمين إذا لم يقصد به طلاقًا للزوجة ولا إعتاقًا للأمة، وإذا كان الله قد فرض ذلك لكافة الأمة تيسيرًا عليهم فرأسهم أولى بأن يجعل له ذلك، قال مقاتل:
[ ٢٠ / ١٨٣ ]
فأعتق ﷺ في هذه الواقعة رقبة، وقد قيل: إن تحريمه ﷺ هنا كان بيمين حلفها وحينئذ لا يكون فيه حجة لمن رأى أن «أنت على حرام» يمين ﴿والله﴾ أي والحال أن المختص بأوصاف الكمال ﴿مولاكم﴾ أي يفعل معكم فعل القريب الصديق ﴿العليم﴾ أي البالغ العلم بمصالحكم وغيرها إلى ما لا نهاية له ﴿الحكيم *﴾ أي الذي يضع كل ما يصدر عنه لكم في أتقن محاله بحيث لا ينسخه هو ولا يقدر غيره أن يغيره ولا شيئًا منه، وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لاخفاء بشدة اتصال هذه السورة بسورة الطلاق لاتحاد مرماهما وتقارب معناهما، وقد ظن أن رسول الله ﷺ طلق نساءه حين اعتزل في المشربة حتى سأله عمر ﵁ والقصة معروفة وتخييره صل الله عليه وسلم إياهن أثر ذلك وبعد اعتزالهن شهرًا كاملًا وعتب الله عليهن في قوله:
﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه﴾ [التحريم: ٤] وقوله: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن﴾ [التحريم: ٥] فهذه السورة وسورة الطلاق أقرب شيء وأشبه بسورة الأنفال وبراءة لتقارب المعاني والتحام المقاصد - انتهى.
[ ٢٠ / ١٨٤ ]
ولما كانت العدة فيمن رأى حبيبه قد ضاق صدره أن يسعى أولًا في شرح صدره وطيب نفسه ثم يزيده بسطًا بأن يقول للحاضرين: إن حبيبنا هذا الكريم علينا اتفق له كذا، وقد كرهت هذا وضمنت زواله، وكان تعالى قد طيب نفسه ﷺ بأول السورة، ثم أتبعه الأمر الآخر، فكان التقدير: اذكروا هذا الذي ذكرته من حسن عشرة نبيكم ﷺ لنسائه رضي الله تعالى عنهن وكريم صحبته وشريف أخلاقه وجميل أفضاله وجليل حلمه واذكروا ما خفف الله به عنكم في الأيمان التي لا مثنوية فيها واذكروا فيها اسمه المقدس، عطف عليه قوله تعالى تشريفًا لنبيه ﷺ بالمعاتبة عليه وبإظهار ما هو حامل له من ثقل هذا السر على أجمل وجه تخفيفًا عنه وترويحًا له: ﴿وإذ﴾ أي واذكروا كريم أخلاقه ﷺ وطاهر شمائله في عشرتهن حين ﴿أسر النبي﴾ أي الذي شأنه أن يرفعه الله دائمًا بأن يتلقى من فياض علمه ما يخبر به الناس فإنه ما ينطق عن الهوى وأبهم الزوجة ولم يعينها سبحانه تشريفًا له ﷺ ولها ﵅ فقال تعالى: ﴿إلى بعض أزواجه﴾ وهي حفصة ﵂، كنى عنها صيانة لهن لأن حرمتهن ﵅ من حرمته ﷺ
[ ٢٠ / ١٨٥ ]
﴿حديثًا﴾ ليس هو من شأن الرسالة ولو كان من شأنها لهم به وأعلنه ولم يخص به ولا أسره وذلك هو تحريم مارية ﵂ ووعده بأن يترك العسل وبشارته بولاية أبي بكر وعمر ﵄ ولم يبين الحديث ويفصله إكرامًا له ﷺ وحفظًا لسره لأن العادة جارية بأن الإنسان لا يحب تفصيل سره وإن كنا اطلعنا عليه بعد ذلك لنتأسى به فيما فيه من الأحكام، فإن أحواله ﷺ كلها أحكام لنا إلا ما اختص به وأشار إلى قرب زمن إفشائه من زمن التحديث بالفاء في قوله تعالى: ﴿فلما نبأت﴾ أي أخبرت إخبارًا عظيمًا جليلًا لشرفه في نفسه ولأنه من عند الله وبالغت في ذلك وأخبرت ﴿به﴾ كله من جميع وجوهه، وجعل ذلك في سياق حكاية لأنه أستر لحرمه ﷺ حيث لم يقل: فنبأت به ولا قال: أساءت بالإنباء به، ونحو ذلك مما يفهم أنه مقصود بالذات ﴿وأظهره الله﴾ أي أطلعه الملك الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿عليه﴾ أي الحديث بأنه قد أفشى مناصحة له في إعلامه بما يقع في غيبته ليحذره إن كان شرًا ويثيب عليه إن كان خيرًا ﴿عرف﴾ أي النبي ﷺ التي أسر إليها ﴿بعضه﴾ وهو أمر الخلافة عتابًا لها عليه لأنه كان أوصاها أن لا تظهره، والكف عن بعض العتب أبعث على حياء
[ ٢٠ / ١٨٦ ]
المعتوب وأعون على توبته وعدم عدده إلى فعل مثله ﴿وأعرض عن بعض﴾ وهو أمر السرية والعسل تكرما منه أن يستقصي في العتاب وحياء وحسن عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان الثوري: ما زال التغافل من فعل الكبراء وإنما عاتب على أمر الخلافة خوفًا من أن ينتشر في الناس ويذيع، فربما أثار حسدًا من بعض المنافقين وأورث الحسود للصديق والفاروق كيدًا أو جر إلى مفسدة لا نعلمها، وخفف الكسائي: عرف أي أقر به والمعرفة سبب التعريف والتعريف عن المعرفة فإطلاق أحدهما على الآخر شائع وعلاقته ذلك وأشار إلى مبادرته بتعريفها ذلك لئلا ينتشر ما يكرهه منه بقوله: ﴿فلما نبأها﴾ بما فعلت من إفشاء ما عرفها منه على وجه لم يغادر من ذلك الذي عرفها ﴿به﴾ شيئًا منه ولا من عوارضه ليزداد بصيرة، روي أنها قالت: قلت لعائشة ﵂ سرًا وأنا أعلم أنها لا تظهره، قاله الملوي وهو معنى قوله: ﴿قالت﴾ أي ظنًا منها أن عائشة ﵂ أفشت عليها ﴿من أنبأك هذا﴾ أي مطلق إخبار، واستأنف قوله: ﴿قال نبأني﴾ وحذف المتعلق اختصارًا للفظ وتكثيرًا للمعنى بالتعميم إشارة إلى أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين عائشة ﵄ مما عرفها به ومن غيره على أتم ما كان ﴿العليم﴾ أي المحيط بالعلم ﴿الخبير *﴾ أي المطلع
[ ٢٠ / ١٨٧ ]
على الضمائر والظواهر فهو أهل لأن يحذر فلا يتكلم سرًا ولا جهرًا إلا بما يرضيه.
[ ٢٠ / ١٨٨ ]